حسام الدين محمد: كيف السبيل إلى الخلاص من مخالب الشيطان؟ – قراءة في رواية زمن الموت والورود لعادل بشتاوي

0
749

هل يمكن لعمل أدبي أن يتلبّس الانسان ويعايشه معايشة النفَس ويقيم معه في نومه وقيامه؟

هذا ما حصل لي مع رواية زمن الموت والورود للروائي والقاص الفلسطيني عادل بشتاوي، فلأكثر من سنة، وفي كل مرة أنتهي من قراءة الرواية واحاول الكتابة عنها أجد نفسي في صراع يقارب صراع أبطالها للنجاة بأرواحهم من مخالب الشيطان؟”- صراع يؤدي الى نوع من المرض لأيام!

واذا كانت هذه لا تبدو دعاية جيدة لمحبي القراءة السهلة وخفيفة التكاليف، او كانت نموذجا لحالة نفسية صالحة لقراءة في المبحث النفسي لتأثير الأدب، فانها برأيي دليل على فرادة وخصوصية في هذه الرواية. ومما يجعل الأمر اكثر غرابة أن عنصر التلبّس هو أحد أركان هذه الرواية الأساسية وعناصرها فسؤالها الجوهري هو: كيف يمكن للشرّ أن يتلبّس البشر وكيف يمكن الخلاص منه.

على المستوى الفني يتظهر هذا السؤال في حكاية صراع فتاة جميلة وبريئة مع شخص يمكن اعتباره تجسيدا آدميا للشيطان. في هذه الحكاية يأخذنا الكاتب ضمن رحلة قسمتنا فيها ان نتلبّس الشرّ ونتلمسه ونشعر أكثر من مرة بحاجة ماسّة لرفع قبضة امير الظلام عن عنقنا، ونضطر احيانا الى الإحساس بأن الشيطان نفسه قابع خلف جلدنا ونستشعر أنفاسه تخرج من دواخلنا، فلكي ندرك فظاعة الشرّ، تدفعنا الرواية للاحساس بنوع من التلبّس به، وهو، على ما يبدو، عين ما حصل معي.

رواية زمن الموت والورود هي ايضا، وبالتأكيد، عن قدرة الروح الانسانية على التخلص من هذا التلبّس الشيطاني، وفكرة الخلاص من التلبس في هذه الرواية تقوم على الحب [1] بين الشاب الفلسطيني علي والفتاة اللبنانية (المسيحية من جهة أمها) الفلسطينية (من جهة أبيها) رنا، والفشل في الحب في الرواية لا يعادل الموت فحسب بل يوصل الى الموت فعليا، كما حصل مع ماهر صديق علي في بداية الرواية، الذي يستعيد قصة فشله في الحب فيما يستمع الى نداء الموت ويتأهب لحصوله.

تلبيس ابليس

يتكرر تشبيه البطلة رنا في الرواية بلجئون الذي ذكر الانجيل أن جسده امتلأ بالشياطين، وليس توصيف رنا لنفسها بلجئون استخداما رمزيا يضيف البعد الديني لتوصيف مواضعات الواقع فحسب بل يشير الى عنصر مهم في الرواية هو العنصر الميثولوجي الذي يتراكب مع العنصر التاريخي ليضفيا طابعا ملحميا على الرواية رغم ان ما يتبدى لنا من ان انشغالها الأساسي هو بالذات الفردية وخياراتها.

من جهة أخرى يصرّ علي على اعتبار رنا (ملاكاً)، وهو اصرار لا يلبث ان يقاربه الشكّ عند اقتراب الرواية من خاتمتها، بعد أن رآها بعينيه وهي تحاول حماية ايلي، الذي جنّدته (اي علي) لاخراجه من داخلها بعد أن سكنها كما يسكن الشيطان ضحيته في أفلام الرعب.

مرجعية بشتاوي السينمائية التي نشير لها هنا لا تخفي المرجعية الكبرى لروايته وهي الانجيل، فكتاب بشتاوي يتقارب مع العهد الجديد في اصراره على موضوعة تلبّس الشيطان للبشر، وقدرة المسيح (في الانجيل) وعلي (في زمن الموت والورود) على اخراجه من جسد ìالمريضî المسكون به. غير أن هذا ليس إلا أحد مظاهر تغلغل روح النص الانجيلي في كتاب بشتاوي فهذا النص يظهر في جوانب عديدة يصعب حصرها، وسنشير لها في سياق هذه المقالة.

وتكرار ذكر الشيطان في الرواية عشرات المرات يكاد يوحي ان الكل مسكون بشياطين والخلاص منها ليس بالحب فقط بل بالصراع الرهيب ضد الشرّ والذي يمكن ان يؤدي حتى الى القتل. [2]

تلبس الشيطان لرنا يتم من خلال استغلال أهم غريزة طبيعية في الانسان وهي غريزة الدفاع عن النفس ضد الموت، حيث يرتّب ايلي حادثة يتم فيها انزال رنا من السيارة على حاجز أمني وترى نفسها متجهة الى مصير مجهول، حين يطلّ ايلي لانقاذها. عنصر الخوف هو عنصر رئيس في الاغراء، فكاتيا، صديقة رنا، التي تتكشف عن عشيقة لايلي وعضوة في منظمته، حين لا تستطيع اقناع رنا بلقاء ايلي تذكرها أن حادث الحاجز يمكن ان يحدث مرة اخرى فتقبل بلقاء ايلي.

هنا يأتي دور ايلي لاستخدام عنصر الحياة بدلا من عنصر الموت في اغرائه لكي يكتمل التفاف الشبكة على رنا، فهي لا تلبث ان تقع شيئا فشيئا كأنثى تحت وطأة الانجذاب اليه كشاب جذاب وذي نفوذ. ولأن ايلي ليس رجلا بل ìشيطاناî يشتغل بالموت فهو لا يسعى لاكتساب حب رنا كما يسعى أي رجل لاكتساب حب انثى (لأن همه الأول من علاقته بها هو ادخالها في بوتقة الموت التي يشرف عليها)، بل هو يسعى لنيلها بسرعة مستخدما وسائل ملتوية، فيقيم حفلة لشلته من الرجال والفتيات ويطلب من رنا تدخين الحشيش، وحين تتأثر بالمخدر وتخلع ثوبها يصوّرها شبه عارية، ليستخدم الصور في التحكم بها وابتزازها.

تتدخل الغيرة النسائية فتشرح كاتيا لرنا المهمة المطلوب منها تأديتها حين تنضم الى مجموعة ايلي، وهي القتل والاغتيال (وتفجير السيارات في المارّة)، لكن المشكلة مع رنا أنها قد تلبّست محبة ايلي، بل انها تصبح ولو لفترة قصيرة فحسب ايجابية وفاعلة في العلاقة مع ايلي، وتلعب لعبة الأنثى في الاغواء، متقبلة حتى رغبة ايلي في اخضاعها، وان كان ذلك تحت تأثير الحشيش، لكنها لا تلبث، حالما تدرك الهوّة الرهيبة المدفوعة اليها، أن تتردّد وترفض، ويأخذ رفضها شكل تدمير الذات، ومع ذلك نراها بعد محاولتين فاشلتين للانتحار ما تزال تعتقد بامكانية حلّ وسط مع ايلي [3] حتى بعد معرفتها للجانب الشيطاني فيه، فكيف حصل ذلك، وما هو معناه؟

تحمّل الرواية جزء من المسؤولية في ذلك لعلي الذي كانت لديه فرصة لعلاقة مع رنا قبل لقائها بايلي، لكنه كان مشغولا بقضيته السياسية، فكأن الجانب الخيّر من الذكورة قام بتجاهل الأنثى مما دفعها باتجاه الجانب الشرّير، أو كأن المثقف، بانشغاله بقضيته السياسية ابتعد عن المعنى الأول للكينونة البشرية وهو الحب وصنع الحياة [4].

الجزء الأكثر غموضا في رنا في سبب حبها لايلي حتى بعد انكشاف وجهه الصانع للموت هو جانب لا يمكن مسّه بسهولة أبداً ولذلك يتطرّق الكاتب إليه بحساسية، بل كذلك، بحيرة بالغة يؤججها السؤال: كيف يمكن لفتاة نقية وبريئة، (من أب فلسطيني مسلم وأم مسيحية متدينة) أن تقبل، ولو مدفوعة بعاطفة الحب وليس بالعقل، أن تتقبّل امكان الزواج بمجرم من هذا الصنف من كارهي البشر كايلي، كيف استطاع الشيطان ان يتسلل الى روحها؟

لغز رنا هو لغز محيّر حقا ليس لأنها استثناء بل لأن الكثيرات مثلها بعن أرواحهن الطرية للشيطان.

واخراج هذه القضية من طابعها الميثولوجي الى طابعها الأرضي والاجتماعي يجعل الرواية تتلمّس المناطق الوعرة في النفس الانسانية والتي ترتكز الى الكره حين يصبح ذا مبررات دينية، فحين تحاول رنا ان تساوي بين العنف الفلسطيني والعنف الكتائبي يقول علي ان الفلسطينيين لم يقتلوا اطفالا بالفاروعات والسواطير. أما دفاع رنا والذي يحمل الضحايا المسؤولية نفسها التي يتحملها القتلة فيبدو لي كقارىء سياسي ربما متهافتا بحيث نجد فيه هذه الثغرة التي تسلل منها الشيطان، والتي استطاعت الأفكار الشيطانية ذات اللبوس السياسي الديني ان تجد منها طريق المرور الى اعناق الأطفال واجساد النساء، ولكن، مع ذلك، يبقى لديّ كقارىء وانسان، كما لدى الكاتب نفسه، مكان مفتوح على الحيرة. هذه الحيرة سببها ان رنا تقول لعلي بلهجة مهددة مثلا: “أنت لا تعرف ماذا في داخلي”، وتقول “بعض أرواحي لي وبعضها للشيطان” (ص 298)، فيقر الكاتب بذلك ان روحا شريرة موجودة أصلا في داخل رنا، كأنه شرّ أصيل او خطيئة أصلية موجودة في الانسان وتنتظر أن تنشط فجأة لتقتل وتمارس الاجرام، بل ان الكاتب يتجرأ احيانا على ربط هذا الشرّ بشكل ما بكون الانسان قادما من أقلية (صفحة 303).

أما القرار المعاكس لرنا بمحاربة الشيطان داخلها والاقتران بعلي فيبدو شديد الواقعية والبعد عن الإلغاز فهي تقول لتبرير ذلك: “أريد أن اكون جزءا من هذا العالم الصغير الذي أعرفه. أريد أن أكون قرب ماما وبابا وصديقتي في مكان آمن اشتغل فيه بالشيء الوحيد الذي أريده الحياة” (ص 175).

الين واليانغ

رغم ذلك فإن بشتاوي، قادر في روايته هذه مرة من موقع الضحيّة الناظرة إلى الجلاّد يبطش بها، ومرة من موقع الضحية المدافعة عن نفسها والقاضية على الظلام الذي يمنع عنها الحياة على رؤية الجدل (الديالكتيك) الغريب للعلاقة بين الخير والشرّ، حيث كما في الفلسفة الصينية، يتداخل الين في اليانغ، وحيث البداية جزء من النهاية والأول جزء من الآخر.

نستطيع تفحّص ذلك بداية من خلال اسمي البطلين اللذين يتنافسان على حب رنا ويحملان اسما واحدا ينطق بطريقتين مختلفتين (علي وايلي)، فالاختلاف البسيط في طريقة نطق الاسم تفصيل يخفي على وهنه وهشاشته الظاهرية كتلة هائلة من الاختلافات والالتباسات والدلالات المتعارضة تعارضا يجعل بقاء واحد من الطرفين قائما على فناء الآخر.

ينصب الكاتب إذن حلبة لصراع ميثولوجي بين خير وشرّ متعينين بشخصيات واقعية وذات دلالات سياسية وتاريخية، مقدما، في الآن نفسه، كل إمكانيات الشكّ بجدوى هذا الصراع الميثولوجي، فهناك من جهة، فصل مانوي واضح بين طبيعتين متناقضتين، ومن جهة أخرى تقدم الرواية اشارات مستمرة الى المركب الذي يجمع الشخصين (الفلسطيني المسلم واللبناني الماروني) بحيث يؤدي غرق الواحد منهما إلى غرق الآخر، بل ان بطلة الرواية رنا (الفلسطينية من أم كاثوليكية)، التي يتنافس عليها البطلان تحمل هذين الشخصين المنفصمين والمتقاتلين داخل هويتها الثقافية، معانية من هذه الهوية المنفصمة والمزدوجة، وتقوم الرواية على لأم ولحم هذا الانفصام.

ينمو الحبّ، في الرواية، داخل الشرّ (والكره)، ثم، شيئا فشيئا، بالاشتغال ضدّه. والرواية، بشكل ما، هي متابعة تفصيلية، للخط البياني، الصاعد أحيانا، الهابط أحيانا، لنموّ هذا الحب، داخل هذه الشخصية المعقّدة لبطلة الرواية، الحاملة داخلها بذرة الفناء (محاولتها الانتحار مرتين) وكذلك بذرة الخصب (رغبتها الهائلة بالحب)، أو الشرّ والخير معا (تقول رنا في جملة تعبّر عن هذه الحالة ولكنها تفتحها في الوقت نفسه على اللغز: “أريد ان أكرههما معا لأنهما السبب في كل شيء” (ص 357).

بعد ان تبدأ الرواية بعلي، في معسكر للمقاومة الفلسطينية، مسجلة لحظات فكّ ارتباطه بطريقة تعاطيه مع القضية السياسية (الانتظام في منظمة سياسية عسكرية)، تنتقل بنا الى رنا، وقد بدأت تدخل خيوط العنكبوت، وتقع في حب ايلي البطل المضاد (الذي يمكن تشبيهه بنوع من Anti Christ اذا استخدمنا التعبير اللاهوتي المسيحي)، ثم تكتشف ماهية عمله الأمني المرتبط بالموت، وتدرك أن الذي يراد منها، مقابل وعود ايلي بالحب والزواج هو الاغتيال وصنع الموت، ويكون اللقاء لاحقا بين علي (المحبط والمواجه للموت في عرض البحر)، ورنا (المحبطة ايضا والتي تحاول الانتحار)، هو اللقاء الذي يفتح الباب لانقاذ الاثنين معا، وهكذا يحصل انتقال جميل في الرواية الواقعية لتحتك وتتراكب مع ميثولوجيا فكرة خلق العالم بدءا من رجل وامرأة.

بحر الظلمات، بحر الحب

غير أن آدم وحواء الرواية، لا يهبطان إلى لقائهما من الجنة إلى الأرض بل يهبطان من جحيم حقيقي إلى… البحر، حيث يستخدم الكاتب كل دلالات عالم المياه هذا فرحلة علي في البحر تحيلنا إلى تراث كامل من الأدب الروائي ذي الصلة الحميمة والعضوية بالبحر، من الأوديسة مرورا بهرمان ملفيل ووصولا الى همنغواي، كما أنها تحيلنا إلى طبقات دلالية، لا تتفاعل، في ذاكرة القارىء، مع النص الأدبي الحديث فحسب، بل مع نصّ البحر والماء، نزولا عبر العصور نحو أساساته في النفس الانسانية، من جهة، وفي الميثولوجيا والأسطورة من جهة ثانية.

ينتهي الفصل الثاني من الرواية بمشهد مربع يندمج فيه العبث بالموت، فماهر، صديق علي، الذي اختفى بعد غارة اسرائيلية ولم يترك أثرا، تطفو أشلاؤه على سطح بركة داخل المعسكر عندما يرمي أحد المقاتلين المسمى ìبعبعî بقنبلة داخل الماء.

بعد ذلك نرى إلى علي وهو على مركب، يفكّر في عودته من ما يسميه فاضل الربيعي بـ”مجتمع المناضلين” المغلق، الى الحياة العادية. يموت ماهر في البركة مثل سمكة فيما ينغمس علي لاحقا في صيد السمك، وتوصيف الراوي لكفاح السمكة للنجاة بحياتها من صيادها (الذي كان مثل صديقه ماهر سمكة مرشحة للاصطياد والموت) يبدو تمثيلا وترميزا لرغبة النجاة نفسها عند علي. محاولة السمكة للنجاة بحياتها تبدو محاولة انتحارية وهي تشابه ما مرّ بنا من محاولة خروج علي من المعسكر لا من بابه الرئيسي بل من ìعدوة الآخرةî، وهي طريق زرعها قائد المعسكر بألغام. خروج علي إذن هو خروج انتحاري، وهو خروج طقسي أيضا، مما يجعله يقارب الميثولوجيا، فهو أشبه بالمسير على الصراط المستقيم في الميثولوجيا الاسلامية، باتجاه الجنة، او المطهر في الميثولوجيا المسيحية، لكن الألغام لا تنفجر، بل ينفجر البطل بمونولوج طويل مليء بغضب هائل يشتغل على موضوعة الرواية الأساس: الشرّ [5].

يلعب الصيد ايضا دورا قريبا من التجربة الدينية المسيحية الممثلة في قول المسيح: هذا جسدي فكلوه، كما أنه يذكرنا بدعوة المسيح لسمعان واندراوس لترك صيد السمك واتباعه لصيد الناس [6]، فماهر الذي تماهى مع السمكة في البركة قام علي باصطياده، او باصطياد ذاته المتألمة كسمكة تم تطويقها وسد المنافذ في وجهها. ان كآبة وبلاهة السمكة تشبه بلاهته هو وماهر وبعبع ايضا فهم اخطأوا وعضوا الصنارة وتم اصطيادهم [7].

وكما يماهي علي بين ماهر والسمكة فإنه يماهي بينه وبينها في نوع من التبادل الرمزي الثلاثي بينه وبين السمكة وبين ماهر، ففي داخل علي حاجة ليكون صيادا لا سمكة ليتخلص من ذكرى كونه ضحية. هذا اللجوء الى الصيد هو اخراج للعنف وممارسة رمزية وطقسية كما ذكرت.

خلال هذا الاحساس بالوجود ضمن هذه الكينونة الهائلة للبحر يكتشف البطل وجوده وحيدا [8] في الكون الى درجة الاحساس بعدم وجود اله. هذه الفكرة هي من القوة الهائلة بحيث تضع مسؤولية مصير الانسان على عاتقه هو نفسه وليس على أي شخص آخر، لكنها للغرابة، تجعله يتقاطع مع تجربتين طقسية وميثولوجية وهما تجربتان من طبيعة دينية بامتياز، لينبهنا باستمرار ان خلف الحركة الواقعية في الرواية باطنا ميثولوجيا ورمزيا كامنا.

في الفصول ٤، ٥، ٦، وهي من أهم فصول الرواية على مستوى البناء الروائي، نجمع تفاصيل مشهد لكل من علي على مركبه (بعد ليلة فريدة جدا تقرّبه من الموت والاحساس الهائل بالعزلة)، ورنا في الباخرة (في حالة من اليأس الشديد يدفعها لقرار الانتحار)، كما لو كانا في رحلة لا شعورية، عن ما يمثله البرّ من علاقة بالواقع، والحياة الماضية، متجهين، كل بطريقته الى الموت: راكبان مميزان لقارب الميثولوجيا الذاهب الى العالم السفلي للأموات. يترجّح أمل علي بالنجاة ويفتح البحر فكه الهائل لابتلاع البطلين، وترمي رنا بنفسها في البحر، ليجتمع قدراهما مرة أخرى، ويندفعان للقاء، خارجين من مقابلة الموت وجها لوجه.

للماء إذن، كما أشرنا وجوه كثيرة في الرواية، منها وجه الموت، كما حصل لماهر في البركة، وكما كان يمكن أن يحصل لعلي ورنا في البحر، ولكن من وجوهه أيضا الحياة والخصب، المتمثل بانقاذ علي لرنا. البحر هو نوع من الرحم الهائل للمعنى والعدم الذي تشتغل الرواية على صراعهما من خلال الصراع بين الحياة والموت.

تقدم الرواية لنا بعد ذلك قصة حبّ غير عادية تواجه بالقوة الهائلة للتاريخ، القديم، متمثلا بالشخصية الثقافية للبطلة، والحديث، متمثلا بعلاقتها بإيلي اشكالات لا تشابه اشكالات قصص الحب العادية، فالشخص الشرّير، وهو بالأحرى نوع من البطل المضاد لا يذهب إلى رنا واضعا العراقيل في طريقها، بل تذهب البطلة نفسها إليه. الاشكالات إذن من طبيعة نفسية داخلية، ولذلك تجابهنا الرواية بالتواءات وتقلّبات البطلين، ومعاناتهما الشديدة في الطريق للارتباط.

يمكن اعتبار الرواية مسكونة بقدر متساو بعنصرين خطيرين: الشرط الانساني والمعنى الديني (وهو شرط انساني أيضا)، واذا كان الشرط الانساني شديد الوضوح في الرواية ولا مساءلة في مدى ضرورته وعدالته، فان المعنى الديني هو ما يكسب هذه الرواية خصوصية كبيرة، لأنها بقدر ما ترفض اتجاهاً سياسياً يتلفع بالراية المسيحية فيما هو يقتل ويذبح، بقدر ما هي مسكونة بالمعنى الداخلي الأعمق للتجربة المسيحية وبالتأويلات المسيحية، فعلي، الفلسطيني المسلم يبدو الأقرب الى المعطى المسيحي الذي يتفهم المرأة (وهو جانب شديد الوضوح في الانجيل)، وكذلك المعطى المسيحي الذي يرفض التقليد الديني اذا كان لا يتناسب مع البشر ولا يرحمهم، اضافة الى عناصر كثيرة لا تخفى على القارىء. ومن خلال تلبّس الرواية بهذه الروح المسيحية كما تتجلى في الانجيل فإنها توظّف معنى المسيحية العميق ليتضاد مع توظيفها السياسي الذي يسمح بالقتل والاجرام بدعوى الحفاظ على الدين المسيحي [9].

غير أن تركيزنا على علي سيخفي الدور الأساسي لرنا، وهو ليس في الحقيقة دور المريض الممسوس الذي ينتظر اللمسة الاعجازية، فرنا هنا هي فتاة شديدة الذكاء والعاطفة والخصوصية النفسية، وهي التي تلعب الدور الفاعل والمخصّب للحكاية، فعلاقة علي بها هي نتيجة لقرار رنا، أما دور علي فكان فاعلاً ومتفاعلا بالتوازي والتساوي مع دور رنا. واذا كان علي يحمل صفات ميثولوجية إضافة الى صفاته البشرية، فإن في رنا بذرة الأنوثة الحوائية كلها، بكل غناها الهائل وخصبها وغموضها، وحكايتها، على المستوى الميثولوجي الذي يتبطن الرواية، هي أقرب ما تكون الى حكاية عشتار الآلهة الأم، التي تنزل الى أرض الأموات، لانقاذ تموز من مخالب عدوّه، وانقاذ نفسها معا.

التلبّس الروائي!

لي أن أزعم، بعد أن قرأت الرواية عدة مرات، وقلبتها على أكثر من وجه، أنه يمكن الحديث عن علاقة غريبة بين راوي الرواية والروائي نفسه، فكأنما هناك نزاعا بينهما. يتجلى ذلك في بنيتين تتصارعان داخل الرواية: بنية يريدها الروائي لروايته، وبنية تفرضها الرواية نفسها، فهناك اتجاه داخل الرواية لتصوير الصراع على أنه صراع بين شيطانين لكن قارىء الرواية يفهمه ضمن قالب صراع بين الله والشيطان، والتوازن الذي تقيمه رنا بين “شيطانين” يسكنان داخلها لا يتبدى للقارىء كذلك، فعلي لم يكن يصنع الموت بل كان ضمن قاعدة تتعرض للقصف والعدوان، وعلاقته برنا علاقة شديدة الحساسية والانسانية، بينما نرى ايلي يزرع الموت المبرمج وبكل أشكاله الفعلية والرمزية، إضافة لكونه عدوانيا وحقيرا في تعامله مع رنا.

زمن الموت والورود هي في ظني نموذج لانتقال الصراع بين اشخاص الرواية وعناصرها الى صراع بين الروائي والحكاية التي صنعها. الروائي بصفته خالقا ديمقراطيا لشخوصه يجعل من بطله علي يقول: “لم أكن قادرا على التعامل مع الحياة وأنا لا أتعامل إلا مع الموت”، ليقيم علاقة مشابهة ما بين كل من علي وايلي، والرواية لا تخفي بالتالي الرغبة الديمقراطية للروائي بالعدالة حتى لو استأدت نوعا من شيطنة نسبية للذات، ولكنها في النهاية تقوم بتثبيت عاملين مهمين: الأول هو ان الروائي لا يستطيع، في المواضعات التاريخية والانسانية، الا ان ينحاز داخليا، والثاني هو ان خط الصراع الأساسي داخل الرواية عموما، والرواية ذات النزوع الملحمي خصوصا، تتجه بالضرورة الى التموضع ضمن عالم الصراع بين وجهات نظر او حكايات سردية كبرى متعارضة، لابد لاحداها ان تلغي الأخرى وتنفيها، غير انه يسجل لـ زمن الموت والورود ميزة الرغبة الديمقراطية لنوع من الاحتضان للسرديتين داخل حكاية واحدة، وان كانت تنحاز أخيرا لسردية لتقضي على السردية الأخرى، كما يفترض بأي دراما فنية.

تتجه الحكاية لتكون حكاية صراع بين خير وشر لكن الكاتب، مشغولا ربما بفكرة “ديموقراطيته” وحياده كخالق روائي يريد بشكل ما ان يساوي بين علي وايلي على الأقل داخل رنا، فتصبح مثل لجئون الذي تسكنه الشياطين، وعلى الأكثر، بالنسبة لقارىء ليس متعاطفا، بشكل بدئي او مبدأي مع علي، ولنقل مع قارىء لا يحب الفلسطينيين مثلا.

لكن ذلك يفتح سؤالا يحتاج لمقاربات ضمن سوسيولوجيا القراءة فالشخص الذي يمكن أن يعتبر التجسيد البشري للشيطان في رواية بشتاوي هو شخص ذو أهواء سياسية، ومن طائفة دينية معينة من جنسية عربية محددة، كما أن أبطال الرواية يتصارعون ضمن خلفيات تاريخية معروفة، فماذا لو أن شخصاً آخر غيري، من خلفية اجتماعية وسياسية مخالفة، قرأ هذه الرواية؟ هل كان سيعيش شعوري نفسه، أم أنه كان سيتعاطف مع “الشيطان”، ويراه بعينين لا أستطيع أنا أن أراهما به؟، وهل يعني ذلك أن الكاتب انجرّ إلى حالة أبلسة للآخر، وطهرنة وتقديس للذات؟ واذا كان لنا أن نرى بسهولة خطوط الميثولوجي، والتراجيدي، فهل يمكن أن نرى في النص أيضا شبهات الأيديولوجي، بالمعنى السلبي للكلمة؟

الأيديولوجيا، في الحقيقة موجودة ومتضمنة في كل النصوص الابداعية، لأنها موجودة فينا، وان كنت لا أرى الايديولوجيا سرداً وحكاية صغرى ضمن حكايات كبرى، ولا يمكن لي أبدا أن أعتبر سرد الفلسطيني لحكاية اقتلاعه من أرضه مساوياً بالقيمة المطلقة لسرد الاسرائيلي لحكاية “استقلال” دولته، او لسرد الكتائبي لفكرة اعتبار الحرب الأهلية اللبنانية نتيجة للوجود الفلسطيني “الغريب”.

البناء الروائي

يخوض الكاتب في هذه الرواية مغامرة كبيرة، تتجلى واضحة لمن قرأ روايته الأولى بقايا الوشم، ففي الرواية المذكورة نقرأ قصة حب مبنية على موضوعة (ثيمة) بسيطة تتطور وتتعقّد ثم تنفرج كالروايات الكلاسيكية، ويعيش القارىء تطورات الأحداث المرويّة بطريقة مشوّقة جداً، ويتفاعل الشكل المستخدم في الرواية، وهو على شكل فصول قصيرة نسبيا، مع الموضوع، بطريقة متناسبة جدا، نحسها أشبه بحلقات مسلسل تلفزيوني، مع تكشّف طبقات داخلية عميقة للرواية، متخفّية في ثنايا النصّ بطريقة بارعة، بحيث لا تثقل السرد ولا تعيقه.

أما في زمن الموت والورود فيتواجه القارىء بإشكالات عديدة يفرضها موضوع الرواية المعقد وشخصياتها المحمّلة بأثقال التاريخ وآلام الحاضر والتواءات الفكرة والجسد تحت باهظ تقلبات الحرب الأهلية اللبنانية والاثمان المدفوعة لانفلات الغرائز والدوافع الدموية من عقالاتها كلّها، كما لو كانت صندوق “باندورا” في الأسطورة الاغريقية الشهيرة.

يستخدم بشتاوي في روايته هذه تقسيما مشابها لتقسيم روايته السابقة، فهي مقسمة لعدد كبير من الفصول القصيرة نسبيا، كما أن عدد الصفحات هو نفسه في الروايتين، غير أن الحدث في زمن الموت والورود يبدو وكأنه لا يتطوّر بالطريقة ذاتها التي تطور فيها في بقايا الوشم، فرغم ان البطلة في ìبقايا الوشمî تسافر الى امريكا، ثم تعود الى سورية، فإن تنامي الحدث لا يتأثر بتاتا، بل ان احدى الأفكار التي تقوم عليها الرواية، هي قدرة البطلين الشابين على الاستمرار بالاتصال، وانجاح قصة حبهما، من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة.

أما في زمن الموت والورود فإننا نستشعر وحدة قاتلة لدى كل من الطرفين تدفع كل منهما على حدة لمحاولة الانتحار، وحتى لقاؤهما لا يقدّم كما حصل في ìبقايا الوشمî المكافأة العادية التي يجنيها القارىء من متابعته للتفاصيل شديدة الطرافة والمتعة لقصة حب من طراز خاص، فعلاقة علي ورنا الجديدة مؤسسة، بداية، على محاولة سابقة لإنشاء علاقة بينهما تكللت بالفشل، كما أن العلاقة تعاني من وطأة خط رئيسي، وهي علاقة رنا بشخص يبدو النقيض المجسّد لعلي، بحيث تصبح الرواية نضالا متّصلا ضد هذا الانقطاع والانفصال بين البطلين، غير أن اشكاليته أن الاتصال المنتظر بين علي ورنا لا يقوم الا على اشكالية انفصال لا تتم الا بطريقة البتر والاستئصال لفصل رنا عن ايلي.

ففيما يمكننا ان نعتبر ان التكامل هو دافع العلاقة بين البطلين في ìبقايا الوشمî فإن القطيعة والانفصال هي دافع العلاقة بين بطلي زمن الموت والورود ، وبالتالي فان البناء الروائي في زمن الموت والورود سيقوم على جهد خارق لتأطير حكاية غير عادية.

لعلّ احدى عناصر الرواية الأساسية عند عادل بشتاوي هي بناءها نفسه، والجهد في بناء رواية زمن الموت والورود يقارب مكابدات الأبطال فيها، ولعلّ المتفحص والمدقق في هذا البناء سيكتشف الدقة العظيمة في الصياغة والشغل الكبير الذي اشتغله الكاتب كما لو كان منكبّا على قطعة ضخمة من الماس، بحيث ان كل عنصر صغير يلعب دورا شديد الأهمية.

من ذلك مثلا ان الفصل بين الفصول يلعب دورا عضويا في التعبير عن الأفكار الرئيسية في الرواية، فالفصل 17 مثلا هو فصل مشهدي للحب بين علي ورنا بينما الفصل 18 هو فصل مشهدي للقطيعة. الانتقالة من هذا الفصل الى الآخر لا يحددها الانتقال الزمني فالفصل هو من طبيعة عضوية وفنية، وبذلك تشابه الفصول الأفكار الرئيسية في الرواية التي قد تنتقل من النقيض الى النقيض مثل تحوّل الخمر الى خلّ كتشبيه لفشل الحب، او تحوّله لخمر كتشبيه لنجاحه.

تبدو الرواية متأثرة كثيرا بالسينما فطريقة انتهاء الفصول وابتدائها هي انتقالات مشهدية، ولعلّ السينما ستكون الأقدر على توصيل الشحنة الابداعية الكبيرة التي تحملها الرواية، فالفصل الأول يبدأ بسماع ماهر لدندنة (موسيقى صوتية) نعرف لاحقا انها نداء الموت او الاحساس الباطني به، وينتهي الفصل بماهر وهو يدبك على لحن اغنية ثورية، ثم يبدأ الفصل الثاني بما نعتقد انه مرض ماهر لنكتشف انه كابوس يعيشه علي اثر غياب ماهر، وداخل هذا الفصل نجد تقنية الخطف خلفا (فلاش باك)، المستخدمة لتصوير حالة ترقب لانفجار، وهي تقنية يتتابع استخدامها على مدى الرواية.

يوضح هذه الصياغة شبه السينمائية للرواية انها لا تنشغل بالوصف أبدا بل غالبا ما تفتتح الفصول بداية حادة وقاطعة، ويكون الوصف مقتصدا بما يكفي للتعبير عن الحالة النفسية للشخصيات، والجمل هي جمل فعلىة وحركية: ìنظر علي إلي بعبع بجمود واومأ إليه خفيفا ليبتعد عن طريقه فتجاهل اشارته. “أبو العباس منع الدخول الى عدوة الآخرة”، قال وهو يدفع عليا في صدره… (مفتتح الفصل الثالث).

يطلب الكاتب من القارىء في كل انتقالة فصل ان يفكر معه، ليس بالزمان والمكان وحسب بل بالحدث نفسه وكيف يتشكل فهو غالبا لا يبدأ بالوصف بل يدخلنا في الحدث مباشرة من خلال حوار مشدود ومعبّر، والمثال الأجلى على ذلك هو التيه الذي نخوض فيه منذ بداية الرواية لمعرفة تاريخ دقيق للحدث، وتلعب تقنية ìالخطف خلفاî دورا كبيرا في هذا التيه، فالفصل الثاني مثلا يفترض بالقارىء حل عدة الغاز منها معرفةإختفاء ماهر وهذا يستغرق ٩ صفحات (ص 28 الى ص 37)، ومعرفة من هي سنا (ص 54) وقصة موتها، وفك اشتباك الحلم بالتذكر بالواقع حيث لا فواصل بينهما فكأن الرواية (رغم حجمها الكبير) سيناريو مكثّفا لرواية أخرى تختفي خلفها وتقدم كل التفاصيل بطريقة تقليدية!

المشهدية السينمائية وتقنياتها حامل من حوامل الرواية البنائية غير أن هذه المشهدية التي قد تتوخى التشويق او تطعيم الجنس الأدبي الروائي تتعارض أحيانا مع تركيبة معقدة ينسجها الروائي في كتابه، فالقارىء يحتاج لقراءة بعض فقرات الرواية اكثر من مرة احيانا ليستطيع ان يفهمها، كما يحتاج الكثير من الانتباه للاحالات المتعددة داخل الرواية الى اجزاء اخرى من الرواية نفسها، او لتأويلات رمزية (كقول الراوي عن رنا: “قالت النفس في الشطر الأول للنفس في الشطر الثاني” (ص 127) وهي اشارة الى ازدواجية الهوية لدى البطلة) او دينية (كالاشارة الى لجئون التي يصعب فهمها على من ليس عارفا بالانجيل) او سياسية (كالقول: “قال ان اسمه جورج لكنها سمعت ميشال يدعوه همسا في ما بعد باسم احمد” (ص ٩٩) كاشارة الى تعاون بعض المسلمين مع الميليشيات الكتائبية)، وهذا الأمر يجعل من الصعب على القارىء التقاط كل اشارات الرواية وتفهم غناها وامكاناتها ما لم تقرأ اكثر من مرة.

تتعقد العناصر في الرواية بكافة الاتجاهات: الصورة، التشبيه، الزمان، المكان، الشخصيات، وتتأبى من خلال كل ذلك على النمذجة فهي لا يمكن اعتبارها حكاية رومانسية مع انها تشتغل عضويا على حكاية حب، كما لا يمكن اعتبارها ìرواية رعبî هدفها التشويق مع أن فيها ما يبقي القارىء متوترا بشكل دائم، ولا هي حكاية تاريخية لأن شغلها هو على الداخل الانساني وطريقة استيعابه الذاتية للتاريخ، وليست رواية نفسية محضة، لأنها تدرس الانسان داخل شرطه الاجتماعي، وليست سياسية، لأنها تحاول قراءة السياسي ضمن شرطه الانساني ثم تفتحه على الميثولوجي والملحمي، وهي ليست ملحمة لأن ابطالها ليسوا جماعات بشرية متصارعة بل بشرا محدودين ومحددين واذا كانت لهم خواص عامة وتمثيلية للجماعة فهم ايضا مخلوقات فريدة وخاصة، لكل ذلك تستعصي الرواية هذه على القولبة والنمذجة، ولعل هذه، برأيي، من أهم صفات الأدب العظيم.

لكل ما سبق فإن عادل بشتاوي في زمن الموت والورود يثبت مرة أخرى أنه واحد من أهم كتّاب الرواية باللغة العربية، وأحد صنّاعها الأكثر حرفة وقربا من منطق العصر، في نص يتصادى في الآن نفسه مع تراث البشرية السردي الهائل، وخصوصا ترسانتها الميثولوجية والدينية، للتعاطي مع مواضيع شديدة الحساسية في الواقع العربي، وفي الروح الانسانية معا.

حسام الدين محمد

رئيس قسم الثقافة ومدير التحرير في صحيفة القدس العربي – لندن

صحيفة القدس العربي – لندن – 2000/11/10

[1] ليس التلبس الشيطاني هو المظهر الوحيد للتلبس في الرواية فالحب أيضا نوع من التلبّس (انظر مثلا الفصل ٤١ حيث تصف رنا تصوّرها لأثرها في نفس علي).

[2] بالمقابل واذا أردنا الانتقال الى ما يقارب ذلك في التراث الاسلامي نجد الفقيه المعروف بابن الجوزي يخصص كتابا كاملا لدراسة حالات «تلبيس ابليس» للبشر، والمقصود بذلك انسحارهم وانقيادهم لما يزينه الشيطان للنفس البشرية من متع تدفعهم الى ارتكاب الخطايا وفي كتابه هذا يورد أيضا فكرة أن مع كل انسان شيطانا. يقول ابن الجوزي: “التلبيس اظهار الباطل في صورة الحق، والغرور نوع جهل يوجب اعتقاد الفاسد صحيحا والرديء جيدا” ويشبه الفقيه علاقة الانسان بالشيطان على شكل صراع دائم بين الملائكة والشياطين :”الحرب قائم بين اهل الحصن واهل الربض والشياطين”، كما يورد حديثا شريفا للنبي يقول فيه لزوجه عائشة وقد غارت عليه لخروجه ليلا: “مالك يا عائشة أغرت؟ فقلت: ومالي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال: أوقد جاءك شيطانك؟ قالت: يا رسول الله أو معي شيطان! قال «نعم»، قلت: ومع كل انسان؟ قال “نعم”، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال “نعم ولكن ربي عز وجل أعانني عليه حتى أسلم” (ص ٥٤) (تلبيس ابليس لابن الجوزي، ص ٠٥، دار الكتاب العربي، 1985).

[3] “كانت ستسأل ايلي ان كان مستعدا أن يعيش في دائرة وسط بينها وبينه فاتصلت به عندما خرجت امها مع اختها لكنها لم تجده” (ص 169).

[4] وبشيء من التأويل يمكن اعتبار موقف علي ومثلائه من المثقفين الذين التفتوا للعمل الثوري ولكنهم أضاعوا العلاقة مع الناس مما جعل هؤلاء الأخيرين فريسة سهلة للشيطان، وكأن المعنى في ذلك ان الالتفات الى الذات هو الطريق الحقيقي للوصول الى زواج بين المثقف والناس، لذلك حين تقول رنا عن علي: “هاك المسؤول الأول عن كل ما حدث لي” (ص ١٧١) فإن معنى رمزيا يبدو كامنا طيّ هذه الجملة.

[5] عن احساس علي بتماثله مع السمكة تقول الرواية: “نظر الى اجتماع الكآبة والبلاهة في السمكة امامه فضحك لكنه استوقف نفسه بسرعة واعتذر. بين تقاطيع الكآبة والبلاهة كان يستطيع أن يرى عشرات الندوب التي انتشرت في كل مكان من جسمه […] ندوب صنانير بأحجام مختلفة علقت بجسمه في أوقات ماî (ص 76). أما عن مطابقة ماهر مع السمكة فنقرأ: ìلو كان قادرا على المعجزات كان أعان صديقا آخر ظل ممزقا مثلها [السمكة] اربعة ايام قبل ان يخرجوه” (ص 79).

[6] “واذ كان يسوع ماشيا عند بحر الجليل أبصر أخوين سمعان الذي يقال له بطرس واندراوس أخاه يلقيان شبكة في البحر فإنهما كانا صيادين فقال لهما هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس” (انجيل متى، الأصحاح الرابع، الآيتان 18/19.

[7] الاحساس بالوحدة في الرواية هو مدخل أساسي لليأس والموت.

[8] مقابل تصريح علي بفكرة عزلة الانسان ووحدته في الكون وأن لا معين له في مصيره غير الانسان نفسه فإن والد رنا يقول في تعليقه على انقاذ علي لرنا: “من أرسله غير الله؟” (ص 159).

[9] هذا الدور “المسيحي” لعلي يظهر على المستوى الشكلي في اسمه نفسه، فالعلي احدى الصفات التي وصف بها المسيح في الانجيل وذلك في المكان الذي يتحدث عن لجئون: “فلما رأى يسوع من بعيد ركض وسجد له وصرخ بصوت عظيم وقال ما لي ولك يا يسوع يا ابن الله العلي. أستحلفك بالله ان لا تعذبني. لأنه قال له اخرج من الانسان أيها الروح النجس. وسأله ما اسمك. فأجاب قائلا اسمي لجئون لأننا كثيرون” (انجيل مرقس، الأصحاح الخامس).

لا تعليقات

اترك رد