عادل بشتاوي: الفصل 19 من رواية بقايا الوشم

0
566

رفع هشام زهوراً اشتد اخضرار سيقانها فارتخت من طول وجودها في الماء وادخلها كيساً فتحه وسام واسعاً، ثم اخذ الكيس وربط فتحته ووضعه على الحشيش المُبتل والتقط باقة نزع عنها الغلاف البلاستيكي الشفاف وهزّها برفق فأنتعشت الورود والزهور المحيطة بها ورفعت رؤوسها الى المطر الخفيف فوقها ولوّحت له بسكون.

“ضعها أنت”، قال لابنه بصوت متهدج، “رأيتها في منامي وقالت انها تريدك أنت أن تضعها”.

انحنى وسام فلم يستطع رؤية المزهرية المغمورة فأبعد دموعه بظاهر يده وتبين الفتحة فانزل الباقة برفق في ماء المطر، ثم فرد براحتيه زهوراً بنفسجية أحاطت بورود حمراء وصفراء وقرمزية ودسّ في الوعاء السيقان البعيدة منها فاستوت وأظلّت تاريخ وفاتها كأنها تقول: لم يعد الزمن مهماً.

“تريد ان تحدثها الآن؟” سأل ابنه.

مسح وسام عينيه ثانية واومأ مرة واحدة، فرفع الأب رأسه اعلى مما يتطلبه النظر الى الطريق الضيق أمامه وسار بهدوء غرباً قبل ان ينعطف في اتجاه الطريق الدائري حول المكان.

“في مكان قريب من هنا؛ لا بد!”، قال هشام لنفسه وهو يجيل عينيه في المكان، “أعرف انه هنا لكنني لا أعرف اين. يقترب من وجوه الناس ويتطلع اليها من تحتها ويقول: هذا كان يكره وما صدّق نفسه عندما راحت فجاء يتأكد. هذا كان يحب. هذا لم يكن يحب لكنه تذكر في ما بعد فعاد يحب. هذه احبت لكن الوشم اختفى من ظاهر كفّها وارتسم عليه وجه آخر وهي هنا كي تقول انها لن تنساه تماما لكنها لن تعود. هذا نسي ان يقول لها انه يحبها وهي حوله فها هو يأتي كل اسبوع ويقول باكياً انه احبّها طول حياته معها لكنها لا تسمعه. هذا جاء يقول إن اجازته بعيداً عنها طالت اكثر مما يحتمل ويريد ان ترشده الى اقصر طريق اليها لكنها تقول له أنها لا تريده الآن. هذه ماتت معه منذ مات لكن الناس لا يزالون يحسبونها حية لأنها تتحرك وتأكل وتنام. هذا تركته امّه وهو في السادسة وها هو كبر الآن وصار شاباً لكنه ظل في السادسة. هذه! هذه أعرفها. تأتي كل اسبوع وتجلس على الكرسي القابل للطي بعيداً عن الطريق وتسرد عليه كل ما جرى منذ سردت عليه ما جرى آخر مرة. هذا أعرفه جيداً هو الآخر. كان لا يسافر الى الخليج إلا ترك كشفاً وراءه بكل ما لديه حتى إذا مات عرفت كي تعيش جيداً مع ابنها وراءه لكنها ماتت قبله وتركت له كشفاً بحبها له ولابنه وها هو يأتي كل يوم احد فيراجعان معاً ما فيه”.

“في مكان قريب من هنا؛ لا بد!”، قال هشام لنفسه وهو يقيس بعينيه شجرة بدت لها كأنها ارتفعت اكثر مما وصل اليه نظره، “يستوقف الذي يعرفه والذي لا يعرفه ويقول: لا تبتئس ارجوك؛ عمره انتهى. أنا مثلكم، ليس لي خيار، وانتبهوا! انتبهوا جيداً! حين يجيء دوركم لن يكون لي خيارٌ أيضاً. سأتذكركم وسأجيء وسنلعب لعبة بريئة تعرفونها كلكم كيلا تقولوا السيّاف افضل منه لأنه كان سيحقق رغبتنا الاخيرة. اختبئوا جيداً وسأعدّ من واحد الى عشرة فاخفوا اقدامكم كي لا اراها، وانزلوا تحت الاسرة او تكوّروا وراء خزان الماء في السقيفة أو اهربوا في غواصات تحت الماء او في صواريخ في الفضاء. اختبئوا حيثما شئتم، وحين تختبئون جيداً صيحوا بصوت واحد: يا مختبىء احفر واطلع! فإذا سمعت منكم صرختكم سأبدأ الطلوع فإذا طلعت واتيت من ورائكم وانتم لا تنظرون وقلت: بع! إبدأوا الحفر”.

“في مكان قريب من هنا؛ لا بد!”، قال هشام لنفسه وهو ينحرف جنوباً في الطريق الدائري، “يلوك أصل عشبة متدلية من فمه ويقلّب مفكرة بيده وينظر الى الوجوه كلما لفت انتباهه اسم غريب. “أنت!”، سيقول لصاحب الاسم الغريب، “أنت سأقول لك أولاً: افتح عينيك جيداً وانظرني! أنا آت لآخذ روحك النجسة لأنك قتلت وظلمت وابكيتَ عيوناً ليس من الحب فأنظر كيف اخرج كل عرْق في جسدك وأنا اخرج روحك. انظر الى العروق كيف تنشد مثل المطاط قبل ان تنقطع وتصدر صوتاً يلسع مثل نهاية السوط. انظر واصرخ إن قدرت. اصرخ! لن تقدر ولن يسمعك احد”. هكذا سيقول لصاحب الاسم الغريب. “أنت!”، سيقول لغيره: “أنت رأيتَ واكتفيت ولم تعد بك حاجة الى الدنيا فتعال معي نستريح هناك تحت ظل الشجرة البعيدة. تعال واغمض عينيك واحلم قليلاً. أعدك حلمك هذه المرة لن يفارقك. ستموت، لكن حلمك لن يموت. عشت لهذا؛ أليس كذلك؟ إذًا احققه لك. اغمض عينيك واحلم ولا تخف بعد اليوم. من هذه اللحظة احلف لك لا يمسك اذى ولا يسجنك سجّان ولا يظلمك ظالم ولا يضطهدك لئيم ولا يُمرضك مرض ولا تلطمك يد ولا يشتمك منحط ولا يهجرك حبيب ولا تجوع ولا تعطش فأشكرني إن شئت، وإن شئت ابقَ صامتاً؛ أنا رأيت الشكر في عينيك وهذا يكفي”.

“تقدموا لا تخافوا”، يسمعه يقول لمن يتلفتون حولهم كأنهم يخشون أن يخرج اليهم الموتى فجأة ويشدونهم الى قبورهم، “تقدموا! تبدون كمن يخاف الموتى إلا انني أعرف الموتى وأعرف انهم يخافونكم اكثر مما تخافونهم. تقدموا لا تخافوا لا حاجة للموتى بكم الآن. مثلكم، هؤلاء كانوا احياء مرة لكنهم خبروا الدنيا وعرفوا ما فيها ولم يعودوا راغبين فيها ولا أحسب أن احداً منهم يريد الآن ان يبادلكم المواقع. أنتم أيضاً ستختبرون الحياة وسيأتي اليوم الذي تتطلعون حولكم فلا تجدون فيها ما يستأهل البقاء. ستكتشفون كل اخطائها وماذا يبقى بعد اكتشاف الاخطاء سوى الرحيل؟ ستملّون اصدقاءكم مثلما ستملّون اعدائكم وستطلبون اللحاق بكل من سبقكم كي تهربوا من الغلط المصنوعة منه الحياة. ستطلبون أولاً ثم ستلجّون في السؤال حتى يُستجاب لكم. تقدموا لا تخافوا. أنتم الذين تخيفون الموتى”.

“في مكان قريب من هنا؛ لا بد!”، قال هشام لنفسه وهو ينحرف شرقاً في الطريق الدائري، “ينظر الى الآتين عبر البوابة من تحت وجوههم ويقول: جئتم فأهلاً وسهلاً ومرحباً وقبراً بكم. تعرفون من أنا فلن اعرّف نفسي، وأن نسيني احدكم لحظة سينظر حوله وسيتذكرني. وإذا رآني وتذكر وحض قدميه على الابتعاد سريعاً لن يستطيع. سيخرج من المكان ويلتفت فيراني فيحض قدميه على الابتعاد فلا تستجيب له قدماه فيقول لهما يائساً: لماذا لا تبتعدان بسرعة يا قدمي؟ فتقولان له: نبتعد خطوة فيقترب خطوة، ونبتعد خطوتين فيقترب خطوتين ونجري فيجري وراءنا وندخل طريقاً جانبياً فنجده أمامنا، ونطلع فيطلع وراءنا وننزل فينزل وراءنا ونبقى حيث نحن فنراه حولنا فلمَ تتعبنا وتتعب نفسك هكذا؟ اقعد وانتظره!”.

“في مكان قريب من هنا؛ لا بد!”، قال هشام لنفسه وهو ينحرف شمالاً في الطريق الدائري، “يراه مستنداً الى الشجرة الكبيرة ودفتره في يده والعشبة لا تزال تتدلى من فمه فيرفع قامته فجأة ويقطع طريق زائر جديد. “تأخرت؟” يسمعه يقول له، “تأخرت اليوم، خير! نسيت ربط الساعة؟ ضعفت بطارية ساعتك فتباطأ الوقت فتباطأت؟ لماذا تتعب نفسك وتلاحق هذه الساعات الرخيصة ليل نهار. انظر الي واضبط ساعتك علي. يحين اجلك فلا أتأخر ثانية واحدة؛ لاحظت! ولا ثانية واحدة. تأخر إن شئت إلا أنني آخذك من أي مكان كنت فيه عندما تدق ساعة أجلك ولن تكون قبل ان يتبدد الصدى”.

“في مكان قريب من هنا؛ لا بد!”، قال هشام لنفسه وهو يلتفت وراءه من دون سبب. يقف مطمئناً في الزاوية التي يريدها ولا يخشى ان يأتيه ناقم من ورائه او من جانبه او من فوقه لأنه لا يعرف عدواً ولا يعرف معنى الخوف ولا القهر. يعرف أيضاً ان الانسان سيظل مقهوراً الى ان يقهره الموت. يقهر الموت؟ هذا صحيح، لكن كيف يقهر الانسان الموت الا بالموت؟ فوزه مضمون إن دخل السباق مع المتسابقين في فاتحة الشوط الاول أو جاء متأخراً أو ظل واقفاً على الرصيف يتفرج – إن مت ظفر بك وإن عشت ظفر بك. تنزل من رحم امك فيقيّد اسمك في دفتره ويقف قرب حافة السياج وينتظر إلى ان تأتي اليه بقدميك. لا وسيلة لصده ولا رده ولا رشوته ولا تأجيل حكمه، ولا طريق لحرمانه من الفوز في النهاية سوى ألا تكون. إن لم تكن ليست هناك مشكلة؛ لا احد يعرف عنك شيئاً أصلاً، لكن إن كنت ثانية واحدة لن تستطيع ألا تكون مهما فعلت؟ ينظر إليك بجمود، ثم يهز سبّابته في اتجاهك فتريد أن تقوم فلا تقوم… أبداً. ابن زياد وضع جنده أمام سبّابته المنتظِرة وهم على مشارف المدينة الخضراء، إلا أنه لم يهزّها؛ يعرف، يعرف دائماً؛ يعرف متى بالضبط وأين.

“نعم!”، قال هشام لنفسه وهو يتجه غرباً مرة اخرى، “سيتذكر وسيأتي دائما. ربما توقف ليلتقط شيئاً من شخص رمى نفسه تحت القطار يعلن احتجاجاً أخيراً على العالم، وربما عرّج على المستشفى ليتسلم بريده الجديد، وربما ألحّ منادٍ فقام يصبّره ويعده خيراً في وقت قريب، لكنه سيأتي دائما. سيشق طريقه في الزحام في النهاية وسيصل؛ يصل دائما. يصل دائما وعلى كفيه كفنان: واحد لمن مضى والآخر لمن ظل. كفنان بثمن واحد؛ هذا يعطيه الموت، وهذا يحرمه الحياة… أو يكاد”.

“تحادثتما؟”

وقف ابنه وهو ينظر الى القبر أمامه وقال من دون ان يلتفت إليه: “نعم!”.

“قالت لك شيئاً تريد قوله لي؟”

“نعم! قالت: رأيتكُ تجمع دموعها بشفتيك فعرفت انك تحبها. اتبعها الآن؛ اتبعها الى نهاية العالم، وسأصلي لك دائماً”.

“رحمها الله؛ قالت عني شيئاً؟”

“نعم! قالت: قل لابيك انني احبه؛ احبه جداً، واحببه كما احبه لأنني أريدكما هكذا دائماً”.

“قلت لها شيئاً تريدني ان اسمعه؟”

“قلت، لكنني لا أريد قوله”.

مسح وسام سطح الرخام المقوس بيده وحبس الماء الذي جمعه بيده الاخرى لحظة ثم رشه فوق القبر وفتح ذراعيه وانهار على ابيه واهتز صدره بعنف فضمه فاهتز صدراهما معاً ولم يلاحظا ان الورود اهتزت هي الاخرى فجأة.

ضمه هكذا عندما انهى الامام صلاة الظهر في جامع ريجنت وطلب من المصلين مشاركته صلاة الجنازة وعدّ ثوابهم. اسرع هو وعاونه اخواه واشخاص لا يذكر وجوههم فدفعوا العربة التي حملت تابوتها وانتظروا عند الباب حتى جاءهم المُشيّع وقاموا يرفعون النعش الى السيارة السوداء المنتظرة على الطريق داخل ساحة المسجد الكبير. ارادوا حمله إلا ان وساماً كان وضع راحته على حافة التابوت ودار حوله ويده على الغطاء ثم دار مرة ثانية وثالثة فأخذه بين ذراعيه لكنّه ابتعد عنه فجأة وضمّ يده الى صدره واغمض عينيه ثم فتحهما واسعاً ومدّ ذراعيه عندما رآهم يدفعون التابوت كأنه يريد ان يستوقفهم.

“تأخرنا”، قال وسام وهو يمسح عينيه ويبتعد عن القبر.

“نعم! الظلام يهبط سريعاً هنا لا ادري لماذا. تكون جالساً فلا تشعر الا والظلمة حولك فجأة لذا لا احب ان آتي مساءً”.

تقدمه وسام في اتجاه البوابة المزدوجة، ثم انتظره الى ان رفع كفيه ومسح بهما وجهه ثم التقط الكيس وتبعه.

كان الزوار الآخرون رأوا الظلمة تهبط فجأة فطووا كراسيهم والتقطوا اكياسهم وقاموا فجأة من اماكنهم بين القبور ومن جوانب الطرق فبدوا في الضباب الزاحف وكأن اهل القبور انفسهم قاموا وبدأوا يتجولون ببطء في حديقتهم ويتوقفون هنا وهناك يسردون لرفاقهم أحداث النهار: من جاءهم اليوم، وماذا حملوا معهم، وماذا وضعوا، وماذا قالوا وكيف وقفوا وهزوا رؤوسهم المطأطأة وبكوا للمرة الألف.

“ربما بالغت نديدة قليلاًَ”، قال الاب لابنه في السيارة وهما في الطريق الى البيت.

“لا اعتقد؛ كانت تبكي وهي تصف وكانت تصف ما رأته عندما زارتها”.

“استغفر الله”، قال الاب بأسى، “كيف يفعل بها هكذا؟”

“تصور! هذه فتاة تستطيع ان تستخرج الحب من الصخر لكنها عاجزة أمام قسوته”.

“ويريد ان يزوجها غصباً عنها فوق كل هذا؟”

“حلف لاخته ان يعطي عروبا لأبنها؛ يظنّها علبة سجائر يتصرف بها كما يشاء”.

“حسبتُ هذه الاشياء انتهت. استغفر الله؛ وعلياء؟”

“ضربها هي الاخرى؛ تصور!”.

“نديدة تبالغ. علياء لا تتزوج رجلاً هكذا. لا أعرف رجلاً هكذا. عروب المسكينة تحبه؛ قالت لي ألف مرة، ويحبها؛ كيف حصل هذا؟”

“تصور! ثلاثة اسابيع وهي على حافة الموت ولم يسمح لي بكلمة واحدة معها”.

“قلت له نحن مستعدان لمقابلته في اي لحظة”.

“قلت. قلت نأتي ونخطبها في اللحظة التي يريدها؛ ننتظر الى الوقت الذي يريده؛ يطلب الذي يريده. عرضت عليه حتى أن اترك عروباً في حالها إذا لم يقسرها على الزواج من ابن عمتها؛ لكنه اعمى. هذا الرجل بحاجة الى طبيب نفساني بسرعة”.

“قلتُ لام علياء انني مستعد لمواجهته لكنها قالت إن حضوري سيزيد لهب النار. يمكن، لكنني لا استطيع ان اقف هكذا واتفرج عليك وعلى عروب. يريد هذا الرجل ان يحمّلني مسؤولية كل شيء. يريد ان ينتقم مني ينتقم، لكن يترك عروباً وأمّها؛ ما لهما ذنب”.

“يهددني على الهاتف؛ يهددني ويلوي ذراع ابنته. “لو كان في البيت متسع يا استاذ وسام كنت دعوتك لحضور حفلة كتابها”، قال لي صباح اليوم؛ رأيت اسوأ من هذا؟. “إن رأيتك هنا”، قال مستخفاً، “سأقول انك جاسوس!”. سمعت أقذر من هذا؟”

“لا حول ولا قوة الا بالله. لا اتصور أباً يفعل هذا؛ لا اتصور. فهمتَ من نديدة ان كانت تعرف اشياء لا نعرفها؟”

“مثل ماذا؟”

“لا ادري! لا بد ان تكون هناك طريقة للوصول اليه”.

“أنا لا افكر إلا بهذا. خالها يريد المساعدة إلا ان اباها كان وقحاً معه أيضاً واتهمه بتشجيعها. كان يريد زيارته مع عروسه لكنه الغاها الآن”.

حرك هشام رأسه، “وماذا نفعل؟ عروب بحاجة الى استشاري عيون؛ لا يستطيع ان يزوجها هكذا”.

“لا أعرف لماذا انتظر لكنني سأنتظر يومين فقط بعدها سأذهب الى دمشق وليحدث ما يحدث”.

“لا انصح. إذا كان فعل هذا بابنته لا تستبعد منه اي شيء”.

“لا استطيع ان اتخلى عنها. يجب ان اذهب؛ الفيزا معي”.

“سأطلب من سلمى ان تعود اليه مع زوجها لعلنا نتوصل الى شيء”.

“كيف تعود؟ اما قالت لك كيف خرج اليها بالمقص؟”

“نتريث قليلاً، لعل!”.

“لعل ماذا؟ عندنا بقية اليوم وعندنا غداً؛ بعدها الكارثة. أنا اشعر مثل شمعة تحترق من الجانبين. يجب ان افعل شيئاً”.

“أنا خائف عليك”.

“وأنا خائف علي وخائف عليها لكن خوفي الاكبر من مواجهة نفسي يوماً إن لم اكن مقتنعاً أنني فعلت كل شيء استطيعه وقتها”.

“أنا لن أقول لك اقل مما قالته امك، لكنني لا استطيع ان اخسر كل شيء. لعل القدر لا يريد هذا ان يحدث؛ هل فكّرت بهذا؟”

صمت وسام فدفع هشام الاحتمال ثانية أمام عيني ابنه وقال: “أحياناً يتدخل القدر لسبب لا نعرفه ويقرر عنّا؛ ربما كانت هذه واحدة من تلك الحالات”.

كان وسام صمت لأنه لم يشأ ان يرمي الكلمات التي اجتاحته رداً على ابيه لكنّه سمعها مرة اخرى فانفجر: “أي قدر هذا الذي تتحدث عنه؟ هنا أب اعمته الغيرة من لا شيء فضرب ابنته وها هو يريد اجبارها على الزواج من رجل لا تريده؛ ما دخل القدر بهذا؟ كان يستطيع ان يفعل هذا في لندن او باريس أو في واشنطن؟ لماذا يكون قدراً هناك ولا يكون قدراً هنا؟ أنا اسوق الآن هذه السيارة فيأتي صهريج فوقنا؛ هذا شيء! أنا اسوق الآن هذه السيارة واطلع بها على الرصيف واقتحم الحاجز واسقط في النهر؛ ما علاقة القدر بهذا؟”

فكّر هشام بالقدر فرآه غير ما يراه ابنه فقال: “سألت مرة استاذا في جامعة اوساكا لماذا ينتحر اليابانيون على طريقة هارا كيري فرفع يديه بيأس وقال: كيف اشرح لك؟ لن تفهمني مهما حاولت، لذا لن أقول”.

“أنا لو كنت محلك كنت أصريت ان يشرح لي. إذا كان يستطيع فهمها أنا ايضاً استطيع فهمها. أنا افهم ما هو القدر لكنني لا افهم تفسيركم له. أنتم إذا عجزتم عن شيء تقولون: القدر هو السبب. القدر يريد تمزيقنا؟ لماذا؟ ماذا يستفيد القدر من الموت والحزن والدموع؟ كيف نكافئه على اعطائنا فرصة الحياة؟ بالحزن والدموع والشكوى؟ تعرف لماذا تضحك؟ لا تعرف! تعرف لماذا تبتسم؟ لا تعرف! تعرف لماذا تشعر بالسعادة؟ لا تعرف! تعرف السبب لكن لا تعرف لماذا. أنا في جسدي قلب يحب وفم يضحك وشفتان تبتسمان بالصدفة؟ هكذا! جاءتنا مع السمكة المفلطحة التي يقولون انها أمنا الاولى؟ لا! يريدنا ان نضحك ويريدنا ان نبتسم ويريدنا ان ننتشي لأنك لا تستطيع ان تشكر جيداً الا إذا كنت سعيداً”.

“لا تفسّر كلامي على غير ما قصدته. طبعاً علينا المحاولة قدر ما نستطيع لكن الحذر واجب. ماذا يفيد عروباً لو حدث لك شيء لا سمح الله؟ هذا أبوها والآخر حبيبها”.

“أنت أبي لكنك لا تعرف ما في داخلي الآن. أنا أبوها من الآن. أنا أبوها وأنا حبيبها وأنا صديقها وأنا كل شيء لها كما هي كل شيء لي. تعرف! في عرس خالها كان اكثر من مئة مدعو. جاء خالها اليها ونحن نتحدث مع بعض اصدقائه وشدّها من ذراعها. “تعالي يا عروب وارقصي!”، قال لها، “تعالي! جاء دورك الآن. أرينا!”، فرفعت له حاجبيها فاشتكى الى المدعوين ودلّ عليها فأحاطوا بنا وصفقوا يشجعونها وهي ترفع حاجبيها لهم حتى جاءت أمّها وترجّتها. “من اجل خالكِ يا عروب”، قالت لها، “ولو! عرسه!”، فأومأت عروب برأسها الي وقالت: “اسأليه؟ ان وافق رقصت وإن لم يوافق لا ارقص مهما كان”. رقصت لي أنا! أمّها هناك وخالها هناك ومئة مدعو كلهم يتفرجون وهي ترقص لي؛ كيف انسى هذا؟”

“آه!”، قال هشام بحسرة، “لو كنتُ رأيتها. حرام والله هكذا”.

“عروب ستجد سبيلاً؛ أنا أعرفها جيداً الآن. أعرف انها مثلي؛ تلتفت في كل الاتجاهات دفعة واحدة وتفكر بكل الاشياء المئة ثم بشيئين لم ينتبه لهما احد. إذا كانت قاعدة تتفرج على التلفزيون فهي تعطيه خمسة في المئة من تفكيرها وتعطي الاشياء الاخرى الباقي. عروب زوجتي. لم اخطبها بعد، لكنها زوجتي. هي تعرف وأمها تعرف وخالها يعرف وابوها يعرف وحتى لو زوّجها أبوها هذا الشخص فهو يزوجه زوجتي وسآخذها منه في اللحظة التي استطيع ولو بعد مئة عام. لا أعرفه لكنني أعرف أنني لا اقبل ان انتزع فتاة من رجل يحبها لو كانت آخر فتاة في الدنيا. لهذا احتقره واحتقر اباها معه ولا اتوانى لحظة واحدة عن اذاقتهما العلقم الذي يدفعانه في فمي دفعاً كل ثانية”.

“وسام! لا تفهمني خطأً ارجوك. أنا احاول المساعدة لا اكثر”.

“أنت تريد مساعدتي؛ عظيم؛ شكراً، لكن ساعدني على استعادتها. لا تحدثني عن القدر ولا عن السفر ولا عن ابن عمتها ولا عن القرود ولا تقل شيئاً يفتّ من عزيمتي ولا لو كان ولو كنا ولا هذا اقل ولا هذا اكثر. كل شيء عندكم مفاصلة. اشهر شعب في المفاصلة على وجه الارض لكنكم لا تفاصلون إلا على بقايا الجنيه. ما يرميه عليكم الآخرون تقبلونه على انه من عند القدر. هذه قرارات شخصية يطلع بها فلان وفلان ولا علاقة للقدر بها. إذا كانت كلها من القدر فعلى أي شيء يكون العقاب في النهاية؟ انت تريد ان تقبل ما يحدث اقبله؛ لا دخل لي برأيك الشخصي. أنا لست هكذا. باستثناء الموت أنا أعرف ان هناك حلاً لكل شيء؛ إن لم اجده فهذا يعني انني لم افكر فيه كما ينبغي”.

اوقف وسام السيارة أمام البيت ونزل وانتظر على الرصيف خروج ابيه ليقفل الباب لكنه بقي فيها.

انزل رأسه فرآه ينظر أمامه كأنه ينظر الى طريق حياته، ثم رآه يطأطىء رأسه طويلاً قبل ان يخرج.

مال هشام الى الرصيف برأسه وبصق على شيء. “لو كنت فكّرت هكذا قبل خمس وعشرين سنة ما كنت رأيتك اليوم لذا لا اندم بعد الآن مهما كان”.

“ساعدني إذًا”.

“أنت لا تحتاج مساعدة احد. أنا وغيري عراقيل بين قدميك في الطريق. أنت تصرف وأنا أقول: موافق، كما تريد”.

“تخطىء هكذا”.

“لا اخطىء ولا شيء. لعلك لا تذكر جيداً لكنني اذكر. مرة اخذتك الى حفل استقبال كان فيه عضو مجلس العموم عن منطقتنا قبيل الانتخابات العامة. كنتَ الصبي الوحيد في ذلك اللقاء؛ تذكره؟”

“اذكر طبعاً”.

“تذكر ما قاله لك قبل ان نذهب الى المطعم”.

“اذكر انه وضع يده على رأسي ووجهه الى الحاضرين وقال شيئاً فضحك الجميع لكنني لا اذكر ما قاله تماماً؛ كنت جائعاً وقتها”.

“أنا اذكر. قال: عندما يحين وقت الانتخابات العامة الرابعة من الآن سأقراً لائحة المرشحين فإذا وجدت اسم هذا الشاب لن ارشح نفسي لأنني سأخسر”.

“كان خسر لو كنت احب السياسة”.

“كان. أنا متأكد لكنني لست متأكداً من شيء آخر”.

“ما هو؟”

“اشتريت التذكرة الى دمشق؟”

“حجزت وسأشتري التذكرة غداً”.

“اجعلهما تذكرتين. عندي فيزا لسفرات عدة اعتقد أنها لا تزال صالحة”.

“وعملك؟”

“أي عمل؟ أنت وعروب عملي الآن. أمك تضارب علي حتى في هذا؟ لا! أنا الذي سأضارب عليها الآن”.

“اجتماع الجمعية العمومية بعد العيد مباشرة؛ وأنت تحضر له منذ سبعة شهور”.

“والله لو كان سبع سنين”.

“لن ينتخبوك في مجلس الادارة”.

“طز في كل مجالس ادارات شركات الدنيا من اولها الى آخرها يا رجل! ماذا تحسب؟”

لا تعليقات

اترك رد