أحمد عمر: سد الطغيان ونهر التاريخ

0
482

تعاريف الدكتاتور كثيرة، لعل احدها هو: الرجل الذي يكسر التاريخ، ويخنقه، ويعصر الجغرافيا، ويشوهها ويخلق بين مساحتها الجدر الوهمية والاجتماعية والسياسية واحيانا الحقيقة كما تفعل اسرائيل، فهي، اي اسرائيل، دولة دكتاتورية بين دول مستعبدة او متبّعة او خائفة.  يمكن ان يعرف التاريخ  تعريفا، في هذا السياق، كالتالي، هو الزمن المجرد مشخصا، او منقوشا او مكتوبا. الجغرافيا قياسا ، تصبح الوطن بعد ملئه بالناس  والمواطنين، واهل الديار. لايمكن خنق التاريخ او كسره الا بعد التحكم بالجغرافيا.

 في سوريا على سبيل المثال، تجهل الاجيال الجديدة ، تاريخها وتعتقد ان التاريخ بدأ منذ الحركة التصحيحية، حيث كانت الارض غمرا “وروح الله يرفرف على المياه” الاسد ليس باني سورية الحديثة وإنما خالقها ايضا. عداوة الطاغية مع التاريخ والذكريات اصيلة وهي “غريزة اساسية”. يبدأ كل دكتاتور بمحو وحذف التاريخ القديم، ولهذا اصبحت البطولة في كتب التلاميذ البعثيين والطلائعيين مطوبة لكائنين هلاميين هما باسم ورباب اللذان لا يفعلان شيئا سوى الوقوف على اشارة المرور وقول صباح الخير والهتاف!

الوطن جغرافيا وحسب، حسب الدعاوة البعثية، جبال وانهار تجف، وحدود يدافع عنها بقوة وتخافر بشدة، ليس حرصا على امنها وإنما سعيا وراء الجباية والخوة والاتاوة وتهم التخوين. لم يكن السوري يعرف قرى بلاده و اثارها و معادن أرضها واهلها الا بعد الثورة. عرفها بدماء اهلها.

 

الطرفة التي تروى عن الدكتاتور فرانكو بليغة في معنى التأزيل والسرمدة والثبات في المكان وفي الزمان، في معنى التخلّد والتأبّد وتجميد التاريخ. وتتمة الخبر أنه في سكرة الموت، جيء بالوزراء ففتح عينيه الكليلتين وسأل: ماذا يفعل هؤلاء ؟ فقيل له : جاؤوا يودعونك! فقال: و إلى أين هم ذاهبون؟!!.

المستبد تعريفا هو الذي يتصرف في شؤون شعبه بلا خوف، ويحاول ما وسعه، تجميد نهر التاريخ في المجتمع الذي تسلّط عليه وسرقه إلى ملكيته. ويسمى التجميد باسم اجتماعي هو الاستقرار. الاستبداد هو حكم على الشعب بالسجن في حدود الوطن الحظيرة مع الأشغال الشاقة، ولعل أسوأ الأشغال الشاقة هي هتاف وتصفيق الشعب  لجلاده!

المستبد يمنع السياسة في مجتمعه، والسياسة حركة من غير سلاح، والحركة حسب قوانين  نيوتين زمان ومكان و مسافة وسرعة وزمن وتسارع،  وتطور ونمو اقتصادي ومعاشي،  والثبات سكون ومرض وتشوه . يجمّد المستبد الحياة في مجتمعه إلى بركة ومستنقع، ففي البرك والمستنقعات يسهل صيد الأسماك التي تحب العذوبة، بتعكير البركة ( فرق تسد) أو حتى بالديناميت الصريح إن أمكن. يصفي مكانا و يعكر آخر حسب المشيئة والرغبة،   وإذا كان الأصل في الأشياء الإباحة ( في الإسلام) ففي كيان الاستبداد الأصل هو التحريم. التحريم هو أكبر ثروة اقتصادية لزبانية الزعيم وأجهزته، كل مسؤول،  هو غير مسؤول من شعبه، وهو مفت وحيد في مجال عمله .

 يركد المستبد حركة المجتمع  في كلورفورم القهر الحامض ، فيصبح هو مانح الحياة ومصدر الحركة، الاستبداد تحنيط لكل مرافق الحياة،  ينسى المستبد  أنّ الزمن يجري بهدوء،  فكما يهرم الشعب في ظله الآسن  من الخوف والتعب  والعجز  كذلك يهرم المستبد أيضا.   او يتراكم فعله ، أما الأطفال الذين يولدون فيجري خطفهم أو غسل أدمغتهم بالإعلام الديماغوجي التكراري التمجيدي التفخيمي ؛ في المدارس و فرق الكشافة وأشبال الثورة..   المستبد يفسد العلاقة الأسرية فالأبناء  ليسوا ذراري آبائهم سوى جينيا لكنهم أبناء المستبد فكريا وايديولوجيا ومن هنا جاء مصطلح “الأب الجمعي”، ولم يكن أتاتورك هو “أبو الشعب” الأخير، يتزوج المستبد من الخلود فينجب الشعب!

 الاتحاد السوفيتي كان بلدا مسورا ومحاصرا، ومختنقا في زجاجة الإيديولوجية الاشتراكية،  وكذلك كان العراق وكوبا وتونس. وقد أصبحت كوبا متحفا للسيارات القديمة، وقد يعتبر محبو الانتيكات هذه حسنة من مناقب الاستبداد، كما كانت القنبلة النووية العراقية الوليدة حسنة من حسنات الطاغية العراقي!  وقد لا تعدم لسم العقرب حسنة، وللأفعى مزية  فالسم  يمكن أن يستخدم دواء بشروط، لكن السم قاتل ومميت إلا بجرعات صغيرة جدا.

لا يستطيع المستبد أن يحكم بلا حصار وقيود ( أحكام عرفية وقوانين طوارئ) حتى يتحكم في البركة  إن بمنع العلم والمعرفة واحتكار المال، أو بالضرائب،  أو بالمراسيم السلطانية والفرمانات  فالحصار ” بيزنس”، وقد يكون نتيجة وعقوبة لأفعاله وسلوكه كما في حالة كاسترو. ندرج حصار غزة أيضا في هذه الترسيمة، إذا اعتبرنا إسرائيل هي الدولة المستبدة. المحللون يذهبون إلى أن المستبد الوطني غالبا أشدّ من المستبد الأجنبي الذي لا يعرف أسرار الحياة  الاجتماعية والدينية وشؤونها كما المستبد الوطني الذي يعرف من أين تؤكل الكتف.

المستبد يعمل جاهدا على تكبيل عقارب الزمن، الماضي منه و الحاضر،  أما المستقبل فيحضر في “سين التسويف والاستقبال” و وعود الخطابات لإشاعة الأمل في النفوس،  الطغيان يحرص على الوعود،  والتذكير بالخطط الموضوعة على المنضدة:  سوف نعمل لكم الأرض جنة،  فقط انتظروا قليلا… فاليأس قاتل، لكن الانتظار سجن آخر!!

 تحاول أدوات المستبد  الإعلامية  جاهدة قتل الماضي،  الطغيان يخاف من الذكريات،  فلا يبقى منه سوى أشباح بعيدة، أو مزق  منتوفة منتقاة. التاريخ عائم في أدبيات المستبد وإعلامه، ومرويات التاريخ ليست سوى أمجاد غائمة وأحجار أو قصص  لا تصلح سوى للغناء وليس للاقتداء. أما الحاضر فهو ذروة الانجاز وهو القمة و “المعجزة “، الخليفة العباسي  المنصور منع سيرة عمر بن الخطاب ، حتى لا تتم المقارنة بينهما. الطغاة يخافون من الذكريات كما يقول محمود درويش  لذلك يحاول  المستبد أن  يستأنس الماضي بعدة طرق،  بتأويل نصوصه،  أو بناء جسور  وأنفاق إليه،  بجعل نفسه حفيدا  للعظماء أو الخالدين أو الكرام (نبوخذ نصر، آل البيت..) أو الألقاب الفاخرة والصفات السنية. فالمستبد لا يستطيع سرقة الحاضر من شعبه إلا بسرقة الماضي أو تحييده أو ستره، أما المستقبل فيصبح مصادرا  أو بعيدا مثل سراب.

إنّ الماضي الشخصي و العائلي و  النضالي للمستبد  أيضا غائم، قلّما تذكر أدبيات إعلام المستبد  التاريخ الشخصي للزعيم،  بالرغم من إفراط الإعلام في التدبيج و التصفيق له . قلّ أن نرى أهله،  أمه وأبيه وسيرته، وان حضرت فهي مختصرة، و كاملة ومثالية و ضبابية، لا أصدقاء أو زملاء،   أصحابه ومعلموه غالبا هم قتلى أو في السجون ، الشهود على الماضي الشخصي شهود على جرائم و سوءات لذلك  يجب التخلص منهم، هكذا فعل ستالين وصدام حسين والحبيب بورقيبة…يحاول المستبد ما وسعه إعاقة الزمن وتخديره  في ” الدولة” أولاً  بمنع التداول، فالتداول يعني الزمن. و لا زمن في الكيان الطغياني سوى للهو والمباريات والطرب، وثانيا بحجب العلم والمعرفة أو بتحييدهما ومنعهما من التأثير وجعل المعرفة أسيرة جهاز الكومبيوتر أو الغرفة المغلقة، ومنعها من التفاعل والانتاش والإزهار.  يجري توحيل الزمن و تدبيقه بالحواجز و العوائق والعقبات، فالموافقات على  رخص  ووثائق لوازم الحياة  معقدة وتحتاج إلى تواقيع ورشا و”جهاد”.. في البلاد التي تحت الاحتلال أو البلاد التي ترزح تحت الاستبداد ، الحياة ماراتونية بطيئة و  لا يمكن التحرك إلا بوثائق معقدة وأختام وضرائب .شعار المستبد المتصوف في حبه ذاته:  الرعية إن لم تشغلها بالباطل شغلتك بالحق.

 إنها محاولة لجعل الناس في زمن متخلف عن زمن المستبد ،  في الكيان الطغياني زمنان :زمن “البطل” المستبد  الفردوسي وهو زمن سحري،  سريع ، حريري و عسيل حيث كل شيء ملبى ومطاع ودان. وزمن جهنمي حارق وبطئ هو زمن الشعب  الكومبارس.

“الوطن” المستبد به منفى قاسٍ وبارد أو حارق، حتى وإن كان مسقط الرأس، ومرابع الطفولة، لكنه مكان عدائي.  بل إنّ المنافي تعامل اللاجئين بأكرم مما تعامل به السلطات الاستبدادية رعاياها،  والزمان منفى أيضا، حيث تهاجر الرعية إلى الأوهام والأحلام ومسابقات المليون واليانصيب و الأفلام والعقاقير المنومة والمخدرة  وكرة القدم..

أما على الصعيد الشخصي البيولوجي  فالمستبد  يحتال على الزمن بوسائل عدة فهو  لا يكاد  يهرم،  فالأدوية والأطباء يتكفلان بالدواء والصباغ والماكياج،  يتكفلان بالتجاعيد  والشيب. أجلى مظاهر  احتيال المستبد على الزمن نجده في تكريس الزعيم صورة موزعة في كل مكان،  صورته شابة  قوية حاضرة، وهو غائب ( في عالم الغيب)  لا يشاهد  إلا في المناسبات، كأنه يحاول التشبه بالله الموجود في كل مكان . الصورة جميلة ، شابة، حتى إن شاخ ، وتتولى برامج الفوتوشوب والريشة  وزاوية التصوير مخاتلة الزمن .. الصورة لحظة مخلدة مجمدة في الزمن المجمد بدوره. المستبد يجعل نفسه فوق التاريخ وفوق الجغرافيا، من الصعب أن يصل إليه ابن رعيته، فهو فوق العرش الذي دونه كلاب وجنود.

 أما انهيار الأخلاق والفساد فهو نتيجة للاحتيال على الزمن. فالراشي يرشو لتجاوز هدر زمنه و هدر عمره،  والمرتشي يبيع ما هو حق للمواطن ليقفز إلى زمن متقدم عن زمنه الحقيقي :النتيجة فساد شامل وفصام عام. الزعيم له شخصيتان واحدة صالحة مثالية في الصورة، وصورة ثانية وحشية  هي الحقيقية  وتنفذها أجهزته. مرآة المستبد هي حرسه و أمنه و جواسيسه ومخابراته. والمواطن بدوره مفصوم الشخصية، بين الحقيقة في البيت ومع الأصحاب المخلصين ، وبين مكان العمل ومع الناس حيث يسود الخوف، والخوف سيف آخر يقصر العمر ويذبحه ويصرم الزمن ويفرمه . الاستبداد  يصنع المواطن الحلزون، المواطن البطيء، المواطن الهارب إلى قوقعته خارج التاريخ.

 الوقت كالسيف قال المتصوفة، و المستبد يقطع شعبه بسيوف كثيرة أبرزها سيف الوقت. انه متأله قادر على الإماتة فقط، وقتل الزمن إماتة من الدرجة الثانية. المستبد  فوق العرش مثل الإنسان الأول في الجنة، يسعى للتأبد، فيطمع ويأكل من شجرة الخلد ، ويتوهم أنه خالد وفي حرز وحصانة في عسكره وحرسه وقبيلته وماله …، لكن كما أنه لا توجد جريمة كاملة كذلك لا يوجد استبداد خال من الأخطاء. فيسقط بفعل أخطائه أو بفعل الزمن  الذي قتل بسيفه  شعبه ، فدوام الحال من المحال. يمسك المتصوف في حب السلطة  بالشمس عن شعبه ، و مع ذلك  لا يكلم أحدا إلا من وراء حجاب البيان  والخطاب او شاشة التلفزيون ، فوقته مشغول بالعبادة.. لذاته. انطر  الى حصاد اربعين  سنة ” بعثية”  : التاريخ مجرد مسلسلات ممتعة او مملة، و الوطن ممزق الى انقاض جغرافيا او جغرافيا صافية!

لا تعليقات

اترك رد