أرشيف لآخر 30 مقالة نشرت في الموقع القديم لرابطة الكتاب السوريين (رجاء الانتباه: نص كبير)

0
979

سليم البيك: الثورة وقد شكلت فلسطين الجديدة

 

Friday, December 13, 2013, 6:42:28 PM |

من بين الأمور الكثيرة التي ألزمت الثورةُ السورية بإعادة تقييمها وإدراكها، هو مفهوم «فلسطين» عند الكثير منا، هي فكرة «فلسطين» وما يمكن أن تدلّ عليه كثابت تتأسس عليه مواقف تجاه قضايا سياسية وثقافية عديدة. مع اندلاع الثورة السورية وضمن سيرورتها تجلّت الحاجة إلى إعادة التقييم والنقد والإدراك فيما يخص هذه القضايا بناء على فكرة جديدة لـ «فلسطين» بدأت بالتشكّل.

هل الرابط بين الثورة السورية وفكرة وقضية فلسطين بهذه العضوية؟ تماماً. ليست المسألة تجاوراً جغرافياً وبالتالي تاريخياً بين البلدين كأي متجاورين على الخارطة، هنالك ما هو أشمل وأعقد لما يضيفه التاريخ على هذه الجغرافيا، وكي لا نذهب بعيداً في التاريخ، لنذكُر الثورة الفلسطينية المعاصرة التي كانت لسوريا أرضاً (مخيمات ومدن وقرى) وشعباً دوراً محورياً فيها، في النقيض من الدور الاستحواذي والانتهازي الذي لعبه نظام الأسد الأب تجاه الفصائل الفلسطينية ومن خلالها، تجاه القضية ككل. كما أن هنالك ما هو أشمل وأعقد لما يضيفه الاجتماع/المجتمع على هذا التجاور الجغرافي، من المطبخ إلى الرقص إلى التفاصيل الحياتية مروراً باللهجة، وهو ما يتشاركه على كل حال شعوب المشرق العربي عامة، الأقرب في بنيتها لتكون شعباً واحداً.

هنالك ما هو أعمق من كل ذلك إذا ما تكلّمنا عن البلدين سوريا وفلسطين وما يجمعهما تاريخياً وثقافياً واجتماعياً، لكن ليس هذا موضوعي بالأساس، بل ما أحكي فيه هنا هو ما يمكن أن يمتاز به هذين البلدين من خصوصية تجمعهما عضوياً إضافة لكل ما سبق، وهو اللاجئون الفلسطينيون في سوريا، في مخيماتها ومدنها.

شكّل وجود هذه الكتلة البشرية بأبعاده الاجتماعية والذي استمرّ لسنوات طوال منذ عام النكبة، شكّل بنية مجتمعيّة خاصة، تحمل أمكنة فلسطين بأسماء مدنها وقراها إلى سوريا، شكّل هذا الوجود حالة ما بين السوري والفلسطيني مماهياً إياهما، ما يشكّل إضافة للهوية الوطنية الفلسطينية، لا انتقاص. أجيال وُلدت في سوريا وعاشت وكبرت فيها وشكّلت ذكريات وعلاقات، مع الناس والأمكنة، هي الأجيال ذاتها التي تشكّل مدنهم وقراهم في فلسطين حالة الانتماء الأوّلي، كأنما للفلسطيني في سوريا انتماءين متكاملين، أحدهما واقعي ويومي وحياتي تشكّل في سوريا، والآخر حكائي تأمّلي وطني تشكّل في المخيمات في سوريا.

اليوم ومع الثورة السورية، توضّحت الانتماءات وخفّت تعقيداتها وبعض ما كان مكتوماً فيها، لدى الفلسطينيين في سوريا. تجلّى الانتماء مع الحالة السورية الجديدة: شعب لم يعد يطيق الاستبداد الذي يعيشه، فثار عليه وضحّى لثورته فعظمت به وعظم بها، هنا تبدّى بشكل أشدّ شعور الانتماء لهذا المجتمع، لهذا الشعب الذي تبدّى لديه في زمن سابق حالة انتماء مثيلة تجاه القضية الفلسطينية مع الثورة الفلسطينية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

اليوم هو الشعب عينه أطلق ثورته وما كان للفلسطيني في مخيماته إلا أن يعبّر عن حالة الانتماء الما فوق جغرافيّة وما فوق تاريخيّة التي تجمع بين الفلسطيني في سوريا، والسوري في سوريا، وتحقّقت الفكرة التي لم تكن يوماً إلا واقعاً لكن مغيّباً: أن المخيمات الفلسطينية هناك جزء من الإرض السورية، الأرض التي قرّر أصحابها الثورة على طاغيتهم ونظامه، فما كان لشركاء السوريين في هذه المخيمات إلا أن يتشاركونهم ثورتهم، بالعمل الإنساني والإغاثي بداية، ومن ثم بالحراك الثوري الفعلي وبمنح شهداءَ ودماً فلسطينياً لهذه الثورة.

بهذه العلاقة العضوية بين الفلسطينيين والسوريين في سوريا، ألزمت الثورة التي أطلقها السوريون إعادة إدراك لفكرة «فلسطين» كما لفكرة «سوريا»، نتحدث اليوم عن سوريا التي قدّم شعبها ويقدّم في بضع سنوات قد تمتد، قرباناً لحريته كما لم يفعل غيره في التاريخ المعاصر، هذه فكرة سوريا الجديدة التي تعيش سيرورتها وحالة تشكّلها في الوعي السوري والفلسطيني والعربي والعالمي، والحرية التي تتشكّل في سوريا الآن بدأت بالثورة على طاغيتها ونظامه، وقد لا تنتهي بإسقاط التطرّف الإسلامي الذي اجتاح البلاد.

أما فكرة «فلسطين» التي لا بدّ من إعادة إدراكها، فهي النقيض تماماً للفكرة المرتبطة بإدراك النظام السوري وتوابعه من الفصائل الفلسطينية والأحزاب العربية لها، النقيض تماماً لأن فكرة فلسطينية جديدة قد تجلّت مع الثورة السورية، فكرة تعيد الاعتبار لمفاهيم كالحرية والإنسانية والعدالة وأن لا عزاء لفلسطين دونها، فكرة لها أنبياؤها، هم الفلسطينيون في سوريا، أتت من إيمانهم بالثورة السورية التي بدأت بتشكيل وعي جديد لقضيتهم، لفكرة «فلسطين» ولفكرة الانتماء لديهم إلى وطنهم كما إلى سوريا، بمعنى آخر: تشكّل وعي جديد لحالة الوحدة بين فلسطين وسوريا، وحدة بين ما جلبه معهم اللاجئون عام النكبة من فلسطين، وبدأوا، مع السوريين بجبلها بالمدن والشوارع والناس لخمسة وستين عاماً حتى يومنا هذا، وحدة كان لا بدّ من ثورة بهذه العظمة كي ندرك عمقها.

الفهم الجديد لفكرة «فلسطين» صار محكّها هؤلاء، صار مركزها هؤلاء، هنا نحكي عن فلسطين والفلسطينيين المنحازين دائماً لحريات الشعوب وثوراتهم، أنّى كانت هذه الشعوب، فكيف بالحديث عن السوريين وثورتهم؟ فكيف بالحديث عن ثورة صنّعت فكرةَ «فلسطين» الجديدة كما صنّعت فكرةَ «سوريا» الجديدة؟

 

هشام الواوي: مجلة كش ملك الإلكترونية: الفكاهة والسخرية من قلب الحدث الدامي

 
Thursday, December 05, 2013, 10:43:42 AM |

كش ملك “صرخة” تحذير شطرنجية يطلقها اللاعب بلباقة لينبه خصمه إلى أنه قد يكون في خطر محدق، لا تعني كش ملك شيئاً، وقد تعني أن “الدق” انتهى!

ترتدي مجلةٌ تطمحُ أن تكون ساخرة – على حد تعبيرِ “المتورط” برئاسة تحريرها أستاذُ السخرية خطيب بدلة – هذه التسمية، وتطلق عبر صفحاتها نداء “كش ملك” دون أن يعني أن “المكشوش” ملك فقط، لأنه قد يكون وزيراً، أو ظاهرة، أو سلوكاً، أو حتى “دجاجة”!.. وتركز على راهن سوري مؤلم تعيد تكريره وتدويره لتستخرج منه قهقهة أو ضحكة صغيرة أو ابتسامة أو حتى مجرد افترار ثغر.

تنجح المجلة في عدديها “صفر وواحد” في رش رذاذ القِرْفَة ذي الطعم اللاذع، والرائحة المميزة.

في باب تسجيل النقاط ينجح خطيب بدلة في “جَرّ رجل” روائيتين من يقرأ قصصهما يعتقد بأنهما لا تضحكان “للرغيف الساخن”، ولكن، على صفحات كش ملك، تتحول سوسن جميل حسن ومها حسن إلى نثر المرح المغلف بالرصانة كما ينثر الساحر الأرانب من قبعته.

تتبنى سوسن حسن كائنات عجيبة أو “كشملكية”- على حد تعبير هيئة تحرير المجلة – لا يأتي التبني بمنطق المحسنة البورجوازية التي تعطف على الفقراء، ولكن بمنطق المتألم الذي يحمل ألماً “جينياً” يجبره على الالتفات إلى هذا النوع من البشر. وبإمعان النظر في الكائنات التي تحدثنا عنها الروائية نجد أنها اقرب من حبل الوريد، فهي أنا وأنت والناس الذين يمشون في الشارع وقد تحولوا إلى دمى منزوعة الأرواح تتحرك بـ “سوفت وير” مسبق البرمجة، فتحتار وأنت تتابعها، هل تبكي أم تضحك أم تصمت بخشوع؟

بدورها مها حسن تسجل حضوراً عريضاً في العدد رقم صفر، وهي تحلل- بدقة عالم الحاسبات الإلكترونية- موقفَ أدونيس من الثورة، فتخاطبه وتحاسبه وكأنها وكيل نيابة محترف، وتترك له المجال كاملاً ليتحدث مستحضرا تراثه في مقاهي باريس وإصراره على رؤية نتائج الثورة حتى قبل اندلاعها. تختصر مها حسن عتابها لأدونيس بكلمة بعيدة عن الثقافة الأدونيسية وعن فلسفة المخمل التي يتقنها هو بقولها “حين أفاق أدونيس من إغفاءته القصيرة تلك، وانتبه إلى ما يحدث في سوريا، نفخ متأففاً من جديد، وقال مخاطباً الجموع الغفيرة، الموتى والأحياء، المقيمين والنازحين، المعارضين والموالين: (شفتوا، مو قلت لكم؟ كان لازم تطلع من المقهى، من الجامعة، مو من الجامع!… لكن الرعاع لا يفهمون، عفواً أدونيس).

يتسع الأفق الساخر لمجلة كش ملك بوجود أساطين السخرية ميخائيل سعد وفوزات رزق.. يحدثنا ميخائيل عن يوميات مسافر إلى بلاد “الأمالكا”.. يعلب يومياته على شكل “سيرة للتيسنة” بسرد وقائع الحاضر والماضي وبتركيز مكثف على التفاصيل، في العدد صفر يخرج ذاته التي خبرت الدنيا ويعرضها بريئة ونقية كسنواته التي جاوزت الستين فيقول ببرود المطمئن: (فتح مزدوجين”) أصبح من عاداتي المكتسبة أن أستيقظ كل يوم في الساعة الخامسة والنصف صباحاً، حتى في اليوم الذي أتأخر فيه بالنوم. لم يكن استيقاظي المبكر هذا سببه إيماني ورغبتي في الذهاب إلى الكنيسة إرضاء لله عز وجل وضماناً لحصتي من الجنة، ولا رغبتي في ممارسة الرياضة كي أعيش قرناً من الزمن، فما عشته يكفي ويزيد، وإنما كان لتحضير القهوة الصباحية لزوجتي”.. ولا ينهي مقاله قبل أن يقبل خدي قارئه بهذه العبارة “سحبت ورائي خيبات أربعة وستين عاما في الحب والجنس والسياسة وغادرت المنزل لأرى على زجاج السيارة مخالفة قيمتها اثنان وخمسون دولارا، فلعنت نصيبي وأحلام يقظتي والتيسنة التي ركبت رأسي فمنعتني من رؤية الواقع على حقيقته (.)”.

بذات الروح الرحبة يحدثنا ميخائيل في العدد واحد عن شخص آخر لفتته التيسنة فتيبست حواسه وبصيرته فيقول بانه “أنعم الله عليه بخلقة طبيعية، فكان في طفولته ومراهقته سوياً ككل أبناء جيله، لا يختلف عنهم إلا فيما يرثه الابن عن والديه من مورثات طبيعية كطول القامة أو قصرها، أو لون الشعر والعينين، وبما يرثه اكتساباً كالانتماء إلى دين ما، دائما هو أفضل الأديان، وعشيرة هي خير بني البشر، ومنطقة جغرافية، هي دائماً جنة عدن حتى لو كانت صحراء. أما ما عدا ذلك فهو ككل البشر، له رأس فيه عينان وأنف ويحمل أذنين. كما أن له أطرافاً أربعة يستخدم اثنين منها للسير، وأشياء أخرى زائدة لا مبرر لذكرها كاللسان والعقل وغيرهما.” ثم أصبح: “يعرف، ليس فقط أنواع الأبواط، وإنما كم يساوي كل نوع منها، قبل أن يكحل عينيه بمرآها، بل أكثر من ذلك، فقد غدا يمتلك القدرة على إعطاء مواصفات جلد أي حذاء بمجرد أن يشم رائحته، متفوقاً في ذلك على ذواقة الخمور والعطور، ومع أن آخرين كانوا يتمتعون بقدرات مماثلة في هذا المضمار، إلا أنه كان يزيدهم خبرة تجلت في قدرته على تمييز رائحة الجوارب ورائحة التعرق وفصلهما عن رائحة الجلد، التي تدل بدورها على نوع الصياد وجنس الذبيحة”.

فوزات رزق يمسك الإستمارات النضالية ليملأها على طريقة فرع فلسطين بالشاردة والواردة، دون أن ينسى الصورة الشخصية والرأس الحاسر الجائز لملئه “بالإيديولوجيا”.

الاستمارة الأولى تملؤها بتلة، ولا يبدأ حبرها بالجفاف حتى يتم إلغاؤها تلقائياً، لأن مالئي استمارات الانتساب المقبولين لا تنطبق طهارتها عليهم، أما الاستمارة التالية في العدد الأول فتُملأ بشكل جماعي من قبل طلاب الصف السادس الذين يرددون مقولة “يا شارون ويا سفــــــّاح الطلايع نزلت عالساح.. ياشارون ويا سفـّـــــاك طلايـعـنــــــــــا بتتــــــــــحداك.. يا شارون سماع سماع نادي ع كلابك ورجاع. هزاع الرافض وغير المؤمن بهذا النوع من الصراخ يتم نقله إلى أقاصي الشرق بعد توصية ممن يوقعون بالموافقة على طلبات الانتساب.

كانت فكرة ذكية من الكاتب إذ نقل “المشاغب” هزاع إلى أقاصي الشرق حيث تبزغ الشمس وبإيحاء عميق أحببنا هزاع رغم “يباسة رأسه”.

أحمد عمر يتقمص دور رئيس عصابة ويقف على باب “شي ضَرَبْ قَتَلْ” يتحرك فيه بخفة “الحلواني” فيخرج من تحت يديه المعمول والبرازق. يتحدث في العدد صفر عن الغش والخداع والإشتراكية والصمود والتصدي، ويصف جمال كاسندرا ثم يعرّف أسوأ أنواع الغش على الشكل التالي: “أن تشرب منقوع التين الأسود المغلي وتقول شاي سيلاني، وتأكل الزفت وتقول عسل ملكي، أن تقول نعم وأن تصفق لقاتلك ومخرسك، وتنظر إلى وجهك في المرأة فترى وجه عدو ليس من صداقته بد!!”

ويتابع في العدد الأول على ذات الوتيرة فيتحدث عن مزبلة التاريخ ودريد لحام والفرق بين الطبنجة والفرد بحضور ما تبقى من عامودا: لم يكن قد بقي من عامودتي التي صرمتها، شيء كثير. النهر تبخر والغيوم جفت، والنجوم غدت أقل لمعاناً في الليل، وبورصة العصبية والطائفية في ارتفاع.

وفي مثل هذا المناخ المتصحر تتخلق كائنات كـ “مجو” الشاعر الذي يشبه جو عامودا الجديد. ومجو بات يحاضر في البراغماتية البعثية، والمقاومة والممانعة، ويشرحها لزوجته: المقاومة هي مقاومة الشعب من الحصول على حريته، والممانعة هي ممانعة الديمقراطية.. المقاومة والممانعة هي شريط أحمر كالذي يوضع حول مكان حوادث السير والجرائم لحين وصول المختصين (في الدول المتقدمة). يخلع ابن العم “فرده” ويضعه تحت المخدة ويقول لي معتذراً. ابن العم.. والله هذا الفرد للحماية الشخصية.. ولا علاقه له بـ(عبادة الفرد)!! فأنا أنا لا أعبد سوى الواحد القهار”.

وينحّي إسلام أبو شكير القصة القصيرة جانباً لسرد جوانب هزلية في واقع مر، وهو ليس الأديب الوحيد الذي يشارك “بكش الملك” فهناك عقاب يحيى الذي لا يعرض بضاعته إلا مع الدمغة ولو كانت “مُعارضاً”.

سامر قطان يتنكر في زي “صائغ” تدمغه المجلة بدمغة (السبائكي عيار أربعة وعشرين قيراط) يلتقط من بلاد الفرنجة مشاهد تفيد “كش الملك”. المكسب يأخذ شكل القيمة المضافة بوجود “ظل” صدقي إسماعيل عن طريق تلميذه النجيب غازي أبو عقل فيعود بنا إلى مجلة ذات طبيعة متفردة لم يوجد لها شبيه في كل الدنيا وهي مجلة (الكلب) التي كانت تكتب باليد وتوزع باليد وتنتقل من يد إلى يد لتستقر بشكلها “البكر” على صفحات كش ملك.

اللمسة المؤثرة حين يفرد خطيب بدلة مساحات لا بأس بها لأقلام “يافعة” جميلة اكتشفها بنفسه أو وقعت عليها اصابع سكرتيرة التحرير صبا جميل التي تفقعنا “قنابلها الصوتية” وتمسك مكبر “كولومبو” لتجوس في أرجاء الانترنت بحثا عن عبارة مثقفة عميقة وساخرة.

رامي سويد يعدد البيادق فيصفها ويبعثرها مجدداً، ويكتب من قلب المعمعة نصوصاً وسيناريوهات دافئة.

وماهر أبو راي يتخذ من خط “الشحار والسخام” متراسا ليسدد كلماته، وكمايسترو يضبط إيقاع السرد الساخر(.) يغلف خطيب بدلة مجلته بشيء من الغموض اللذيذ عندما يعتمد على شخصية غامضة تتقمص شكل الحمار وتكتب كالبني آدمين حكماً حمارية تفوح منها “عبقرية” بيدبا الفيلسوف.

تجمع غزالة شمسي مفارقة تحمل في طياتها سخرية فهي صحفية وموظفة فتهدهدنا مواسية “أيه يه بسيطة” عن الوظيفه بطريقة تفقيع المرارة، وخير الدين عبيد الذي يكتب في العدد الأول بالإزميل ضربة على الحجر وضربة على الورق الأبيض.

إن جهد الكاتب المخلص واضح في هذا العمل ودعم بعض الأسماء اللامعة ساعد في انطلاقها الصاروخي كمساهمة الأديب صبحي حديدي والمخرج حيثم حقي، وقد تكون افتتاحيات رئيس التحرير الأستاذ خطيب بدلة فاتحة للشهية لتساعد في التهام بقية الوجبة.

تحمل صفحات المجلة كمية كبيرة من المرح وتكاد تخلو بشكل تام من التجهم مما يضع القارىء في “البيئة الحاضنة” للضحك، ليس ذلك الضحك المجاني الفارغ الناتج عن “التنكيت” هو أشبه بالنظر إلى المرايا المقعرة أو المحدبة التي تظهر الأجسام بوضع مختلف ربما أكثر دقة، مما يبعث على الضحك بمرارة.

خلت المجلة بشكل تام من الشعر إلا ما نقلة غازي أبو عقل عن مجلة الكلب وهو نوع من التوثيق أكثر منه شعراً، وتخصيص بعض الصفحات للشعر “الحامض” قد يخلق جوا مختلفاً من الإثارة، ومقاربة الإبتسام بطريق مبتكرة لا تقدر عليها المقالات العادية.

 
 

جيم كلارك*: هلاك القبيلة (قصة)

 
Thursday, December 05, 2013, 10:37:39 AM |

بقدر ما يمكن لمورداك، من خلال رؤيته للسماء من ثقب المدخنة في سقف الكوخ، أن يقدّر، فإن ساعتين من الوقت بقيتا للفجر او ما يقارب ذلك.
ابتلع جرعة من الجعة من القدح قربه، وقرّر ان يبدو سكران مذهولا امام غريغ ، الشاعر، الذي بدأ بإنشاد مدائح لاولئك الموجودين في القاعة الدائرية للتاويسك (زعيم القرية).
عرس أخته كان حفلا مسيحيا بالتأكيد، غير ان باتريك  لم يكن قد طهّر الجزيرة من كل اعتقاداتها الوثنية… وكما هي العادة، فإن التاويسك كان قد دعا الي وليمة عظيمة وليلة فرح للاحتفال بمناسبة زواج بادرياغ و برايد . اسم مناسب ايضا ، قال مورداك لنفسه وهو يضحك.
صوت غريغ المدندن بدأ يتصاعد اعلى فأعلى، واحس مورداك بالتعب من شرب الجعة وكما يحدث دائما عندما يكون مالاَّ، فإن افكاره اتجهت الى نيامه … التي يعني اسمها سماء وعندما يتذكر وجهها الفائق الجمال وشعرها المنساب خلفها، فإن مورداك لا يستطيع غير ان يوافق على حسن اختيار الاسم. لقد كانت محبوبة اكثر من اي امرأة في اردنا بهفويتسوغ، قرية مورداك.
نيامه حامل الآن بطفله الاول وهو لا ينوي الانتظار طويلا ليتزوجها حالما يولد الطفل.
حفل عرسه سيكون الحفل الثاني الذي يحضره، ربما.
كشخص غريب عن القرية، باستثناء رابطة الدم مع برايد اخته، فان غريغ كان في آخر قائمة من يستحقون مديح غريغ. نظر نظرة خاطفة الي فوق وتأكد من ملاحظته: السماء كانت تحمر مع طلوع شمس الصباح. كبت موجة اخرى من الملل وقرر الاستماع الى غريغ.
ومورداك، أخو زوجة بادرياغ الجديدة،
شخص يستأهل مديحنا،
فهو اثبت شجاعته في المعركة
ضد المهاجمين الشماليين في ارضه، “اردنا بهفويتسوغ”
النساء يصرخن لاثارة انتباهه
لكن عبثا، لأن عينيه كانتا فقط
لنيامه، عاهرة القرية.
القلائل الذين كانوا مستيقظين ضحكوا بقوة لما قاله الشاعر أما وجه مورداك فتصلب. أطبق اسنانه بقوة لكنه لم يقل شيئا، فأن يواجه كلمات الشاعر يعني ان يواجه زعيم القرية نفسه. كان واضحا ان غريغ لا يستلطفه لسبب ما، مسح الجعة عن فمه، وأنصت للمقطع الثاني.
مورداك ايضا طويل وقوي
ودائما يربح في المسابقات
انظروا! حتي في هذا اليوم هو قد ربح
لقد شرب جعة اكثر منا جميعا!
انتفض مورداك وصاح: “هذه حقارة! استطيع ان اتحمل مزاحاً بين أصدقاء، لكن ليس هذا القدح والذم”، كان يستعد لتحدي غريغ، عندما جاءه صوت من الجانب البعيد من القاعة. “أوكونور، أنا أحكي باسمي وباسم قريتي: هل ستجلس في مقعدك وتتجاهل الاساءات من شاعركم الي اكثر الضيوف احتراما، مورداك، ابن حماي الجديد؟”. كان ذلك صوت بادرياغ الذي انتصب بطول قامته، ومن ثوبه الصوفي، بانت عضلاته المتماوجة. سيف التحدي كان قد نُصب.
صوت بادرياغ الراعد ايقظ من كان نائما، وفجأة تصاعد ضجيج مزعج. كل شخص يريد ان يعرف ما الذي دفع ببادرياغ الي هذه الحالة من الغضب. ببطء، قام الرجل الشائب من المقعد العالي ومدّ قامته الطويلة.
“ما هو المشكل يا بادرياغ؟ هذه وليمة عرسك اليس كذلك؟ غريغ كان يحاول ان ينشر بعض المرح في الامسية. اكيد ان ضيفنا المحترم لم يشعر بأي تهجم، لأن احدا لم يقصد اهانته”.
النظرة التي القاها غريغ علي مورداك كانت متغطرسة جدا ومغرورة، رغم ذلك، فانها اظهرت حقيقة المسألة بقوة. استدار اوكونور نحو مورداك. “اذن، يا صديقي، هل شعرت بأية اهانة؟”.
كان هناك اكثرمن تلميح فولاذي في صوته، ورغم هذا ورغم نظرة التهديد التي صوبها بادرياغ عليه فقد قام مورداك واعلن في صوت عال: نعم، لقد كان هناك اهانة.
للحظة مخيفة كان الجمع ساكنا وصامتا. لا أحد تحرك، او حتى تنفس، ثم حدث كل شيء فجأة.
“إعتقلوه واحضروه لعندي مجردا من السلاح”. صرخ أوكونور، وقد أصبح وجهه قرمزيا. وفيما ناضل اثنان من الرجال السكاري لتنفيذ امر التاويسك اومأ الرجل الكبير لبادرياغ وغريغ ليتقدما نحوه. بدى على بادرياغ القلق. منظر العملاق احمر الشعر وقربه الشاعر الاصلع ذو وجه ابن عرس بدا مثيرا للضحك لصبية يافعة ضحكت عاليا لكن سعلة من ابيها اسكتتها بسرعة.
خلال فترة قصيرة كان الثلاثة ماثلين امام أوكونور.
مال الرجل نحو مورداك أولا.
– ما هي الاهانة التي ازعجتك، يا مورداك من اردنا بهفويتسوغ؟
لم يكن مورداك شخصا بليغا بطبيعته، فتلعثم مفتشا عن الكلمات المناسبة، ثم تكلم اخيرا:
الاهانة الاولى التي تلقيتها هي قوله عن نيامه انها عاهرة القرية. صحيح انها عاشرت رجالا قبلي، لكن ذلك لم يكن أبدا مقابل مال، وهي حامل بطفلي، انها خطيبتي ويجب ان ادافع عن شرفها كما اريد.
– لن يكون هناك جدال حول ذلك في القاعة، هل هذه هي الاهانة الوحيدة؟
مرة اخرى جمد مورداك قبل ان يجيب.
– لا، اوكونور، الاهانة الثانية هي قوله انني شربت جعة اكثر من اي رجل اخر في القاعة. مع جملته هذه، كان جميع في القاعة يستطيع سماع وقع المعدن على الخشب، فيما تخلى الجميع بسرعة عن اقداحهم.
تمعن اوكونور في الموضوع وهو يلمس لحيته البيضاء.
– الاولى، سأقبلها، مورداك، وغريغ سوف يتراجع عن قوله، الثانية يجب ان نجد برهانا عليها، لذلك ارفض التحكيم فيها. اذا وجدت قولك صحيحا، فان على غريغ ان يهجر الشعر. اما زلت تريد ان تحقق في الامر؟ اذا كنت مخطئا فان من حقي ان اعاقبك بتهمة القذف.
تقلصت عينا مورداك النسريتان وقال: نعم اريد التحقيق في الامر.
وافق اوكونور بهزة من رأسه وصاح بابنة اخيه التي كانت تقوم بالخدمة في الوليمة.
هرعت الفتاة بسرعة.
“نعم، يا عمي وزعيمي؟”
“ديدري، لقد خدمت مورداك هذه الليلة. كم قدحا من الجعة شرب؟”
جمدت الفتاة ذات الشعر الاسود لتجمع الرقم في عقلها ثم قالت: عشرة، وواحد نصف ممتلئ.
اومأ الرجل العجوز مبتسما ومشجعا بنت اخيه الصبية، وهل هناك احد في هذه القاعة تجاوز هذا المقدار من الشراب في هذه الليلة؟
احمرّ وجه الفتاة، وظهر على وجنتيها لون قرمزي. “واحد فقط”، تمتمت ديدري اخيرا.
“اخبرينا من هو، يا صبية”! قال اوكونور.
نظرت الفتاة الى اسفل لاخفاء احراجها، “انت اوكونور!”
غاضبا ومهانا بمواجهة كل رجال القرية، حرك اوكونور يده، كما لو انه يطلق الفتاة بعيدا، ثم حكّ لحيته، وفكر مجددا، وبعد صمت قلق، تكلم.
“غريغ، نتيجة قذفك وتحقيرك لزعيمك، فأنا أجردك من شعريتك. إذهب! أترك القرية ولا تعد. إعتبر نفسك منفيا”.
نظر غريغ غير مصدّق الى العجوز المطلّ بقامته العالية عليه ثم ترك القاعة.
صوت العجوز خفت الى ما يشبه الهمس وهو يخاطب مورداك وبادرياغ.
“لقد ربحت هذه المرة يا مورداك لكن تذكر ان غريغ وانا رجلان من الصعب استصغارنا. من الافضل لك ان لا تبقى طويلا في مويرثيمن، لكن عد بسرعة الى اردنا بهفويتسوغ، لأنهم أخبروني إنك غبت خمسة اشهر محاربا النورسمان. واريد ان أحذرك، ان غريغ ماكر ويبدو انه لا يحبك. من الأفضل لك أن تتجنبه اذا ما شاهدته في طريقك الى قريتك”.
سعل مورداك لينظّف حنجرته من بقايا الشراب وقال:
“سأغادر قبل نهاية هذه الصباح، اوكونور العظيم ولكنني أتمنى أن تسمح لي ببضع ساعات لأنام قبل أن أرحل”.
أومأ اوكونور موافقا: “نعم، ربما كان هذا أفضل، واذا كنت تحب ان ترى اختك مرة اخرى فعليك ان تدعوها لزيارتك. لقد أغضبت شاعرهم وأهنت زعيمهم، وهؤلاء الناس من النوع الذي يحقد”.
فكّر مورداك ان الزيارة لم تكن خيرا ابدا. كان يعلم دون أن يدقق في الأمر ان برايد كانت تنشج. لم تكن لديه اي فكرة لماذا تصرف غريغ هكذا، لكنه عرف ان اعمال الشاعر المستورة قد خرّبت لا عرس اخته فحسب ولكن ايضا العلاقة بين قرية مويرثيمن وبين اردنا بهفويتسوغ، وبناء لحسابات دبلوماسية فان زواج اخته ربما لا يتحقق.
خاطب اوكونور بادرياغ قائلا: “راقب مورداك الى ان يذهب. تأكد من أنه لن يتعرض لأية مشاكل، ورافقه الى حدود دنريلغن بوتبك”.
وافق بادرياغ قائلا: “سأفعل، اوكونور”.
كان الزعيم على أهبة صرفهم، حينما اندفع صبي (لا يبلغ اكثر من خمسة عشر عاما، لكنه طويل بالنسبة لعمره ونحيل) الى القاعة ثم ركض نحو النار في مركز الكوخ الدائري. توقف هناك وانحنى نحو اوكونور، ثم مشى حول النار بخطوات واسعة نحو المقعد العالي.
“ماذا هناك أيها الولد؟” دوّى صوت اوكونور ماك نيال بأعلى درجاته الآمرة.
“اوكـ ـ كونور العظيم، انا عائد لتوي من دن ديلغن، حيث سمعت خبرا عن موجة جديدة من غارات الفايكنغ. هناك رجل من تارا اخبرني انهم قد تقدموا الى الداخل حتى عشرة اميال، كما يبدو ان الدانيين والساكسون لا يستطيعون صدهم. لقد احرقوا ودمروا كنيسة اردنا دوار”.
تنفس مورداك بصعوبة “اردنا دوار! تلة بستان السنديان، انها بالكاد تبعد ميلا من تلة شجر الدردار، قريتي اردنا بهفويتسغ”. استجمع أفكاره بسرعة وحمل الاغراض التي معه.
“اوكونور، يجب ان تسمح لي بالرحيل. يجب ان اعود لقريتي في الحال”.
وافق اوكونور: “يمكنك الذهاب، مورداك. ليسدد الله خطاك. انا اسف لانني لن استطيع ان ارسل معك بادرياغ الان، اذا هاجمنا النورسمان فكل رجالنا يجب ان يكونوا موجودين للدفاع. ليكن الله معك، مورداك”.
احتج مورداك بقوة لكن دون فائدة. انطلق بسرعة من الكوخ، حاملا سلاحه، وروفق الى البوابة الشرقية للقرية. كانوا كأنهم يدفعونه وهو يخرج من البوابة الخشبية، ثم اغلقوها جيدا بعد خروجه. نظر مورداك الى الاعمدة الخشبية المرتفعة عشرة اقدام، المجمعة معا والمدقوقة بالارض لتشكل جدارا، ولاحظ اللاجدوى في كل ذلك. النورسمان سيحرقون الجدار الذي أتعب أهل القرية أنفسهم في بنائه، وبرغم مزاجه المعكّر فقد ضحك.
اتجهت افكاره نحو نيامه مجددا وانطلق مقتفيا الاثر الى دن ديلغن. وفيما هو يسرع الخطو كان الف سؤال ينفجر في عقله، ماذا لو لم يكن غريغ في الوليمة؟ ماذا لو… لكنه كبت هذه الافكار. لقد كان يبعد مسافة اسبوع او عشرة ايام عن قريته وعائلته واصدقائه، بالنسبة له هذا ما كان يهم الان. لقد كان يوما سيئا بالتأكيد.

بعد اسبوع

استفاق مورداك على صوت طيور تزقزق بعيدا في الأعلى. خلال الايام السبعة الماضية، لم يكن الطقس جيدا فقد حاصر المطر والضباب رحلته جنوبا، لكنه وصل وكلاو، ولم يكن بعيدا من تلة اردنا بهفويتسوغ.
لقد بدأ يومه بالقلق والحركة، كانت السماء عميقة الزرقة، وصافية من اي عيب رمادي، “هذا يمكن ان يكون يوما رائعا”، قال مورداك لنفسه.
مسح اخر ما بقي من طعام اشتراه في تارا، وغسل وجبته بماء ينبوع كان يصدر فقاعات من تحت شجرات السنديان، حيث كان قد لجأ البارحة، جمع حوائجه، ومستندا الى سيفه وقف.
مشى مسافة ثلاث الى اربع ساعات، وكانت الشمس قد وصلت الى منتصف السماء عندما لمح شكلا يترنح خلال الوادي الذي كان نازلا اليه. مع اقترابه، استطاع مورداك تميّز هيئة راهب، وعلى كتفيه كان يحمل حقيبة ثقيلة.
“اللعنة، انه من اردنا نوار” صاح مورداك.
مع صرخة مورداك، نظر الراهب الى فوق، والتمع الامل في عينيه لكنه عندما لمح سيف مورداك اصدر صوتا غريبا، وتحسس قبعته بارتباك، ثم بعد أن وضع حقيبته بحذر على العشب الربيعي، قام برسم اشارة صليب.
“ضع صليبك المقدس جانبا، ايها الاخ” صاح مورداك، مبتسما. “انا لست شيطانا لتخاف مني بل رجل مسيحي معمّد مثلك. سيفي هو طريقتي الوحيدة للدفاع ضد النورسمان الوثنيين الذين دمروا جزيرتنا الجميلة مجددا. كنت اخدم عند جدي، شيرات مكنيارت، في آمهين ماتشا، لأتعلم المبارزة وفن القتال، عندما هاجم الفايكنغ الشاطئ الشمالي ودُعينا للدفاع عنه. انا الان عائد الى قريتي، لأتزوج خطيبتي نيامه”. خلال حديثه كان مورداك يتقدم من الراهب، وصار على بعد ثلاثة اقدام من الرجل المنكمش خوفا والذي حدّق عن قرب الى مورداك ثم ضحك بقوة ومسح على ظهر مورداك.
“ألست مورداك مك لابريس! لقد تعرفت إليك الآن يا بني. انت الذي كنت تحضر كمية زائدة من الحليب للكنيسة خلال اشهر الشتاء مع اختك، انها ستتزوج، هذا ما سمعه الاخوة”.
اومأ مورداك برأسه مبتسما ببلاهة. لقد أحب دائما هؤلاء الاخوة المقلنسين في الكنيسة وقد احس بنفسه اندفاعا ليشرح همومه وافراحه ودموعه وقلقه للرجل العجوز، مثلما اعتاد دوما عندما كان طفلا. لكنه لم يفعل.
ظهر على وجه الراهب فجأة تعبير جليل “لقد نهبوا الكنيسة يا مورداك. كل الرهبان…” توقف ثم حاول مجددا. “قتلوهم خلال الصلاة يا مورداك، هؤلاء الوثنيين النورسمان دنّسوا كنيستنا بالجريمة”!
كان العجوز حزينا بشدة، وكان مورداك قادرا على رؤية الدموع تنحدر على وجهه بوضوح، وأجلس الراهب علي الارض.
“كيف نجوت من المجزرة يا أخ اندا؟”
الأخ العجوز ابتسم متحسرا فيما الدموع على وجنتيه تلتمع في ضوء شمس العصر.
“لقد تسللت. كنت ما ازال في حجرتي عندما جاء الأنجاس. عندما رأيتهم، اندفعت للاختباء. هناك استطعت ان اجمع هذه” وأشار الى الحقيبة المنقوعة بالدماء، المطروحة على العشب.
فتح مورداك الحقيبة ولهث عند رؤيته كنز الكنيسة يسقط نحو التراب. كتب مزخرفة بشكل جميل من المخطوطات، وكؤوس قربان مجوهرة، وصلبان مغلفة بالذهب، كلها انصبت على التراب.
عينا مورداك اتسعتا، ثم نظر الى اعلى والتقتا بعيني اندا.
“ما الذي ستفعله بكل هذا؟” اشارته المضطربة كانت مهيبة.
“أعتقد أنني سوف آخذه الي كنيسة اكبر” تمتم الراهب بحزن. “موناستربويك، على الاغلب. الاب ابوت تعلّم هناك. قلت انك عائد الى اردنا بهفويتسوغ؟”
تمتم مورداك موافقا “م م م. ما هي حظوظ القرية؟”
أومأ الأخ اندا مبتسما. الغابة في شمال وكلاو كانت كثيفة جدا في مواضع بحيث انها تجعل السفر مستحيلا. اذا لم تكن تعرف المنطقة، قد تضيع لأسابيع تحت غطاء الغابة. ربما كان قدوم النورسمان الى ابرشية اردنا دوار بالصدفة.
“لن يكتشف المغيرون تلة اشجار الرماد اردنا بهفويتسوغ بإذن الله. لكن الغابة كانت مكتظة بهم عندما غادرت يا مورداك. كانوا يبحثون عن الناجين لأخذهم رقيقا” تابع الراهب. نظر مورداك الي الغابة الكثيفة المنذرة بالشر، ثم ابتسم بكبرياء.
“من العار علي ان لا ادافع عن خطيبتي وارضى ايها الاخ. حتى لو لم أكن مطلوبا بدافع الواجب فيجب ان اذهب بدافع الحب”.
“قول جيد يا مورداك! سوف لن امنعك اذن، القدر اعطانا نحن الاثنين اوراقا خطيرة، وانا فقط اصلي لكي نصل كلانا دون ان نتعرض لاذى. يجب ان اغادر هذا المكان لخوفي ان الوثنيين يطاردونني. ليكن الله معك، مورداك” قال الراهب.
جمع العجوز كل الاشياء، في الحقيبة، وتوقف لحظة.
“خذ يا مورداك، ليس عدلا ان تغادر كل كنوز الكنيسة هذه التلة” قال الراهب بلهجة ابوية، مناولا اياه صليبا مذهبا.
رفع الراهب الحقيبة على كتفيه مع نخرة ضئيلة، وقف مورداك وراقب الرجل الجليل العجوز يختفي ببطء. مجددا شعر باحساس العبث يرتفع في صدره، لكنه لم يحس برغبة بالمزاح. لاحظ ان اندا لن يستطع الذهاب ابعد من ثلاثة اميال قبل ان يسرق، ويضرب ويترك للموت من قبل بعض الاجانب الطامعين بالذهب من مستوطنة الدانمركيين في دبلن، ابتلع انفعالاته وصلى ان يكون خاطئا، لكن في قلبه، احس انه مصيب.
بعد حوالي عشر دقائق من المشي، دخل مورداك تحت الغطاء الاخضر الذي كان غابة وكلاو. فكر ان اندا كان على حق. لا يستطيع احد من الدانمركيين اوالساكسون او الفايكنغ اكتشاف اردنا بهفويتسوغ دون دليل، بهذا التأكيد عزّى نفسه.
لبقية ساعات اليوم لم يتوقف مورداك ولم يقلل سرعته، وكان متحذرا مع ذلك، وقد اضطر مرتين لتغيير طريقه لتجنب الفتك به على يد النورسمان الطائفين بالغابة للسلب والنهب، لكنه كان الان قد اقترب من قريته. فكر مورداك انه اذا حالفه الحظ فسيكون هناك مع نهاية الليلة، وبالتدريج فتح طريقه عبر متاهة الاشجار، الى ان صار في الوادي تحت تل شجرات الدردار، المحيط بالقرية.
كان الوقت فجرا عندما بدأ مورداك الصعود الاخير للجانب الصخري للقرية. وهج الشمس الراحلة جعله في مزاج مرح وروحه طارت فرحا مع فكرة وجوده مع نيامه قرب موقد النار من جديد. فكر في نفسه قائلا: خمسة اشهر فترة طويلة في حياة اي رجل ، واخذ يتحزر عن الفترة الباقية لنيامه حتى تلد عندما انزلقت قدمه.
أرض، اشجار وسماء دارت حوله في كون مضيء وعندما توقفت اكتشفت مورداك انه متمدد عند قناة ماء وساقه اليسرى تنبض بألم حاد. بعد ثوان قليلة رفع نفسه الى وضعية جلوس ليستعيد هدوء ذهنه، كان ينزف من اسفل ذقنه بغزارة حيث جرح جرحا حادا بسقوطه على صخرة.
“يا الله! هل سأستطيع ان اصل الى بيتي بهذه الطريقة؟”
ساحبا ساقه قليلا ترنح في مشيته عبر طرف التل. كان يعرف مكانه جيدا. كثير من الاشياء كان يخبئها هو واخوه اوين من غضب ابيهما. اليوم كان هو الذي يختبئ من النورسمان. جلس هناك في القتامة المنذرة بالشر، وطوى ساقه بقطعة قماش اقتطعها بسكينه من ثيابه ومن مكانه راقب الشمس وهي تغرب ببطء خلف تل الابرشية المخربة وفكر محزونا، في اخيه اوين، المبتلى بوباء اثناء ولادته تركه من دون شعر.
الأصلع، هذا صار لقبه الذي يدعونه به، الى يوم من ايام اكتوبر قبل خمسة عشر عاما. قتيل وخمسة جرحى سقطوا قبل ان يأتي الاب ويجرد اوين من سيفه. اوين كان ماهرا في فن الكلمة، وهو ما اهله للتمرن ليصير شاعرا.
هذه كانت أمنيته التي لم تتحقق.
اثناء اللعب في احد الايام، قام كولن، ابن التاويسك (رئيس القرية)، بشكل غير مقصود بضرب اوين بعصاه. استدار اوين ورد على الاهانة بسرعة بشعر مقرف مشيرا الى عادات كولن اثناء الاكل. كولن، الذي ورث الفظاظة من أبيه قام ببساطة بالرد، على الاقل فإن عندي شعر، ايها الاصلع. عند ذلك قام اوين برفع عصاه الضخمة من خشب الدردار وضرب كولن حتى الموت. واقتضى الامر ان يتعاون هو وابوه على رفع اوين عن جسم كولن، فكر مورداك، دم احمر وسماء حمراء.
نُفي اوين من القرية بالطبع، لكن بتدخل من لابريس وكياران مكنيارت، جد مورداك، الذي كان زائرا انذاك، لم تحصل التضحية الطقوسية لأودن. نيسا، تاويساك القرية آنذاك، كان ما زال منتميا الى ديانة تموت ـ كان وثنيا ـ خمسمئة عام بعد (القديس) باتريك كان ما يزال هناك وثنيون في ايرلندا، لكن كانوا قلة. بموت ابنه، ثم زوجته واخيه بعد سنوات قليلة، نيسا كان اخر وثني في القرية. عندما مات، صار لابريس زعيما.
كان الوقت ليلا. جهز مورداك ثوبه على شكل كيس، ومتمددا فيه، صلى لله ان يكون جاهزا للمضي في الصباح. نومه كان متقطعا، وفي بعض الاوقات ظن انه سمع صرخات متفجعة، تقلب طوال الليل وأيقظه حلم مفاجئ قبل الفجر بقليل، ووجد السماء ما تزال شاحبة.
كان يتعرق من الحمى ويرتجف دون ان يستطيع السيطرة على نفسه، لاحظ انه لا يستطيع ان يقبل ما اكتشفه للتو. غريغ الشاعر في حلمه توحد مع اوين مك لابريس. كانا واحدا.
مترنحا على قدمه، لف مورداك ثوبه حوله وجمع ما معه. يجب ان يخبر احدا بهذا الامر. لاحظ الان السبب وراء فعلة اوين اثناء الوليمة. لقد اغضب كل الناس في اردنا بهفويتسوغ، ورؤيته لاخيه واخته في موطنه الجديد اغضبته بشكل قوي حتى فعل ما فعله. لكن ما الذي ربح من وراء ذلك في النهاية؟ لقد نُفي مرة اخرى.
عاضّاً على اسنانه ليخفف من ألمه، انطلق مورداك مجددا الى جانب التل. الهواء كان مشبعا بالدخان. يبدو انهم كانوا يدخنون سمك السلمون امس. بلع مورداك ريقه وهو يفكر بذلك.
وصل اخيرا الى نهاية التل ونظر الى الوادي تحته، باتجاه القرية، كانت مهجورة، الاكواخ والسياج المحروقة كانت الاشياء الوحيدة الباقية. النورسمان! ، صرخ مورداك، متجاهلا صرخات الالم المحتجة القادمة من ساقه، ركض نحو مشهد الكارثة، مخنوقا بقلقه والدخان. توقف في مواجهة كوخ والده، لابريس التاويساك، وحدق داخلا، ابوه وامه متمددين في السرير وقد أخرجت احشاؤهما، الشراشف المنقوعة بالدماء كانت الشاهد الوحيد للكارثة، فيما هو يتمايل، من كوخ الى اخر كان المشهد نفسه في كل بيت.
فجأة، هجم خوف مرعب على قلبه، مورداك اندفع الى كوخه، وانفاسه تتسارع، وساقه اليسرى لا يستطيع احتمالها، برعب يائس، انقذف الى الكوخ. كان خاليا، لكن الحطام الموجود كشف عن نزاع حصل هنا. فكرة واحدة استولت على مورداك الآن وهي: اين نيامه؟
مترنحا في القرية المدمرة، لاحظ مورداك بشكل مفاجئ، هذا كان (دييريد آن توث): هلاك القبيلة.
لكن بالنسبة لمورداك، لم تعد قبيلته، وابواه، او اصدقاؤه ليهمّونه. فقط وراء الجانب الغربي من السور، وجدها. وتقيأ ثم تقيأ.
على قطعة صخرية مسطحة تمدد جسد نيامه. كانت عارية، ووجهها الى اسفل. كان قفاها يحمل جرح مخالب النسر. هذا الشكل المرعب للأضحية الى اودن: شقوق طويلة لقطع في جانبي العمود الفقري، ثم كسر القفص الصدري وسحب الرئتين من التجويف مثل اجنحة النسر.
وهو يرتجف بشكل عنيف قلّب مورداك جسدها، فصار وجهها للامام. تقيأ مرة اخرى واخرى.
رحمها كان قد استؤصل. أبعد مورداك نظره عن التجويف الدموي ووقعت عيناه على ربوة على مسافة قريبة. ركز نظره عليها ثم تقيأ مجددا.
كان ذلك جنينه.
وقف مورداك على قدميه. رفع وجهه المليء بالدمع الى فوق وفتح فمه.
صرخ: “لماذا؟” وترددت صرخته المفجوعة حوالى الوادي، ثم ارتفعت الى السماء. لكن لم يكن من جواب هناك.
في الغابة، في معسكر الفايكنغ جلس اوين ماك لابريس، غريغ الشاعر. سمع الصرخة الرهيبة لأخيه وابتسم قليلا، رغم انه لم يجد متعة حقيقية في ذلك. لكنه على الاقل قد جلب موت القبيلة. بذلك كان مسرورا. قرية مويرثيمن هي التالية.
شعر بلطخة على وجهه، ونظر الى فوق. كانت السماء قد بدأت تمطر من السحاب الرمادي الذي تجمع خلال الصباح.
“اللعنة،” فكّر “سيكون يوما سيئا بعد كل شيء”.

ترجمة: حسام الدين محمد

* ولد جيم كلارك في بلفاست عام 1971. بدأ الكتابة في سن مبكرة جدا ونشر في عدد من المجلات الايرلندية المتنوعة وشارك في كتاب عن ميثولوجيا الخيال. قصته المنشورة هنا تحاول استخدام التاريخ الايرلندي القديم للتعبير عن حالات تاريخية ونفسية معاصرة، والأحداث تجري خلال فترة كانت فيها ايرلندا لم تعتنق بكاملها المسيحية وتتعرض خلال ذلك لغزوات من الفايكنغ وشعوب الشمال الاسكندنافيين.

 

صادق جلال العظم: محاولات اختزال الثورة السورية

 
Thursday, December 05, 2013, 10:30:05 AM |

يصدر العدد الثاني من مجلة رابطة الكتاب السوريين “أوراق”  وثورة الشعب السوري تتعرض لعدة أنواع من محاولات الاختزال.

النوع الأول، اختزالها إلى حال الاستنقاع الذي تعيشه الثورة في اللحظة الحاضرة نتيجة التوازن القلق والهش بين قوى الثورة العسكرية والمدنية من جهة وقوات النظام الضاربة بأسلحتها التقليدية والكيمياوية من جهة ثانية. يتمثل الاختزال الثاني في تصوير  الثورة على أنها لا أكثر من “لعبة” صغيرة وتافهة على هامش لعبة الأمم الكبرى على المسرحين الاقليمي والدولي. أي أن الثورة هنا لا تتعدى كونها حالة اقتتال عبثي بين السوريين أنفسهم. أما الاختزال الثالث، فهو اقتصادوي بامتياز يرد الثورة بفجاجة لا تجارى إلى العوامل الاقتصادية وحدها تقريباً بجداولها الاحصائية الكثيرة ورسومها البيانية المتعددة وما شابه، متجاوزاً بذلك العنصر البشري المباشر والمحرك الأول للثورة بمشاعره ودوافعه وإحباطاته وطموحاته وغضبه وقهره ومعاناته الطويلة من الطغيان والعسف والإذلال والفساد والابتزاز وانسداد الآفاق جميعاً.

هناك أيضاً اختزال للثورة إلى مجرد تعبير عن صراع حراكات الإسلام السياسي التي يعج بها العالم العربي اليوم إن كان ذلك الإسلام السياسي البترودولاري الإيراني أو الخليجي – السعودي أو الإسلام السياسي الجهادي التكفيري الجوال من بلد إلى آخر ومن مجتمع إلى مجتمع ثانٍ.

لذا يجب أن لا ننسى أبداً أن التوازن الهش والقلق بين الثورة وعدوها الرئيسي المتمثل في الطغمة الحاكمة في سوريا جاء نتيجة تضحيات هائلة حولت النظام العسكري – الأمني الذي كان يدّعي بأن معدنه من الفولاذ الذي لا يقهر أو يلين على يد أحد إلى لا أكثر  من أمير حرب صغير محاصر في المنطقة الخضراء من دمشق الصغرى ومضطر لاستجلاب المليشيات وجموع المرتزقة من الدول المجاورة ليبقي نفسه على قيد الحياة، هذا على الرغم من تسليحه العالي التقليدي والكيماوي وتفوقه العسكري بكل المقاييس المعروفة.

ولا ننسى أيضاً أن الثورة في سوريا، مهما كانت خلفياتها الاقتصادية والاجتماعية الأبعد، هي ثورة شعب شبع قهراً وظلماً وخضوعاً وتهميشاً فنقل نفسه بنفسه وبضربة واحدة من موقع الموضوع المستكين والهامد إلى موقع الذات التاريخية الفاعلة والفعالة والمقررة لمصيرها ولمستقبلها ولتحررها. فرواد الثورة الأوائل في درعا لم يصرخوا في وجه بشار الكيماوي عند الاجتماع به مبكراً “أفقرتونا اقتصادياً، فثرنا”  بل صرخوا فيه:

“أذللتونا وأهنتونا، فثرنا”.

كما أن لعبة الأمم الكبرى والأصغر من الكبرى نادراً ما تصنع الثورات  أو تكون صديقة لثورات الشعوب لأن مصالح لعبة الأمم إياها تبقى مع الحفاظ على الواقع الراهن مهما كان بائساً والدفاع عن الاستقرار القائم مهما أضحى لا يطاق.

ولاننسى كذلك أن الثورة في كل مكان تعني وجود تسلط سياسي واجتماعي يستدعي الانتفاض الشعبي لإزاحته ويتطلب الثورة عليه لكسر الانسداد التاريخي الذي يمثله هذا التسلط ولفتح أفق جديد لتطور المجتمع الثائر والمنتفض تخلّصه من حال الركود والتعفن المهيمنة عليه، ذلك بغض النظر عما إذا كان هذا التسلط من النوع المحلي أو الوطني أو البلدي أو الغريب. فلو أن الانتفاض الشعبي على هذا النوع من الظروف كان مجرد اقتتال بين السوريين لما كان من معنى أو لزوم لأية ثورات في المجتمعات الإنسانية عموماً. وبالتأكيد لم تكن الثورة الإسلامية في إيران ،على سبيل المثال، مجرد حالة اقتتال عبثي بين الإيرانيين لا أكثر.

ولا ننسى أخيراً أن مناخ إسلام التوتر العالي الذي تعيشه الثورة في سوريا اليوم وصراع فصائل الإسلام السياسي على أرضها تبقى حالة طارئة غير مرشحة لأن تدوم طويلا، كأي حالة توتر عال وتأزم شديد وتطرف كبير في أي مجتمع من المجتمعات. كما أن “تكفير” النظام العسكري الأمني للمجتمع السوري الثائر ومعاقبته بجميع الوسائل والأسلحة الممكنة وغير الممكنة على “كُفره” بحكم إلى الأبد وعائلته ونظامه القمعي القهري لن تودي بسوريا الجديدة بالضرورة إلى الوقوع في قبضة أي فصيل من فصائل الإسلام السياسي المعروف.

 

عزمي بشارة: “نحن” و”هم” ومأزق الثقافة الديمقراطية في عصر الثورة

 
Thursday, December 05, 2013, 10:23:26 AM |

عن الأجندات البحثية

لأسبابٍ مختلفة سياسيّة جيوستراتيجيّة، وثقافيّة، دينيّة وغير دينيّة، ازدهرت في العقود الثلاثة الأخيرة الأبحاث حول الموضوعات المتعلّقة بالإسلام والديمقراطيّة، وتخصّصت فيها مراكزُ كاملة. وغالباًً ما أُجريت الأبحاث وأُقرّ تمويلُها بناءً على أجنداتِ مؤسّساتٍ أكاديميّةٍ غربيّةٍ ومراكزَ بحثيّة ذات علاقة بالمؤسّسة السياسيّة في الغرب من جهة، والمؤسّسات الإعلاميّة من جهةٍ أخرى. وقلّما بُحِث الموضوع بناءً على جدول أعمالِ التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي نفسِه. أمّا في السياق العربي، فقد اتّخذ البحث مساريْن لا ثالثَ لهما، يفترض أن يقود أوّلهما إلى تفسيرٍ “للاستثنائية العربية” في سياق موجة التحوّل الديمقراطي العالمية بتحميل المسؤولية للإسلام، ويفترض أن يقود الثاني إلى تبرئة الإسلام من هذه التهمة، بتفسيراتٍ نظرية حول توافق الإسلام والديمقراطية. والموضوع برمّته وهميٌ مثل موضوع المسيحية والديمقراطية، والبوذيّة والديمقراطية. واوُ العطف هنا توهم بوجود علاقة. وهذه لا يمكن تفسيرُها بالعلم. ولهذا فغالباًً ما تتحوّل واو العطف في مثل هذه الحالات إلى “واو العاطفة”.

وبالمجمل كان علينا أن نشرح ونبرّرَ لماذا لا يحصل تحوّلٌ ديمقراطي في العالم العربي. وهذه من الحالات النادرة التي لا يُكتفى فيها بتحميل العلوم الاجتماعية مسؤولية تفسيرِ ظاهرة، بل يُطلب منها أيضاًً أن تفسّر غياب ظاهرة، وهو ما قد يُفقد البحث بوصلتَه العلمية، فينزلق إلى الشطح الفكري والتأويل، أي يحوّله إلى علمٍ في الغيب والغائب، من مثل أن نشرح لماذا لم تنشأ الديمقراطية أو الرأسمالية في بلادنا، مع أنّ العلوم الاجتماعية لا تكاد توفّر لنا الأدوات لنشرح لماذا نشأت في أوروبا، فما بالك بشرح سبب عدم نشوئها في أماكنَ أخرىّ!

وبالمجمل، اتّخذ البحثُ مساراًً آن الأوان لمراجعته، هو مسار مقاربة الثّقافة السياسيّة كعائق رئيسٍ أمام التحوّل الديمقراطي، وهي الفرضيّة الأولى. ويُكتفى عادةً بفحصٍ جزئيٍّ لصحّتها، من نوع أنّ الإسلام هو الثّقافة السياسية أو المكوّن الرئيس فيها. وأقصى ما يصل إليه الفحص هنا ذلك التمييز بين ثقافاتٍ سياسيّة إسلاميّة بناءً على أنماط التديّن، وبناءً على التوزيع الطبقي والجغرافي من جهة، وأيديولوجيات الحركاتِ الإسلاميّة من جهةٍ أخرى، وغير ذلك، هذا إذا كان موضوعيّاًً ولم يخلط الثقافة بالصفات الثابتة شبه العرقيّة؛ والفرضيّة الثّانية أنّ الثقافة السياسيّة عاملٌ مصيريٌّ في التحوّل الديمقراطي؛ والثّالثة أنّ الدين يلعب دوراًً أكبر من الأيديولوجيات الأخرى في صنع الثّقافة السياسية. والرّابعة أنّ الأحزاب السياسيّة الإسلاميّة تيارات دينيّة قبل أن تكونَ أحزاباًً سياسيّةً أيديولوجيّةً مثل بقيّة الأحزاب الأيديولوجيّة، سواء كان ذلك على مستوى تمسّكها بالفكرة أو تخلّيها عنها في الممارسة البراغماتيّة. يمكنُ بسهولة أن نبيّن عبر العمل الإحصائي المسحي والأدواتِ التحليليّة النظريّة السوسيولوجية المكتسبة باستقراء تجارب شعوبٍ أخرى، أنّ الفارق في الثّقافة السياسية الشعبيّة بين المتديّن وغير المتديّن في مجتمعاتنا فارقٌ ضئيل؛ ويصحّ ذلك بدرجةٍ أقلّ على مستوى النخب. كما يمكن أن نبيّن بأدواتٍ نظريّة أنّه إذا كان القصدُ بعبارة “فعل الدين في الثّقافة السياسيّة”، تأثيرَ الموروث التاريخي الديني، فإنّ تأثيرَه لا يقتصر على المتديّنين وإنّما أيضاًً يتجاوزهم إلى غير المتديّنين، فهو يؤثّر في ثقافة المجتمع ككلّ. وسبق أن كتبت في المسألة العربيّة أنّ الاستبداد في منطقتنا، سواء كان دينيّاًً أو علمانيّاًً يستند إلى الموروث الحضاري ذاته، ويستخدم الأدوات الحديثة نفسها في الحكم في الوقت ذاته، كما يمرّ بالتفاعلات ذاتِها مع الحضارات والمجتمعات الأخرى.

ولا شكّ في نفسي أنّ فهم الموروث الحضاري ضروريٌّ للمتديّنين والعلمانيين على حدٍّ سواء؛ لأنّه يؤثّر فيهم جميعاًً سلباًً وإيجاباًً. ولا أقصد بـ “سلباًً” التأثيرَ السلبي فحسب، وإنّما الانفعال وردّة الفعلِ السلبيّة. ولا أقصد أيضاًً بـ “إيجاباًً” التأثيرَ الإيجابي فحسب، وإنّما أيضاًً الانفعال المستقبِل الموجَب الذي يغيّر في التراث ويعيد تفسيرَه. فالتراث ليس تراثاًً إلا في الحاضر، أمّا في سياقه التاريخي فهو ليس تراثاًً بل حاضرٌ في زمانه. التراث تراثٌ في ضوء الحاضر، وفي  ضوء فهم المعاصرين فقط،  واستدعائهم له. وهذا الحضور والفهم معاًً يغيّرانه تغييراًً جذريّاًً عمّا كان عليه في الأصل؛ إذ يُقرأُ  ويُفهم في سياقٍ تاريخي مختلف عن سياقه، وبمصطلحاتٍ لم تكن قائمة؛ ويضفي عليه إسقاطاتٍ وتأويلاتٍ ورغباتٍ معاصرة. فهو إذاًً ذاتُه حين لا يكون تراثاً – وهو تراثٌ حين لا يكونُ ذاتَه.

وأخيراًً، وبناءً على تجربة الأعوام القليلة الماضية الدالّة بحكم انطلاق ديناميّات عملية التحوّل الاجتماعي الكبرى من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ جديدة، يمكن أن نبيّن أنّ ثقافة المجتمعات  السياسية لم تكن عنصراًً فاعلاًً في إعاقة التحوّل الديمقراطي، بقدر ما كانت عنصراًً منفعلاًً، لا سيّما حين فضّلت النخب المناهضة للتحوّل الديمقراطي، سواء كانت نخباًً على مستوى المنطقة أو على مستوى كلّ دولة على حدة، تعبئة الناس ضدّ الخصم لإفشاله على الحوار معه أو الاكتفاء بمعارضته سياسيّاًً. وهذا ينطبق على الأحزاب المتنافسة. ففي خضمّ الصراع في مرحلة التحوّل قامت أوساطٌ واسعة من النخب السياسية والإعلامية بتجهيل الناس بدلاًً من تنويرهم، وأقدمت على مخاطبة غرائزهم بدلا من عقولهم، ولم تتورّع عن استخدام الكذب البواح إذا لزم لتجنيد الناس ضدّ التحوّل الديمقراطي. فمَن يتحمّل المسؤولية في مثل هذه الحالة؟ ضعف ثقافة الجمهور الديمقراطية، أم ثقافة النخب المعادية للديمقراطية؟

الثقافة السياسية الهشّة للقواعد الشعبية قابلة للتعبئة ضدّ مبادئ الديمقراطية، وهذا طبيعي في مجتمعاتٍ لم تتمرّس بالعمل الديمقراطي، ولم تتشرّب قيمَه، أو تنشأ عليها. ولكن المسؤولية تقع على من لم يتورّع عن تعبئة المجتمعات ضدّ هذه المبادئ، واستخدام التجهيل ذخيرةً له ضدّ خصمِه، بدل تحمّل المسؤولية عن التحوّل الديمقراطي كعملية بناء، هي ذاتها مسؤولية وطنية.

لهذا نقول: تتّخذ الإشكاليات والقضايا هذه في أيّامنا بالذات بعداًً جديداًً. إذ لم يعد مطلوباًً التمييزُ بين الثّقافة السياسيّة للمتديّن وغير المتديّن، بغضّ النظر عن جدوى هذا التمييز وأهمّيتِه لغايات البحث العلمي ولوضع سياساتٍ تهدف إلى تجذير الثقافة الديمقراطية. وإنّما السؤال الذي يشغلنا الآن هو الثّقافة السياسية للتيارات والأحزاب السياسيّة القائمة سواء كانت دينيّة أو غير دينيّة، وفعل هذه الثقافة في قواعدها الجماهيرية. ومن الظلم (والظلم في العلوم هو الانتقائية في اختيار المعطيات لتلائم الفرضيات، والتلفيقية وغياب الموضوعيّة في المنهج، والتعميمات غير المنضبطة في الاستقراء) أن نقصرَ بحثَنا على الثّقافة السياسيّة للتيارات الإسلاميّة؛ وإنّما آن الأوانُ لمراجعة الثّقافة السياسيّة لليسار واليمين وللتياراتِ القوميّة أيضاًً، وكذلك ثقافة من يُسمَّون عن حقٍّ، أو زوراًً وبهتاناًً باللبراليين. فحتّى اللبرالي تاريخيّاًً لم يكن ديمقراطيّاًً بالضرورة في أوروبا القرن التاسع عشر؛ فما بالُك بالمتلبرل المستجدّ الذي يجهل، أو يتجاهل أن لا معنى لهذه الكنية إذا كان حاملها لا يدافع عن الحريات المدنية، والذي لا يعرف من اللبرالية وأصولِها ومبادئِها سوى التعصّب لنمط حياةٍ محدّد لا علاقةَ له بالحرية والتحرر، ولا يفقه منها سوى العداء للدين، وإن كان العداء ليس من مبادئها ولا من أصولها التاريخية أو النظرية؟

ثمّ علينا أن نبحث في العوائق الرئيسة أمام التحوّل الديمقراطي كما تبيّن، وكما كنّا نشخّصها قبل الثورات، وهي أوّلاًً، أجهزة الدولة البيروقراطية وفسادُها، وفي مقدمتها جهازُ الأمن؛ وثانياًً، تفاعلُها مع الريوع النفطية وغير النفطية الفاعلة سياسيا وثقافيا على مستوى الإقليم بصيغة تعاضدِ الدول والقوى الاجتماعية الرجعية المعادية للتحوّل الديمقراطي.

“نحن” و”هم”

أقول هذا وهمومُنا البحثيّة، أو باللغة التقنيّة أجندتُنا، متمحورةٌ حول التحوّلات الجارية في المنطقة العربيّة، وكيف يمكنُ أن تقودَ إلى تحوّلٍ ديمقراطيٍّ يضمن مشاركة المواطنين في العملية السياسية، ويضمن الحرياتِ المدنيةَ الأساسية في آنٍ معاًً، وحقوقَ المواطنة التي باتت تشمل الحقوقَ الاجتماعية والثقافية إضافةً إلى الحريات، أي تحوّل يشمل البعد اللبرالي والبعدَ الديمقراطي، كما يشمل الضماناتِ الاجتماعيةَ اللازمة على مستوى السياسات الاجتماعية والتنمية البشرية.

وكنت قد عبّرت في عدّة مناسباتٍ عن رأيي في أنّ انقسام المجتمعاتِ العربيّة بين علمانيّين ومتديّنين، أو قوى سياسيّة علمانيّة وقوى سياسيّة دينيّة (وهو الأدقّ لأنّ الناس ليسوا إمّا علمانيين أو متديّنين) لا يقود إلى تعدديّة سياسيّة بل إلى شرخٍ مجتمعيٍ يمنع التعدديّة. والانقسام العمودي المجتمعي الذي يمنع التعدديّة السياسيّة هو الانقسام إلى هُويّات، أو ما أسميته في مناسبة أخرى، “نحن” و”هم”.

والتعدديّة السياسيّة، أيّها الأخوات والإخوة، هي تعدديّة داخل “نحن”، وليس بين “نحن” و”هم”. وبغضّ النظر عن عوامل التماسك الاجتماعي فـ “نحن” بالنسبة إلى النظام الديمقراطي هي مجموع المواطنين. وتتعدّد القوى السياسيّة المتنافسة على نيل ثقتهم لأنّ لها وجهاتِ نظرٍ مختلفة حول مصالح هذه الـ “نحن”، وليس على قسمتهم بين “نحن” و”هم”. “نحن” المواطنون أبناءُ الوطن وبناتُه نتقبّل في داخلنا التعددية بسبب وجود عاملٍ مشترك هو الثقة الناجمة عن الانتماء إلى وحدة مصالح مواطنية بالحدّ الأدنى. “نحن” المصريّة ثارت ضدّ الاستبداد، وتقبّلت في داخلها التعدديّة في ثورة 25 يناير في الوقت ذاتِه. وكان الاستبداد “هم”. وكان الموقف منه يضعف كلّما ثارت شجون تقارب الرئيس كأب وكأخ في إطار “نحن” هلامية أهلية بطريركية، تقوم على ديماغوية وطنية، وتنعدم فيها التعددية وتسود فيها وحدة مصير موهومة بين الديكتاتورية والرعيّة. ونحن نشهد محاولةً لإعادة إنتاجها في مقابل “هم” المتمثّلة هذه المرّة ليس بالاستبداد، ولا بعدوٍّ خارجيٍّ، بل بقطاعٍ اجتماعيٍّ شعبي واسع، بدأ بالإخوان المسلمين وقواعدهم الاجتماعية، واتسع وصار يتألّف من كل من يعارض ديماغوغيا تحويل عبادة الجيش إلى دين جديد.

“نحن” في مقابل “هم” تعني إطاراًً مرجعيّاًً قيميّاًً يقبل  التعدديّة في داخله فقط، ويعتبر الآخر غير شرعي إلا في إطار “هم” خارج الـ “نحن”، هذا في حالة وجود تسامح. وقد يكون الآخر عدوّاًً متجسّداًً في كيانٍ سياسي هو دولة عدوّ، أو يكتسب شرعيّتَه فقط إذا تحوّل إلى كيانٍ سياسي مستقلّ بعلاقات غير عدوانية. فـ “هم” هذه تكتسب شرعية ككيان خارج الدولة، أو في مجالها المحدّد داخلَها، إذا نشأت في الدولة أطرٌ توافقية. أمّا إذا تولّدت “هم” في إطار التنافس السياسي داخل كيانٍ سياسي مشترك، فإنّ الصراعَ والاستقطاب يحكمان العلاقة بين “نحن” و”هم”.

في هذه الحالة تستورد جدلية العدوّ والصديق إلى داخل الكيان السياسي. ومن هنا، وفي إطار مسعى الـ “نحن” لإنتاج الآخر كـ “هم”، يجري ربط الآخر بقوّى ودولٍ خارجية ومؤامرات. لأنّ تسهيل تخيل تهديد حقيقي من عدوّ حقيقي يتطلب أن يصاغَ كدولٍ وكيانات سياسية أخرى، ولا بدّ من ربط الخصم السياسي بها لتحويله إلى “هم” فعلاًً.

وفي حالة العداء لا يعني التواصل بين “نحن” و”هم” إلا التحريضَ ونشرَ الشائعات والآراء المسبقة والتنميطاتِ العصابية بدلاًً من النقاش والحوار. ولأنّ المعايير الأخلاقيّة تصحّ داخل “نحن”، ولا تصحّ بالنسبة إلى الآخر، فإنّ الكذب يصبح مبرّراًً، وكذلك تبادل القبل وضمر الشرّ في الوقت ذاتِه. وخلافاًً لما يُروَّج في الثّقافة الإعلاميّة، فإنّ ازدواجيّة المعايير هنا لا تُعدُّ رذيلةً بل سياسة بالمعنى السلبي لكلمة سياسة كما أورثه كارل شميت للسياسة المعاصرة كجدلية العدوّ والصديق.

السياسة هنا تعني نقلَ جدلية العدوّ والصديق إلى السياسة الداخلية لتحلّ محلّ التعددية السياسية، وحتّى محلّ التعددية الأهلية للمجتمعات التقليدية. فما يصحّ لـ “نحن” لا يصحّ لـ “هم”. ولا يصحّ تعميم حتّى الحقّ في الحياة وإدانة القتل. فإذا قُتل متظاهر “منّا”، يلامُ الأمنُ والجيش والإعلامُ وحتّى المؤامرة الكونيّة، وإذا قُتل واحدٌ منهم يقع اللوم عليه بأشكالٍ مختلفةٍ منها وجودُه في ذلك المكان، ومنها مظهرُه وشكلُه الذي يوحي بأنّه مختلف، ويبدأ تدريجُ المختلف بفكرة أنّه “لا يشبهني” ليصل إلى درجة أنّه يبدو فوضويّاًً أو إرهابيّاًً؛ ومنها المؤامرة الكونيّةُ أيضاًً. نساؤُنا يمارسن حريّة المرأة على جسدها، أمّا نساؤهم فيمارسن جهادَ النكاح. أو العكس، نساؤُنا يمارسن الجهاد أمّا نساؤهم فمنْحلّاتٌ أخلاقيّاًً واجتماعيّاًً. وإذا التقى أحد”نا” مع سفيرٍ أجنبي فهذه ضرورات وبراغماتية سياسية، وفي بعض الحالات إنجازٌ وطني؛ وإذا التقاه أحد”هم” فهو خائن بغضّ النظر عن سياق اللقاء وأهدافِه. وإذا تراجَع أحد”نا” عند أوّل تهديدٍ وسلّم سلاحَه للأميركان فإنّه براغماتيٌّ حاذق فوّت الفرص على المعتدين، ويُصطنع حتّى انتصارٌ سياسيٌ وهميٌّ وكاذبٌ؛ أمّا إذا وقّع أحد”هم” اتّفاقَ وقفِ إطلاق النار بعد مقاومةٍ باسلة فهو مفرّط في الحقوق، بغضّ النظر عن الظروف.

تؤسس علاقة “نحن” و”هم” لمعاييرَ مختلفة، وتتّسق مع إنتاج جماعةٍ عصبوية، وهي تعيق التعدديّة السياسيّة في الإطار ذاتِه. ويمكن فهمُ ذلك في حالة “نحن” في مقابل الاستبداد، وهذه حالة الثورة الشعبية كما في الصراع على الحياة والموت إبّان الثورة، ويمكن فهم “نحن” و”هم” في حالة الحرب التي تَجري التهيئةُ لها بالتعبئة والتجييش وكتم التعدّدية الداخلية. أمّا انقسامُ المواطنين خلال عملية التحوّل الديمقراطي إلى “نحن” و”هم”، وتحريض القوى السياسية، وتعبئةُ الإعلام على ذلك، فتنذر بخطرٍ محدق بالديمقراطية ذاتِها.

يصحُّ هذا على كلّ خلافٍ سياسيٍّ أو أيديولوجيٍّ يتحوّل إلى هويّة تشكّل مرجعيّةً سياسيّة مثل الطوائف والجماعات الثقافيّة إذا سُيِّست، أو حمِّلت تاريخاًً منفصلاًً وسرديّةً تاريخيّةً خاصّةً بها، وإذا جُعِلت نمطَ حياةٍ ذا بعدٍ سياسي. وليس المقصود بذلك أبداًً أنّ التعدديّة الثقافيّة لا تصحّ، وأنّ تعدديّة أنماطِ الحياة لا تستقيم مع المجتمعات الديمقراطية، وإنّما أقصد تلك التي تحوّل إلى مرجعيّةٍ ثقافيّة سياسيّة لتشكلَّ هويّةً سياسيّةً شمولية ونمطَ حياة في آنٍ معاًً بهدفٍ سياسي هو تعبئتُها ضدّ المنافس الذي أصبح من الآن فصاعداًً، الخصمَ والعدوّ.

يفرض الانقسام الديني العلماني على المجتمع هويّاتٍ غير قائمة. إنّه يصنع هويّاتٍ لتبرير تحويل التنافس إلى عداء. وتتوفّر في هذا الانقسام عناصرُ الشرخ الاجتماعي لأنّه يحوّل الصراع إلى صراع على نمط الحياة، ويسْهُل اصطناع علاماتٍ له في المظهر الخارجي والسلوكي. هذا ما دفعني إلى التأكيد على أنّ الانقسام العلماني الديني لا يمكن أن يكون في مجتمعاتِنا انقساماًً سياسيّاًً تنافسيّاًً، بل لا بدَّ أن يتحوّل إلى مواجهةٍ يحاولُ كلّ طرفٍ فيها أن يسودَ الآخر، أو أن يُخضعه لهيمنته الثقافية والسياسيّة، هذا مع أنّ “الطرفين” المزعوميْن علمانيّان من حيث أهدافهما السياسية الدنيوية، وكلاهما متديّن من حيث ثقافة قواعدِه الشعبية. ولا أدلّ على ذلك من سخرية الواقع نفسِه من السياسيين. وهو الذي دعا قيادة الانقلاب العسكري (الذي يُصوَّر وكأنه علماني ضدّ إسلاميين) للاستعانة بفتاوى دينية في تبرير قتل المتظاهرين بوصفهم خوارج، أو بوصفهم خارجين عن الملّة. هنا ثورة مضادة مبرَّرة شعبيّاًً بالعداء للأخونة تستخدم قيادتها العسكري فتاوى دينية تبرّر القتل شرعاًً. أي أنّ الدين استُغِل أسوأَ استغلال يمكن تخيّلُه. لقد استُخدم في السياسة ضدّ الخصوم، ولتبرير القتل بالذات، وبحججٍ دينية.

 

التيارات الأيديولوجية والديمقراطية

تذكرون الحوارات الطويلة التي جرت طوال العقد الأخير من القرن العشرين بين أطراف المجتمع السياسي العربي الداعية إلى الديمقراطيّة والمحذّرة منها، لأنّها قد تأتي بالإسلاميّين. لم تجْرِ هذه الحوارات سرّاًً، وإن كان المحذّرون من خارج منظّري أنظمة الاستبداد القائمة يساجلون  بخجل بصيغة أسئلةٍ وتساؤلاتٍ من نوع: وما الضمان لعدم قدوم الإسلاميين إلى الحكم في حالة اختيار الحكّام في انتخابات؟ وما الضمان أنّهم إذا حكموا سيسمحون بانتخاباتٍ أخرى؟ أليست الديمقراطيّة بالنّسبة إليهم سلّماًً يصعدون به إلى الحكم ثمَّ يسحبونه إليهم؟ أليس الحكم الديني الشمولي أكثر خطراًً من الدكتاتوريات العسكرية؟ لقد سال الحبر مُهراقاًً على هذه النقاشات والمناظرات. وغالباًً ما جرى الاستشهاد بتجربة الجزائر إلى درجة أنّها تستحقّ تسمية “متلازمة الجزائر”، والتي لم تقد إلى حكم الإسلاميين بل إلى حربٍ أهليّةٍ ناجمةٍ عن الانقلاب على العمليّة الانتخابيّة، هذا إذا تناولنا الوقائع وحدَها من دون النوايا. فنحن لم نعرف الكثير عن نوايا الإسلاميين هناك لو حَكموا قبل أن يتعرّضوا للقمع والتنكيل. وأخشى أنّه في ما يتعلّق بالموقف من الديمقراطية أصبح للإسلاميين سرديّة، وهي تتضمّن متلازمتين، متلازمة الجزائر؛ ومتلازمة مصر الأبعد أثراًً. ففي الأخيرة فاز الإخوان المسلمون في الانتخابات، وحكم مِن بينهم رئيسٌ مدّةَ عامٍ كامل. وربّما حكم اسماًً دون أن يحكم فعلاًً، فجهازُ الدولة لم يتعاون مع الرئيس المنتخَب في الواقع. هنا خاضوا مؤخّراًً انتخاباتٍ ديمقراطيّةً نزيهة، وفازوا بالانتخابات في جولاتٍ متعدّدة. وفي النّهاية، وفي السطر الأخير لم يحترم جهازُ الدّولة القائم، أو ما يسمّى هناك الدّولة العميقة، هذه النتائج، ولم يتعاون مع الحكم المنتخَب، وحين توفّرت القاعدة الشعبية المتضرّرة من مشكلات مرحلةِ التحوّل الصعبة وعدمِ استقرارِها انقلب عليه. وتحالفت معه في ذلك قوًى سياسيةٌ كانت قد خسرت الانتخابات.

وكانت النتيجة إجهاض عمليّة التحوّل الديمقراطي في مصر، بما في ذلك من إسقاطاتٍ على المنطقة كلِّها، والانحراف بمسار التحوّل الديمقراطي إلى وجهاتٍ أخرى مازالت مجهولةً، لأنّ الديناميكيّة الاجتماعيّة الناجمة عن الانقلاب العسكري من فعلٍ وردود فعل ما زالت غيرَ واضحةِ المعالم بصورةٍ كاملة حتّى الآن. وأسوأ هذه الاحتمالات دوامُ الحكمِ العسكري، واستنتاج أوساطٍ غير منظّمة في قواعد التيار الإسلامي عانت من القبضة الأمنيّة فشل المشاركة في العملية الديمقراطية والانتقال إلى وسائلَ أخرى، ومحاولة قوى الثورة المضادّة في دولٍ أخرى تقليد التجربة المصرية.

ما الذي كان مطلوباًً من الحركات الإسلاميّة منذ أن انطلقت عمليّةُ الإصلاح السياسي في بعض بلدان الوطن العربي، وظلّت تتعثّر دون أن تُفلت الديكتاتوريات زمامَ المبادرة منذ منتصف الثمانينيات وحتّى عام 2011؟

كان مطلوباًً منها أن تقبل بالهامش الذي أتاحه الإصلاح، وأن تندمج في العمليّة السياسيّة، وأن تقبل بالعمليّة الديمقراطيّة وسيلةً للوصول إلى الحكم. لم يُطلب منها التّخلي عن موروثها الفكري والثقافي، ولا طُلب منها التخلّي عن أيديولوجيتها، وذلك لأنّ كلّ عاقلٍ يفترض أنّ الاندماج في العمليّة السياسيّة، واتّباعَ قنوات التعاون والحوار، والتنافسَ مع تياراتٍ سياسيّة أخرى في أطرٍ أوسع، لا بدَّ أن تؤثّر في النهاية في الأيديولوجية نفسِها. وهذه هي أبجديات ما يدعى بالتغذية الراجعة. فالفكرُ والأيديولوجية لا يتغيّران بقرارٍ بل بالتدريج وفي البراكسيس الاجتماعي والسياسي الملموس ذاتِه. وكما أنّ الأهداف والظروف تقود إلى اختيار الوسائل، فإنّ الوسائل تؤثّر في مستخدميها أكثرَ ممّا يعتقد هؤلاء المستخدمون.

ويؤدّي هذا في نهاية الأمر إلى إجراء مراجعاتٍ أيديولوجية غالباًً ما تؤدّي إلى انشقاقاتٍ وتغيّراتٍ في بنية الحركات السياسيّة ذاتِها. وهو ما جرى في الحركة الاشتراكيّة الأوروبية في نهاية القرن التاسع عشر وبدايةِ القرن العشرين، إذ كانت أكثرَ بعداًً عن الديمقراطيّة البرلمانيّة بوصفها في نظرِها شكلَ ممارسة دكتاتورية الرأسمالية، من بُعد الحركات الإسلاميّة عنها في أيّامنا. ولكن اندراجها في إطار العمل السياسي العلني النقابي والبرلماني، وإتاحة اليمين الفرصة لها للمساهمة في إدارة الدولة، وحتّى في قضايا الحرب والسلام، أدّيا إلى تغيّر أيديولوجيّة التيار الرئيس في الحركة الاشتراكية ليصبح اشتراكيّاًً ديمقراطيّاًً فعلاًً، وإلى انفصال الحركة الشيوعية المؤمنة بدكتاتوريّة البروليتاريا التي انتهت إلى دكتاتوريّة من دون بروليتاريا. ولكن حتّى الأحزاب الشيوعيّة في الغرب استنتجت ضرورةَ مراجعة نهجِها بعد انفضاح حجم كارثةِ الستالينية، ونشأت كما تعلمون الشيوعيّة الأوروبية في ستينيّات القرن الماضي وسبعينياتِه، في خلافٍ عميق مع الكتلة السوفييتية، وذلك بقيادة الحزب الشيوعي الإيطالي. كانت تلك صيرورة جرت من خلال المشاركة في العملية الديمقراطيّة ذاتِها. وانطلقت المراجعة الفكرية من خلال الحوار مع الواقع، والاضطرار إلى ملاءمة  اللغة السياسيّة معه، وعقلنتها نتيجةً لنشوء ما يسمّيه هبرماس بفضاء الممارسة التواصليّة. فثمّة فرقٌ شاسع بين خطابٍ تعبوي موجَّه للمؤيّدين في نادٍ حزبي مغلق، أو في العمل السرّي، وبين التوجّه إلى الجمهور العامّ في وسائل الإعلام بحججٍ يفترض أن تكون مقنعة للآخرين، وبلغةٍ سياسية وبرامجَ تثبت أنّ صاحبها قادرٌ على إدارة الدولة بتعقيدات هذه الإدارة؛ ومشكلة الحركات الأيديولوجيّة العربيّة في هذا السياق أنّها حين تخاطب جمهورَها تنسى أحياناًً أنّ وسائل الإعلام موجودة، وأنّها تخاطب جمهوراًً أوسعَ بكثير نتيجةً لوجود الكاميرا، وأنّها بذلك تهدم الثقة وتخرّب عملَ سنواتٍ من تغيير الصورة والخطاب. ومشكلتُها الثانية أنّها أقدرُ على صوْغِ شعاراتٍ تعبوية في معارضة الخصوم، من طرحِ حلولٍ للمشكلات التي تعاني منها الدولةُ والمجتمع. فالإسلام هو الحلّ، والاشتراكية هي الحلّ، والقومية هي الحلّ، وحتّى الديمقراطية هي الحلّ… جميعها، على الرغم من الفوارق فيما بينها، شعاراتٌ أيديولوجية فضفاضة تتميّز عن بعضها، ولكنّها لم تعد تعني الكثير إذا لم تكن نهجاًً متميّزاًً عن غيره، وامتحانه قدرته على وضع حلولٍ عينية.

وتبقى القضيّة الأهمّ في هذا السياق أنّ الحركات الأيديولوجيّة العربيّة، بيسارها ويمينها، وقوميّيها وإسلاميّيها، لم تمارس تواصلاًً في الفضاء العمومي، أي عبر الممارسة السياسية للخطاب، لأنّ الاستبداد لم يتح لها الفرصة لذلك. وظلّت مراجعاتُها نظريّةً، أثبت الواقع أنّها سطحية وهشّة. فمن السهل أن تكون معارضاًً وأن تطالب بالديمقراطيّة، ومن السهل أن تكون معارضاًً محكوماًً من نظام ديكتاتوريٍّ، وأن تتنصّل من تاريخ الدكتاتوريات التي كنت تدعمها. ينطبق هذا على ذلك الجزء من اليسار الذي لم يكن ديمقراطيّاًً، ووقف ضدَّ الديمقراطية في دولٍ عديدة، وغيّر رأيه بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، أو خلال هذا الانهيار، أي أنّه تغيّر بعواملَ خارجيّة، وليس بفعلِ قناعاتٍ عميقة ناجمةٍ عن الممارسة. وينطبق ذلك بدرجةٍ أكبرَ على القوميّين الذين حسبنا أنّهم قاموا بمراجعةٍ لمراحل وجودِهم في الحكم، فإذا بهم وفي خضمّ نشوء التحالفات مع جهاز الدولة القديم للتخلّص من خصومهم يقدّسون أسوأ مظاهر مرحلة حكم التيّار القومي، ألا وهو الطابعُ الأمني العسكري المستهتر بحقوق الإنسان، والشعاراتُ الجوفاء، ويهملون الجانب الإيجابي في تلك الفترة، وهو البعدُ المتعلّق بمشروع بناء الأمّة، والحقوقُ الاجتماعيّة، واحترامُ الفئات الشعبيّة، حتّى في مرحلة الصراع مع الحركات الإسلاميّة في حينه، والتي اضطُهدت ولوحقت وزُجّ بأعضائها في غياهب السجون.

ليس في الأحزاب الأيديولوجيّة العربيّة من يمكنه الادّعاء أنّه أكثرُ ديمقراطيّةً أو ليبراليةً من الآخر. وحين لم يتمكّن من الحكم وحدَه، كان كلٌّ منها مستعدّاًً للتحالف مع جهاز الدّولة القديم، وحتّى مع فلول النظام القديم لإلحاق الهزيمة بالطرف الآخر بعد الثورة. ومن هنا، فإنّنا نرى أنّه في ظلِّ غياب الثقة بالثّقافة السياسيّة للنخب الحزبيّة لا بدَّ من عوامل إلزامٍ أولها الالتزامُ باحترام مبادئ الديمقراطيّة المقَرَّة دستوريّاًً بغضّ النظر عن أيديولوجيّة الحزب الحاكم؛ والثاني تفضيل الشراكة في المراحل الانتقالية على الانفراد بالحكم لكي تراقب الأحزاب السياسيّة بعضها وتوازن بعضها، خلال عمليّة إدارة مرحلة الانتقال وإدارة الدّولة إلى أن تفرض المبادئ الديمقراطية نفسها كإجماع يسمح بالانقسام بين حكمٍ ومعارضة من دون التخلّي عن هذه المبادئ في سبيل تحقيق مكاسبَ في الخصومة.

يبرز سببان رئيسان إذاًً لضرورة التحالف في المرحلة الانتقاليّة؛ أوّلهما منع حصول شرخٍ يؤدّي إلى انقسامِ المجتمع على مستوى الهويّة، وبالتّالي إلى احترابٍ تبرّر فيه الغاية الوسيلة بدل التنافس بوسائلَ مشروعة منضبطة ومجمَع عليها سلفاًً. وثانيهما، غياب الثقة بالثّقافة الديمقراطيّة لكلّ حزبٍ من الأحزاب؛ وأكرّر: غياب الثقة ليس فقط بالثّقافة السياسيّة للأحزاب الإسلاميّة. فما شهدناه خلال مدة حكم الإسلاميين القصيرة جدّاًً في مصر أنّهم كانوا أقلّ استخداماًً لأدوات القمع ضدّ خصومهم السياسيين، ممّن حكموا قبلهم في المجلس العسكري، وممّن جاء بعدَهم في تحالف الانقلاب العسكري وخصومِهم السياسيين، إذ قامت أجهزة الأمن قبلَ فترتِهم القصيرة وبعدَها باستخدام أعنفِ الأدوات وأكثرِها دمويّةً ضدَّ من شاركوا في الاحتجاج السياسي، حتّى لو كان هذا الاحتجاج بالكلمة. كما شهدنا تبريرَ حركاتٍ سياسيّة علمانيّة استخدام العنف والقتل ضدّ المتظاهرين في حالات، وإدانتهما واستنكارهما في حالاتٍ أخرى.

وفي ظلّ غياب الثقافة السياسية الديمقراطية للنخب الحزبية، اعتبر كلُّ حزبٍ الثورةَ فرصةً للوصول إلى الحكم، وليس فرصةً لبناء الديمقراطية. وقاد هذا المنطلق إلى أسوأ الاحتمالات وهي اغتنام جهازِ الدولة الفرصة للانقضاض على السلطة.

ومع ذلك،

ثمّة كلامٌ خاصّ بالحركات الإسلاميّة ما زال ضروريّاًً. وهذا هو موضوعنا. وأذكِّر أنّ موضوعنا ليس الإسلام والديمقراطية. فهذا الأخير موضوعٌ وهميّ. موضوعُنا هو التياراتُ السياسية الإسلامية والديمقراطية. وهذا موضوعٌ حقيقي يمكن معالجته بالأدوات العلمية.

أمورٌ كثيرة يمكنُ أن تتغيّر عبر الزمن، وتضبطَها الدساتيرُ المكتوبة وغير المكتوبة. ولكنّ بعضها، إذا لم يأخذ من البداية منحًى صحيحاًً، فإنّ التطوّر ومرور الزمن قد يغيّرانه للأسوأ، لأنّ المسار كان قد انحرف عن الوجهة التي تقود إلى الهدف منذ لحظة الانطلاق. وهو يبتعد عنه كلّما تقدّم منه.

ومن ضمن هذه القضايا:

أوّلاًً، قضية الإطار المرجعي للأمّة والمواطنة؛ لا يمكن أن يتعامل حزبٌ سياسي بواقعيّة وبنجاح في العمل السياسي الديمقراطي، إذا لم يستوعب ويذوّت مرجعيّة العمل السياسي الديمقراطي أصلاًً. إنّ الإطار المرجعي للعمل السياسي الديمقراطي هو الدولة الوطنية التي تشكّل أمّةً غير الأمم الدينيّة والثقافيّة، وغير القومية؛ إنّها أمّةُ المواطنين. وهذا لا يُنقص من شأن الدين والقومية، ولا من دورِهما في تأسيس المشترك  الثقافي داخل الدولة ومع محيطها.

المواطنة هنا صفةٌ عامّة تنطبق على الرجل والمرأة، وعلى المتديّن وغير المتديّن، وعلى المسلم وغيرِ المسلم. قد يتعاملُ المسلم بصفته مسلماًً مع غير المسلمين بصفتهم غير مسلمين في المجال الديني، أو ربّما في مجال الأحوال الشخصيّة في قضايا حسّاسة مثل الزواج وغيرِه. أمّا الحركة السياسيّة الديمقراطيّة، فلا تقسّم المواطنين بين رجالٍ ونساء، ومؤمنين وغير مؤمنين، أو مسلمين وغير مسلمين، بل هي تتعامل مع المواطنين بصفتِهم هذه.

حين يتعامل مسلمٌ مع شخصٍ من غير دينه، فقد يتسامح مع عقيدته أو مع نمطِ حياتِه أو مع مذهبِه، إذا كان من الدين نفسِه ومن مذهبٍ مختلف. والتسامحُ هنا فضيلةٌ من الفضائل. أمّا الحركةُ السياسيّة الديمقراطيّة في إطار النظام الديمقراطي، فهي لا تتسامح مع غير المسلم بإقرارها بالمساواة له، وليس مسموحاًً لها أصلاًً أن تتسامح، إنّما هي مُلزمةٌ أن تعترف بحقوقه كمواطن، وهذا ليس فضلاًً منها ولا مِنّة، ولا معنى هنا للتسامح. وهذا أحدُ الفروق المهمّة بين حركةٍ ديمقراطيّة وغير ديمقراطيّة.

وحين يتوجّه رئيسُ دولةٍ بضمير المتكلّم الجمعي “نحن”، فلا يجوز أن يُفهم من كلامه “نحن المسلمون”، أو “نحن السنّة” أو الشيعة، حتّى لو كان متديّناًً وإسلامياًً له أيديولوجيته. وحينما يقول “نحن” بصفة رئيس دولة يجب أن يكون مفهوماًً أنّه يقصد “نحن المواطنون”. هذه الأمور يُفترض أن تكون من الأولويّات والبديهيات. وعلى أساس الاتّفاقِ عليها تجري النقاشاتُ الأخرى حول الحقوق الاجتماعيّة والسياسيّة، وحول نمطِ النظام الاقتصادي، وحول السياسةِ الخارجيّة، وغيرها من القضايا الكبرى التي يُفترض أنّها موضعُ خلافٍ بين الأحزاب في الديمقراطيات.

ومن ضمن هذه القضايا ثانياًً، تمييزُ الحدود بين الخاصّ والعامّ. ثمّة استغرابٌ محلّي ودولي باستحواذ المجال الخاصّ المتعلّق بحياة المواطن على تفكير حركة سياسية، وعلى تفكير قواعدها الاجتماعية. هذا العنصر على هامشيّته السياسية يصبح مركزيّاًً ومحرّكاًً لقطاعاتٍ واسعة من الناس إذا وضعته حركة سياسية في صلب اهتمامِها عند صوْغِ الدساتير، وفي خطابها الحزبي، بما في ذلك في إطار تعبئة القواعدِ ضدّ الآخرين، وكأنّ الحركة ما زالت تعيش في مرحلة الصراع ضدّ الاستعمار، وما زالت ترى في أنماط الحياة كشكلٍ من أشكال النفوذ الاستعماري. لقد استقلّت الأقطارُ العربية سياسيّاًً، ولم تستقلَّ اقتصاديّاًً، ولا من حيث إرادتها السيادية. ولكن ليس من خطرٍ محدقٍ بثقافتها العربية الإسلامية، إلا من الاستبداد. وإنّ الفرض والقسر والإملاء في مجالاتٍ سلوكية متعلقة بالمجال الخاصّ ونمط الحياة في إطار الحياة السياسية الديمقراطية قد تقود إلى ردّة فعلٍ متطرّفة ونتائجَ معاكسة. فليس هدفُ حركةٍ سياسية ديمقراطية تربيةَ الأبناء بدلاًً من أهلهم. ولا يُفترض أن تتدخّل في العلاقات الأسريّة، وفي مأكل الناس ومشربِهم وملبسِهم في مجالهم الخاصّ. وهو مجالٌ متوسّع باستمرار ويرتبط بالعلاقة الوثيقة بين حرية الاختيار والأخلاق والإيمان. وإذا قلنا مواطن، فقد أقررنا بوجود مجالٍ خاصّ للفرد، مرتبط بجسده ونفسه، وبحرية خياراتِه الأخلاقية طالما لم تتعارض مع حرية الآخرين وحقوقِهم.

وفي هذا السياق، لا بأسَ أن نُجريَ مراجعةً للثقافة والموروث الحضاري العربي الإسلامي في مسألة المواطنة والدّولة والأمة، وهل كان ثمّة دولة بمعنى المصطلح الذي نقصده في عصرنا في التاريخ الإسلامي الكلاسيكي؟ وما هي الدّولة الحديثة؟ كلّها أمورٌ أثّرت برأيي (وما زالت تؤثّر) في المسلمين وغير المسلمين، وفي المتديّنين وغير المتديّنين. إنّ مراجعتَها فرضُ عينٍ علمي بحثيّ؛ لأنّها تؤثّر في ثقافتنا السياسية عموماًً. ولكن حسم موضوع المواطنة والأمّة بالمعنى أعلاه في السلوك السياسي وفي الخطاب وفي البرنامج، سواء كان هذا الخطاب موجّهاًً نحو القواعد الشعبية الخاصّة بهذا التنظيم السياسي أو ذاك أو الجمهور بصورةٍ عامّة، لا ينتظر مثل هذه المراجعات. إنّها مهامّ مباشرة وتحدّياتٌ ملحّة لا بدَّ للقوى السياسية من حسمها قبل الانطلاق، لأنّه إذا حسمت هذه القضايا بصورةٍ خاطئة، يتّخذ التطوّر مساراًً خاطئاًً من أساسه. أمّا إذا حُسمت بصورةٍ صحيحة، فإنّ آفاقَ التطوّر تنفتح، ولا بدَّ أن تصل إلى الهدف، على الرغم من العوائق والعثرات، ووعورة الطريق، وعلى الرغم من التضحيات الجسام.

  • ·        الكلمة الافتتاحية لافتتاح المؤتمر السنوي الثاني للمركز العربي للابحاث ودراسة السياسات تحت عنوان “الاسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي” 
 

محمود الزيبق: تجربة الإسلام السياسي في الشرق الأوسط

 
Thursday, December 05, 2013, 10:08:59 AM |

مع أن المرحلة التي يكثر الباحثون في تحليلها كمرحلة جديدة في وجود “الإسلاميين ” في ساحات السياسة عقب عقود من الحجر والاضهاد والقمع هي مرحلة ما بعد الربيع العربي إلا أن فهم واقع التجربة الإسلامية السياسية الحالية لا بد له من الرجوع إلى ما قبل الربيع العربي إلى تاريخ ليس بالبعيد ويمكن أن نحدده بتاريخ غزو العراق عام 2003 يوم تشكلت لدى الرئيس الامريكي السابق جورج بوش وإدارته فكرة الشرق الأوسط الجديد.
أرادت الإدارة الأمريكية في تلك المرحلة أن تجد حلا لمشكلة المواجهة بين شعوب هذه المنطقة والغرب عقب أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر بآلية تقضي على “الإرهاب” الذي طرح بوش مصطلح الحرب عليه في تلك الفترة بطريقة طويلة الأمد على الأقل أمام انعدام احتمالات إلغاء المواجهة والتصادم بشكل جذري .
انتهت أبحاث الإدارة الامريكية إلى أن مشروع الإسلام السياسي المعتدل المستلهم من تجربة حزب العدالة والتنمية التركي قد يكون الحل الأفضل لمواجهة “الإسلام المتطرف” حيث تجمع تلك التجربة بين العلاقة الطيبة مع الغرب ومشاريع التنمية الاقتصادية البديلة عن الفساد والتي ستحدث طفرة نوعية في علاقة الحكومات ومواطنيها في المنطقة لا سيما حين تكون بواجهة إسلامية تميل إلى عاطفة الشعوب الغالبة .
والحديث عن هذا التصور الأمريكي لحل المواجهة بين المنطقة والغرب ليس مجرد افتراض أو تحليل بل هو واقع تثبته خطوات الإدارة الامريكية في تلك المرحلة وأولها ما وقع في عراق ما بعد الاحتلال حيث أن إدارة بوش لم تغض النظر عن وصول الإسلاميين من السنة والشيعة إلى الحكم عقب الانتخابات فحسب بل وضعت ثقلها لدعم الاتجاه الإسلامي في الحكم هناك عقب الانتخابات الفعلية الاولى في 2005 حيث سلمت رئاسة الحكومة لإبراهيم الجعفري وهو من حزب ديني شيعي كما سلمت رئاسة البرلمان لمحمود المشهداني وهو شخصية إسلامية سنية وكان للحزب الإسلامي العراق ” الإخوان المسلمون ” حظ جيد في البرلمان كما ثبت أن قيادة الاحتلال العسكري عرضت منصب رئاسة العراق على عدد من الشخصيات الإسلامية السنية قبل أن يصبح منصب الرئاسة للأكراد عقب اعتزال الغالبية العظمى من السنة لتلك الانتخابات ،
لعل جورج بوش كان مقتنعا أن تلك الوجوه الإسلامية من الطرفين ستساهم في تهدئة الشارع العراقي نوعا ما .
الخطوة الثانية في اتجاه الإدارة الأمريكية نحو تجربة الإسلام السياسي كانت في انتخابات الداخل الفلسطيني عام 2006 يوم كانت استطلاعات الرأي تظهر أن حماس ستفوز بالانتخابات وأصرت الولايات المتحدة على أن تجري الانتخابات بنزاهة لتفوز حماس . يمكن القول أن إدارة بوش كانت مقتنعة بأن إدخال حماس في لعبة السياسة قد يفرض عليها قواعد هذه اللعبة أو يأخذها إلى تسوية سياسية إضافة إلى أنها خطوة أخرى في تجربة مشاريع الإسلام السياسي والتي يمكن مراقبتها واختبارها كتجربة صغيرة لما سيقدمه الاخوان المسلمون سياسيا لا سيما أن اسقاط هذه التجربة ممكن في اي لحظة من خلال إسرائيل التي لم تكن راضية تماما عن الفكرة الأمريكية وكانت تخشى أن الخطوة ستقدم المزيد من الدعم لحماس .
كانت هذه الخطوة في فلسطين على صغرها مهمة لدراسة المنطقة أكثر لا سيما أن التجربة العراقية لا يمكن القياس عليها لخصوصية المشهد العراقي وتوزيعاته الطائفية . وخاصة إذا تذاكرنا أن ادارة بوش كانت تفكر جديا بتكرار مشروع احتلال العراق في سوريا وكانت الحجج لذلك جاهزة متمثلة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ودعم النظام السوري لمن تصفهم الولايات المتحدة بالمجموعات الإرهابية .
سياسيون مخضرمون كوليد جنبلاط اقتنعوا من الامريكيين تماما بأن غزو بوش لسوريا قادم لا محالة ولذلك قلبوا الطاولة على الأسد في تلك الفترة .
لكن مشروع الشرق الأوسط الجديد توقف فجأة في تلك المرحلة ولم يكمل بوش خطواته إلى سورية لعوامل عدة اقتصادية وسياسية لكن أبرز وأهم تلك العوامل هو نجاح المقاومة العراقية بصناعة ضربات موجعة للاحتلال الأمريكي أدت إلى تكلفة باهظة بشريا واقتصاديا من المهم أن نذكر أيضا أنها كانت أبرز عوامل انتقال الحكم من الجمهوريين إلى الديمقراطيين عقب حكم بوش وتوقف المشروع الذي كان مبنيا بالدرجة الأولى على الغزو العسكري .
مع بداية الربيع العربي عاد مشروع الشرق الأوسط الجديد والذي يقوم على ” الإسلام السياسي المعتدل ” إلى الواجهة من جديد بطريقة أخرى تحكم خطواتها الثورات والشعوب العربية هذه المرة وليس الغزو العسكري الأمريكي..
وهنا لا بد من تفصيل مهم أن عودة المشروع إلى الواجهة لا يعني أن الربيع العربي هو صناعة أمريكية كما يروج أعداء الثورات .. ولكن آلية المشاريع والدراسات التي توضع في الادارة الامريكية تتسم بالمرونة بحيث يمكن تطبيقها بسهولة على مستجدات الواقع التي طرحها الربيع العربي فجأة في المنطقة .
البعد الإسلامي بدا واضحا في الشوارع العربية الثائرة وإن لم يكن وحيدا وكان من المناسب أن تتيح الادارة الامريكية له الفرصة كما حصل في تونس ومصر . ومن المهم أن نشير أيضا أن هذا لا يعني ان ثم تحالفا ما بين القوى الإسلامية في هذه الدول وبين الولايات المتحدة وإنما انتخابات حقيقية نزيهة أتت بهؤلاء الذين لم تعترض الولايات المتحدة طريقهم استكمالا لدراستها لقدرة الإسلاميين بعد دخول معترك السياسة على تحويل المواجهة الغربية مع الإسلام إلى حوار أو تعاون على الطريقة التركية . بل إن المؤكد أن الولايات المتحدة شجعت الإسلاميين على تصدر المشهد السياسي فرأينا أن الإخوان الذين كانوا أعلنوا أنهم لن يقدموا مرشحا للرئاسة في مصر بادئ الأمر عدلوا عن قرارهم وقدموا محمد مرسي بعد حظر خيرت الشاطر بفعل عاملين أحدهما التشجيع والرضا الأمريكي والآخر هو الخوف من وصول إسلاميين آخرين إلى سدة الرئاسة كعبد المنعم أبو الفتوح المنشق عن الإخوان الأمر الذي قد يسحب من الإخوان جزءا من جمهورهم وشعبيتهم .
ولكن ماذا حصل بعد أن وصل الإسلاميون إلى سدة الحكم ؟ ومن هم المتضررون من تجربة الإسلام السياسي الغضة ؟
لا شك أن لأخطاء الأحزاب الإسلامية التي وصلت إلى واجهة السياسة دور مهم في حالة العداء التي يشهدها الاسلام السياسي لكن الخطر الاكبر عليه يكمن في خصومه .. فإضافة إلى من ينافسون الإسلاميين في بلدانهم على قيادة الدفة ومن يخشون من الإسلاميين في تلك الدول وإن كانوا خارج إطار المنافسة السياسية لهم ، هناك متضررين آخرين كثر من تحول المنطقة إلى الإسلام السياسي .
لقد غفل كثير من الباحثين العرب عن مشروع فلاديمير بوتين الذي طرحه بين يدي عودته للرئاسة بقوة في روسيا والمتمثل بالحديث عن ” أوراسيا “كتكتل سياسي جديد يواجه الهيمنة القطبية الامريكية.. بمعنى آخر استعادة المجد السوفيتي السابق وربما بتوسع أكبر بكيان سياسي جديد يحمل قوة الاتحاد السوفيتي ولا يحمل عقائده الشيوعية أو الاشتراكية .. من يحمل للرئاسة حلما بهذا الحجم سيضع نصب عينيه كما هو واضح ضمان ألا تتفرد الولايات المتحدة بوضع الرؤى وإدارة منطقة حساسة كالشرق الأوسط لا سيما إن كانت تلك الرؤى تمثل خطرا حقيقيا على روسيا الحالية وليس على مشروعها الضخم المستقبلي .
مهم جدا أن نعرف أن واحدا من كل خمسة روسيين يدين بالإسلام وإن نسبة الإسلام في جمهوريات روسية كداغستان وأنغوشيا والشيشان تزيد عن 90% وتزيد نسبة الإسلام عن 50% في أكثر من عشر جمهوريات روسية أخرى ما يعني أن توسع مشاريع الاسلام السياسي ونجاحها قد يشكل تهديدا حقيقيا على روسيا القيصرية بجمهورياتها . مهم جدا أن نذكر هنا أن المشروع الناجح الذي وضع نموذجا لانتشار الإسلام السياسي هو مشروع تركيا المجاورة لروسيا وفهم تاريخ الخلاف الروسي التركي وحساسيات العلاقة بين البلدين قد يساعدنا في فهم ما يمكن أن يكون مخاوف حقيقية لروسيا .
لذلك ليس غريبا أن تكون روسيا بهذه الصلابة تجاه ما يحدث في سوريا التي يبدو واضحا أن التغيير فيها هو حجر الارتكاز لتغيير كامل المنطقة المحيطة بها .
إيران أيضا من الدول المهتمة ألا تكون تركيا نموذجا للتغيير في العالم العربي بدافع من عاملين أولهما العامل الطائفي والآخر هو الندية التاريخية مع تركيا.

ومن أهم المتضررين من واقع الإسلام السياسي الجديد في المنطقة ، تلك الحكومات العربية المجاورة لدول الربيع العربي والتي تتحسس رأسها من ثورات مشابهة .. لا سيما أن معظمها يفيض بدواعي الثورة .. وقد تجد الشعوب في واقع الاسلام السياسي عنصر محببا إليها حتى في الدول التي لا تبدو الثورة فيها حاجة ملحة ظاهريا.
لذلك لا عجب أن تبذل تلك الدول ملياراتها وضغوطها السياسية وماكينتها الإعلامية في محاربة هذا الواقع الجديد وليست تلك الحرب إلا جزءا رخيصا من دفاع عن عروش مشابهة لتلك التي أسقطتها الثورات .
ليس غريبا هنا أيضا أن تكون النكتة السمجة التي وجهت للرئيس المصري محمد مرسي اتهاما وهي ” التخابر مع حماس ” عملا مدروسا وممنهجا لتكون بابا للطعن في إسلاميين آخرين في المنطقة ولخلق عنصر الكراهية بين حماس وجزء كبير ومهم من الشعب المصري هم خصوم مرسي . دعونا لا ننسى هنا أيضا أن أهم خسائر إسرائيل من تغير الحكم في مصر هو فك الحصار المضروب على قطاع غزة بشكل أو بآخر .

إن حالة الازدواج تلك بين الربيع العربي والإسلام السياسي الذي يلوح كمستقبل لبلدانه جعلت ربيع العرب نفسه ومستقبل حرياتهم وحقوقهم على المحك في حالة الخطر أمام موجة العداء العارمة للإسلام السياسي .
لعل هذا الواقع يستدعي تجديد طرح الحقوق والحريات لدى الشعوب العربية بقالب جماعي يغادر الحدود السياسية لكل بلد والتي أصبحت عبر العقود الماضية حدودا فكرية مسلمّة .. من حق الثورات أن تتسع بآفاقها وأحلامها لمواجهة ما يتهددها من مخاطر ولن تحمل الثورات معناها الثوري إلا حين تتجاوز مسألة الحدود الثقافية والفكرية المفروضة بسياسة الأمر الواقع .

 

أحمد عمر: سد الطغيان ونهر التاريخ

 
Thursday, December 05, 2013, 10:02:07 AM |

تعاريف الدكتاتور كثيرة، لعل احدها هو: الرجل الذي يكسر التاريخ، ويخنقه، ويعصر الجغرافيا، ويشوهها ويخلق بين مساحتها الجدر الوهمية والاجتماعية والسياسية واحيانا الحقيقة كما تفعل اسرائيل، فهي، اي اسرائيل، دولة دكتاتورية بين دول مستعبدة او متبّعة او خائفة.  يمكن ان يعرف التاريخ  تعريفا، في هذا السياق، كالتالي، هو الزمن المجرد مشخصا، او منقوشا او مكتوبا. الجغرافيا قياسا ، تصبح الوطن بعد ملئه بالناس  والمواطنين، واهل الديار. لايمكن خنق التاريخ او كسره الا بعد التحكم بالجغرافيا.

 في سوريا على سبيل المثال، تجهل الاجيال الجديدة ، تاريخها وتعتقد ان التاريخ بدأ منذ الحركة التصحيحية، حيث كانت الارض غمرا “وروح الله يرفرف على المياه” الاسد ليس باني سورية الحديثة وإنما خالقها ايضا. عداوة الطاغية مع التاريخ والذكريات اصيلة وهي “غريزة اساسية”. يبدأ كل دكتاتور بمحو وحذف التاريخ القديم، ولهذا اصبحت البطولة في كتب التلاميذ البعثيين والطلائعيين مطوبة لكائنين هلاميين هما باسم ورباب اللذان لا يفعلان شيئا سوى الوقوف على اشارة المرور وقول صباح الخير والهتاف!

الوطن جغرافيا وحسب، حسب الدعاوة البعثية، جبال وانهار تجف، وحدود يدافع عنها بقوة وتخافر بشدة، ليس حرصا على امنها وإنما سعيا وراء الجباية والخوة والاتاوة وتهم التخوين. لم يكن السوري يعرف قرى بلاده و اثارها و معادن أرضها واهلها الا بعد الثورة. عرفها بدماء اهلها.

 

الطرفة التي تروى عن الدكتاتور فرانكو بليغة في معنى التأزيل والسرمدة والثبات في المكان وفي الزمان، في معنى التخلّد والتأبّد وتجميد التاريخ. وتتمة الخبر أنه في سكرة الموت، جيء بالوزراء ففتح عينيه الكليلتين وسأل: ماذا يفعل هؤلاء ؟ فقيل له : جاؤوا يودعونك! فقال: و إلى أين هم ذاهبون؟!!.

المستبد تعريفا هو الذي يتصرف في شؤون شعبه بلا خوف، ويحاول ما وسعه، تجميد نهر التاريخ في المجتمع الذي تسلّط عليه وسرقه إلى ملكيته. ويسمى التجميد باسم اجتماعي هو الاستقرار. الاستبداد هو حكم على الشعب بالسجن في حدود الوطن الحظيرة مع الأشغال الشاقة، ولعل أسوأ الأشغال الشاقة هي هتاف وتصفيق الشعب  لجلاده!

المستبد يمنع السياسة في مجتمعه، والسياسة حركة من غير سلاح، والحركة حسب قوانين  نيوتين زمان ومكان و مسافة وسرعة وزمن وتسارع،  وتطور ونمو اقتصادي ومعاشي،  والثبات سكون ومرض وتشوه . يجمّد المستبد الحياة في مجتمعه إلى بركة ومستنقع، ففي البرك والمستنقعات يسهل صيد الأسماك التي تحب العذوبة، بتعكير البركة ( فرق تسد) أو حتى بالديناميت الصريح إن أمكن. يصفي مكانا و يعكر آخر حسب المشيئة والرغبة،   وإذا كان الأصل في الأشياء الإباحة ( في الإسلام) ففي كيان الاستبداد الأصل هو التحريم. التحريم هو أكبر ثروة اقتصادية لزبانية الزعيم وأجهزته، كل مسؤول،  هو غير مسؤول من شعبه، وهو مفت وحيد في مجال عمله .

 يركد المستبد حركة المجتمع  في كلورفورم القهر الحامض ، فيصبح هو مانح الحياة ومصدر الحركة، الاستبداد تحنيط لكل مرافق الحياة،  ينسى المستبد  أنّ الزمن يجري بهدوء،  فكما يهرم الشعب في ظله الآسن  من الخوف والتعب  والعجز  كذلك يهرم المستبد أيضا.   او يتراكم فعله ، أما الأطفال الذين يولدون فيجري خطفهم أو غسل أدمغتهم بالإعلام الديماغوجي التكراري التمجيدي التفخيمي ؛ في المدارس و فرق الكشافة وأشبال الثورة..   المستبد يفسد العلاقة الأسرية فالأبناء  ليسوا ذراري آبائهم سوى جينيا لكنهم أبناء المستبد فكريا وايديولوجيا ومن هنا جاء مصطلح “الأب الجمعي”، ولم يكن أتاتورك هو “أبو الشعب” الأخير، يتزوج المستبد من الخلود فينجب الشعب!

 الاتحاد السوفيتي كان بلدا مسورا ومحاصرا، ومختنقا في زجاجة الإيديولوجية الاشتراكية،  وكذلك كان العراق وكوبا وتونس. وقد أصبحت كوبا متحفا للسيارات القديمة، وقد يعتبر محبو الانتيكات هذه حسنة من مناقب الاستبداد، كما كانت القنبلة النووية العراقية الوليدة حسنة من حسنات الطاغية العراقي!  وقد لا تعدم لسم العقرب حسنة، وللأفعى مزية  فالسم  يمكن أن يستخدم دواء بشروط، لكن السم قاتل ومميت إلا بجرعات صغيرة جدا.

لا يستطيع المستبد أن يحكم بلا حصار وقيود ( أحكام عرفية وقوانين طوارئ) حتى يتحكم في البركة  إن بمنع العلم والمعرفة واحتكار المال، أو بالضرائب،  أو بالمراسيم السلطانية والفرمانات  فالحصار ” بيزنس”، وقد يكون نتيجة وعقوبة لأفعاله وسلوكه كما في حالة كاسترو. ندرج حصار غزة أيضا في هذه الترسيمة، إذا اعتبرنا إسرائيل هي الدولة المستبدة. المحللون يذهبون إلى أن المستبد الوطني غالبا أشدّ من المستبد الأجنبي الذي لا يعرف أسرار الحياة  الاجتماعية والدينية وشؤونها كما المستبد الوطني الذي يعرف من أين تؤكل الكتف.

المستبد يعمل جاهدا على تكبيل عقارب الزمن، الماضي منه و الحاضر،  أما المستقبل فيحضر في “سين التسويف والاستقبال” و وعود الخطابات لإشاعة الأمل في النفوس،  الطغيان يحرص على الوعود،  والتذكير بالخطط الموضوعة على المنضدة:  سوف نعمل لكم الأرض جنة،  فقط انتظروا قليلا… فاليأس قاتل، لكن الانتظار سجن آخر!!

 تحاول أدوات المستبد  الإعلامية  جاهدة قتل الماضي،  الطغيان يخاف من الذكريات،  فلا يبقى منه سوى أشباح بعيدة، أو مزق  منتوفة منتقاة. التاريخ عائم في أدبيات المستبد وإعلامه، ومرويات التاريخ ليست سوى أمجاد غائمة وأحجار أو قصص  لا تصلح سوى للغناء وليس للاقتداء. أما الحاضر فهو ذروة الانجاز وهو القمة و “المعجزة “، الخليفة العباسي  المنصور منع سيرة عمر بن الخطاب ، حتى لا تتم المقارنة بينهما. الطغاة يخافون من الذكريات كما يقول محمود درويش  لذلك يحاول  المستبد أن  يستأنس الماضي بعدة طرق،  بتأويل نصوصه،  أو بناء جسور  وأنفاق إليه،  بجعل نفسه حفيدا  للعظماء أو الخالدين أو الكرام (نبوخذ نصر، آل البيت..) أو الألقاب الفاخرة والصفات السنية. فالمستبد لا يستطيع سرقة الحاضر من شعبه إلا بسرقة الماضي أو تحييده أو ستره، أما المستقبل فيصبح مصادرا  أو بعيدا مثل سراب.

إنّ الماضي الشخصي و العائلي و  النضالي للمستبد  أيضا غائم، قلّما تذكر أدبيات إعلام المستبد  التاريخ الشخصي للزعيم،  بالرغم من إفراط الإعلام في التدبيج و التصفيق له . قلّ أن نرى أهله،  أمه وأبيه وسيرته، وان حضرت فهي مختصرة، و كاملة ومثالية و ضبابية، لا أصدقاء أو زملاء،   أصحابه ومعلموه غالبا هم قتلى أو في السجون ، الشهود على الماضي الشخصي شهود على جرائم و سوءات لذلك  يجب التخلص منهم، هكذا فعل ستالين وصدام حسين والحبيب بورقيبة…يحاول المستبد ما وسعه إعاقة الزمن وتخديره  في ” الدولة” أولاً  بمنع التداول، فالتداول يعني الزمن. و لا زمن في الكيان الطغياني سوى للهو والمباريات والطرب، وثانيا بحجب العلم والمعرفة أو بتحييدهما ومنعهما من التأثير وجعل المعرفة أسيرة جهاز الكومبيوتر أو الغرفة المغلقة، ومنعها من التفاعل والانتاش والإزهار.  يجري توحيل الزمن و تدبيقه بالحواجز و العوائق والعقبات، فالموافقات على  رخص  ووثائق لوازم الحياة  معقدة وتحتاج إلى تواقيع ورشا و”جهاد”.. في البلاد التي تحت الاحتلال أو البلاد التي ترزح تحت الاستبداد ، الحياة ماراتونية بطيئة و  لا يمكن التحرك إلا بوثائق معقدة وأختام وضرائب .شعار المستبد المتصوف في حبه ذاته:  الرعية إن لم تشغلها بالباطل شغلتك بالحق.

 إنها محاولة لجعل الناس في زمن متخلف عن زمن المستبد ،  في الكيان الطغياني زمنان :زمن “البطل” المستبد  الفردوسي وهو زمن سحري،  سريع ، حريري و عسيل حيث كل شيء ملبى ومطاع ودان. وزمن جهنمي حارق وبطئ هو زمن الشعب  الكومبارس.

“الوطن” المستبد به منفى قاسٍ وبارد أو حارق، حتى وإن كان مسقط الرأس، ومرابع الطفولة، لكنه مكان عدائي.  بل إنّ المنافي تعامل اللاجئين بأكرم مما تعامل به السلطات الاستبدادية رعاياها،  والزمان منفى أيضا، حيث تهاجر الرعية إلى الأوهام والأحلام ومسابقات المليون واليانصيب و الأفلام والعقاقير المنومة والمخدرة  وكرة القدم..

أما على الصعيد الشخصي البيولوجي  فالمستبد  يحتال على الزمن بوسائل عدة فهو  لا يكاد  يهرم،  فالأدوية والأطباء يتكفلان بالدواء والصباغ والماكياج،  يتكفلان بالتجاعيد  والشيب. أجلى مظاهر  احتيال المستبد على الزمن نجده في تكريس الزعيم صورة موزعة في كل مكان،  صورته شابة  قوية حاضرة، وهو غائب ( في عالم الغيب)  لا يشاهد  إلا في المناسبات، كأنه يحاول التشبه بالله الموجود في كل مكان . الصورة جميلة ، شابة، حتى إن شاخ ، وتتولى برامج الفوتوشوب والريشة  وزاوية التصوير مخاتلة الزمن .. الصورة لحظة مخلدة مجمدة في الزمن المجمد بدوره. المستبد يجعل نفسه فوق التاريخ وفوق الجغرافيا، من الصعب أن يصل إليه ابن رعيته، فهو فوق العرش الذي دونه كلاب وجنود.

 أما انهيار الأخلاق والفساد فهو نتيجة للاحتيال على الزمن. فالراشي يرشو لتجاوز هدر زمنه و هدر عمره،  والمرتشي يبيع ما هو حق للمواطن ليقفز إلى زمن متقدم عن زمنه الحقيقي :النتيجة فساد شامل وفصام عام. الزعيم له شخصيتان واحدة صالحة مثالية في الصورة، وصورة ثانية وحشية  هي الحقيقية  وتنفذها أجهزته. مرآة المستبد هي حرسه و أمنه و جواسيسه ومخابراته. والمواطن بدوره مفصوم الشخصية، بين الحقيقة في البيت ومع الأصحاب المخلصين ، وبين مكان العمل ومع الناس حيث يسود الخوف، والخوف سيف آخر يقصر العمر ويذبحه ويصرم الزمن ويفرمه . الاستبداد  يصنع المواطن الحلزون، المواطن البطيء، المواطن الهارب إلى قوقعته خارج التاريخ.

 الوقت كالسيف قال المتصوفة، و المستبد يقطع شعبه بسيوف كثيرة أبرزها سيف الوقت. انه متأله قادر على الإماتة فقط، وقتل الزمن إماتة من الدرجة الثانية. المستبد  فوق العرش مثل الإنسان الأول في الجنة، يسعى للتأبد، فيطمع ويأكل من شجرة الخلد ، ويتوهم أنه خالد وفي حرز وحصانة في عسكره وحرسه وقبيلته وماله …، لكن كما أنه لا توجد جريمة كاملة كذلك لا يوجد استبداد خال من الأخطاء. فيسقط بفعل أخطائه أو بفعل الزمن  الذي قتل بسيفه  شعبه ، فدوام الحال من المحال. يمسك المتصوف في حب السلطة  بالشمس عن شعبه ، و مع ذلك  لا يكلم أحدا إلا من وراء حجاب البيان  والخطاب او شاشة التلفزيون ، فوقته مشغول بالعبادة.. لذاته. انطر  الى حصاد اربعين  سنة ” بعثية”  : التاريخ مجرد مسلسلات ممتعة او مملة، و الوطن ممزق الى انقاض جغرافيا او جغرافيا صافية!

 

غفران طحان*: كل معتقل سوري مشروع شهيد

 
Thursday, December 05, 2013, 9:57:33 AM |

تغير وجه الوطن بين ليلة وضحاها مذ أعلن الشعب أنّ أوان الحرية قد حان، وسرعان ما انتفض الشر بكلّ ألوانه وظهر وجه السجان على حقيقته، واكتشف الشعب أنّ سوريا الوطن مجرد سجن كبير لا يتسع لصيحة.

خرج الشعب وكله أمل بعزيمة تصنع المستحيل، وحدث ما لم يخطر على باله أو بال أكثر الناس تشاؤماً، وعلا صوت الموت، وارتوت الشام بالدماء.

وبعيداً عن تفاصيل الموت اليومي المتمثل برصاصة أو صاروخ أو قذيفة أومدفع.. كان هناك موت آخر يمارس بكل وحشية في السجون، فصار هاجس الموت تعذيباً أسوأ ما يخطر على بال أيّ معتقل لحظة يقع في قبضة الأمن وشبيحته!

وبدأ الأمر مع بداية الثورة إذ استخدمت السلطة كلّ أساليب القمع الوحشية تجاه المتظاهرين السلميين، وكان قدر الطفل”حمزة الخطيب” أن يعلن باستشهاده تحت التعذيب أنّ كل معتقل هو مشروع شهيد!

وصارت أكثر الأوجاع التي تطال الأمهات أن يقبض الأمن على أحد أولادهنّ، فقد بتن يعرفن أنّه سيتلقى أشدّ وأقسى أنواع التعذيب ليعترف بما قام به، وبما لم يقم به، وأنّه هناك في قبضتهم يمكن أن يكون شهيداً، وليس لها أن تراه أخيراً، بل إنّ عبارة “المعتقل مشروع شهيد” أكثر العبارات التي تخطر على بالها، فلا هي تدري إن كان شهيداً لتبكيه حتى يلملم الجرح نفسه، ولا هي تدري إن كان حياً لتنتظره بأمل، فتفجع فيه ألف مرّة باليوم، في ظلّ شحّ رهيب في المعلومات عن أيّ معتقل، فإن عرفت أسرة ما مكان ابنها في أيّ فرع من فروع الأمن، اعتبرت ذلك بداية خيط أمل، وتجد أن جميع أفراد الأسرة يسعون لدفع الغالي والنفيس بغية الحصول على معلومة واحدة تخفف من أوجاع القلق والألم والانتظار.

فإن قدّر لذلك الولد النجاة منهم، وعاد إلى الحياة مجدداً، كانت آثار التعذيب التي طالت جسده رفيقته لفترة طويلة من العمر، من تشويه لجسده، أو ربّما عاهة ترافقه طيلة عمره، عدا المشاكل النفسية والقلق التي تكون عند المعتقل، وربّما تدفع به إلى أن يتخلّى عن كلّ أفكاره الإنسانية السابقة، وتدفعه ليفكر بالانتقام.

لذلك كان الاعتقال من أشدّ التفصيلات وجعاً في حياة أيّ شاب خرج بصوته يطالب بحريتهفأغلق بوجهه باب الأمل، فلا صدى يردد صرخاته ليسمعها أحد، ولا بارقة أمل تمسه إلا موت يتمناه وهو في جحيمهم!

وقد ضرب النظام السوري بعرض الحائط كلّ المعايير والمواثيق الدولية الخاصة بالمعتقلين وكيفية معاملتهم، بل كسرها ساخراً منها، واستخدم كلّ أساليب التعذيب التي تجاوزت خيال كلّ طاغية، من أسلوب الشبح إلى أسلوب الصلب إلى بساط الريح والدولاب، وكرسي الكهرباء، وغيرها من أساليب التعذيب التي يقترحها شيطان السجان في لحظة التعذيب!

ولم تنفع محاولات المعتقلين في إعلان الإضراب تيمناً بمعتقلي الاحتلال الإسرائيلي في التخفيف عنهم، بل على العكس زادت من عنت النظام وتجبره، وازدادت حالات الموت تعذيباً في سجونه، ورغم ظهورها للرأي العام عن طريق الإعلام لم يأبه لها، ولا للتنديد من قبل منظمات حقوق الإنسان، والمهتمة بشؤون الأسرى والمعتقلين.

وربّما كانت قضية استشهاد الناشط السلمي “غياث مطر”، والذي كانت تهمته توزيع الماء ونثر الورد على المتظاهرين السلميين في داريا، من أهم القضايا التي أثارت اهتمام الإعلام، فكان استشهاده دليلاً دامغاً آخر على أنّ ما يمارس في أقبية السجون ليس مجرد تعذيب عادي يتم الاستجواب من خلاله، وإنّما هو تعذيب بقصد القتل.

وإن نجا المعتقل من التعذيب الوحشي، فإنّ ظروف الاعتقال والسجن والضغط النفسي الذي يمارس عليه كل ذلك يمهد لقتله بطريقة أخرى، فإن تحدثنا عن ظروف الاعتقال والسجن فهو غير مناسب لقبر حتى! يدسّ فيه عدد كبير من المعتقلين ويجلسون فوق بعضهم لا يعرفون النوم، والرطوبة تأكلهم فإن كان المعتقل مريضاً فإن السجن كفيل باستشهاده، وهناك العديد من الأمثلة على ذلك، منهم الشهيد “يمان اللبني” وهو ناشط سلمي كان يعمل في جمعية “مبادرة بلد”، والذي استشهد مع بعض من أصدقائه اختناقاً بسبب نقص الأوكسجين في الزنزانة في فرع الأمن العسكري في حلب.

وهناك العديد من المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب الجسدي الوحشي، فبانت آثار التعذيب على أجسادهم عند تسليم الجثث إلى ذويهم، طبعاً إن سلمت، فمازال أهل حلب يومياً ينتبهون إلى حرائق تشتعل في الأحراش المجاورة للمواقع الأمنية، تكون رائحتها أشبه برائحة الشواء، والغالب أنّها كما يقول الناشطون رائحة حرق جثث لمعتقلين استشهدوا تحت التعذيب، هذا عدا عن ظاهرة انتشار الكلاب الضالة التي تنهش الجثث المتفسخة التي كانت ترمى يومياً في الحدائق والطرقات.

وليس ببعيد عن الذاكرة ما حدث في مجزرة “النهر” إذ رميت في النهر ما يقارب الثلاثمئة جثة لشباب معظمهم من المعتقلين في أفرع أمنية، ومعظمهم اغتيل برصاصة في الرأس أو في أنحاء أخرى من الجسد، وقد ظهرت على أجسادهم التي تمّ انتشالها من النهر علامات التعذيب الوحشي من تشوه وانتفاخ مما صعب عملية التعرف عليهم، ودفن العديد منهم “مجهول الهوية”، وتمّ تكرار الأمر حتى سميّ النهر بـ” نهر الشهداء”.

وقد أسلف الحديث هنا عن الأمهات ومعاناتهم طوال فترة اعتقال الابن حتى يخرج، أو تسلّم جثته، ولكن إن أردنا الحديث عن آثار ذلك التعذيب على كلّ أفراد أسرة ذلك الشاب ومن يعرفه، فإننا سنتطرق إلى موضوع النقمة والحقد والكره الذي يسكن أرواحاً نالها التشويه لرؤية ذلك الجسد المشوه، فتحمله معها طوال العمر، وتفرغ إمّا بشكل متطرف كنوع من أنواع الثأر، أو بمحاولات إنسانية للمساهمة في إيصال صوت وحالة المعتقلين إلى الرأي العام، أو بحالات انطواء وموت بطي يعيشها هؤلاء، فالتعذيب لا يطال جسد المعتقل فقط، وإنّما يطال كلّ من يعرفه.

والآن هل حجم العقاب الذي يناله المعتقل يساوي حجم الجرم الذي ارتكبه!؟

إن بحثنا في أرشيف الشهداء الذين ماتوا تحت التعذيب سنجد أنّ معظمهم كان من الشباب الذي رفع راية السلمية فصرخ مطالباً بالحرية في مظاهرات لا سلاح فيها إلا الصوت، ومعظمهم نشط في المبادرات الإنسانيّة كمساعدة اللاجئين، أو تطبيب المرضى في مشافٍ ميدانية، أو أسهم في نقل الدواء، أو كان ناشطاً إعلامياً ينقل الصورة كما هي من دون أيّ تدخل منه فيها.

هذا هو الجرم الإنساني الذي يجعل السجان يستشيط غضباً وخوفاً على قوائم كرسيّه فيوجه للتنكيل بهؤلاء الذين نالوا من وحشيته بإنسانيتهم، وأساؤوا إلى قبحه بجمال أفعالهم، فكان حجم جرمهم الذي قبض عليهم من أجله، وبالتالي عذبوا ونكل بهم من أجله، وربّما استشهدوا، يتساوى مع حجم العقاب الذي يرضي حقد أولئك على الإنسانيّة كلها!

ويبقى أنّ نشير إلى عجز كلّ المنظمات الإنسانيّة والدوليّة التي تهتم بحقوق الإنسان والمختصة بالأسرى والمعتقلين في دفع الأذى عن المعتقلين في سجون النظام السوري، رغم توفر مقدار لا بأس به من المعلومات لديها، بل إنّها اكتفت بنشر المعلومات وفضحها، والتنديد بها!

ويبقى كلّ معتقل في سجون الظلام/النظام السوري شهيداً حتى يثبت العكس!

…..

*قاصة سورية

 

 
 

إبراهيم صموئيل: الظلال السجينة أبداً…

 
Saturday, November 23, 2013, 5:25:22 PM |

مع دخول نيلسون مانديلا إلى المشفى وخروجه، انتابني ما يثير في النفس هواجس ومشاعر عن ألعن ما اخترعته البشرية منذ فجر تاريخها إلى اليوم: السجون.. وعن أعتى مَنْ تتقوّض روحُه من هذا الاختراع، قبل جسده: السجين. فما من كائن بشري في الدنيا يمكن توصيف حاله بدقة، في مرحلة من مراحل حياته، بأنه لا يكون من بين الأحياء، ولا يُعتبر في عِداد الأموات إلا: السجين!!

اقتلاع الناس من بيوتهم، وتهجيرهم عنوة، وتشريدهم في أصقاع الأرض خوفاً ورعباً على حيواتهم من القتل، فيه من الوجع والأسى والإهانة الكثير. إفقار الناس، وتجويعهم، يذلّهم ويحطّ من كرامتهم، غير أنهم يمكن أن يتدبّروا حاجاتهم العضوية- على الأقل- إلى الطعام والشراب، ولو على نحو ما، فيسكت نداء الطبيعة. المرضى يستسلمون إلى إرادة أعلى منهم، فيصبرون، ويأملون بالشفاء جراء علاجهم واستطباباتهم من آخرين، ولو على نحو بسيط. بل حتى الموتى، الذين يُقتلون في الحروب، أو على أيدي سلطات الطغاة وأنظمة الاستبداد، يُخلَّفون للأحياء من أقربائهم وأحبائهم جروحاً غائرة تنزف في الذاكرة والوجدان، وآلاماً نفسية يصعب البراء منها، غير أنهم (القتلى) يتخلّصون من التنكيل بحيواتهم، ويدخلون في “راحةٍ” من العسف والتعذيب المرير.

السجناء ليسوا كذلك!

حين يُعتقلون- خصوصاً في الدول العربية والعالم الثالث- إنما يُساقون إلى برزخ لا حياة فيه، ولا فيه ممات! إلى “مكانٍ” لا يتصل بالأرض، ولا ينفصل عنها! وحين يُعتقلون إنما يُحشرون في أزمان لها مبتدى، غير أن منتهاها مجهول لدى السجناء وحتى لدى السجّانين أحياناً! هناك، في السجون والمعتقلات، يظلّون معلّقين من شرايين انتظارهم، وأوردة توقهم، في حالة شاذّة عن المسار الآدمي بين لحظتي الولادة والموت: لا هي تقطع المسار، ولا تواصله! لا تحيي الكائن، ولا تُميته! لا تبث فيه الحضور، ولا تدهمه بالغياب! لا تُنعش فيه الأمل، ولا تخدّره باليأس.. وذلك كله في مكان ناءٍ على الأغلب، محوط بالسرية والتكتّم والتعتيم بأكثر مما يُتخذ لأمكنة ومراكز تصنيع وتخزين أسلحة الدمار الشامل!!

في ذلك “اللامكان” و”اللازمان” يرقد السجناء. يرقدون أحياء يعتمل في دواخلهم أشهى ما في الحياة من توقٍ وشوقٍ ورنوٍ وتطلّع.. ولكنْ، داخل قبورٍ مغلقة، كتيمة، لا يدخل إليها ضوءٌ، ولا تتسرب منها ظلمةٌ، لا يصلها مُستطلع لما يجري، ولا يخرج منها مُنبئٌ عن واقع الحال! يرقدون في ثنايا التعذيب، وبراثن التنكيل والتمثيل بالأجساد، ومخارز حقد الطغيان المنفلت من عقاله، وأفانين العمليات الجارية عليهم بغية هرس الإنسان فيهم وتحويل الركام إلى حيوان بهيم، وهو ما كُتب عنه آلاف الصفحات سواء في الوثائق والشهادات، أو في الأعمال الأدبية على غرار ما قدّمه يوسف إدريس في قصته الطويلة الشهيرة “العسكري الأسود” أو عبد الرحمن منيف في روايتيه ذائعتي الصيت: “شرق المتوسط 1975” ثم وضعه خطوط تشديد حمراء تحتها في روايته: “الآن..هنا 1991” وغيرهما الكثير من الكتّاب العرب.

ورغم ذلك، فالآفة الكبرى لا تكمن فحسب في تعذيب الجسد، وكيّه، وإدمائه، وابتكار كل ما يخطر للمخيلة- أين منها غريزة الوحوش؟!- من أفانين الهدم والتشويه والمسخ… وإنما أيضاً- قبل ذلك وأخطر منه وأدهى- تعذيب الأرواح، وتمزيق بنيتها، وعطب مكوّناتها بغية تحويلها إلى هشيم يستوطن عدداً من السجناء- حتى بعد إطلاق سراحهم- ويلازمهم ما داموا أحياء يرزقون!!

بلى، يُطلق سراح السجناء- ممن نابهم الحظ فلم يقضوا في السجون- غير أن ظلالهم تبقى أسيرة الجدران! تماماً كما أطلقت الطغمة العنصرية سراح نيلسون مانديلا في الثاني من فبراير شباط 1990، ولكنها فعلت بعد أن دأبت منذ العام 1963، وعلى مدار سبع وعشرين سنة، على العمل الحثيث لفصل ظله عنه. في ذروة شبابه ورجولته- في الخامسة والأربعين من عمره- زُجَّ به في السجن، وفي سفح شيخوخته، حين بلغ الثانية والسبعين، أُطلق سراحه، ولكن من دون ظل! ظلّه بقي هناك، في السجن، شاهداً على الاستبداد، وكذا بقيت ظلال ملايين السجناء في بلداننا، الذين اُعتقلوا لسنوات وأُفرج عنهم، بقيت في كهوف المعتقلات.

والآن.. مَنْ في مقدوره أن يُخلي سبيل الظلال؟! مَنْ في مكنته أن يُطلق سراح الآهات المجروحة التي ندّت عن السجناء في عتمات السجون؟! مَنْ يستطيع أن يُعاود جمع أحلامهم التي سُفحت في تلك الليالي الصامتة الموحشة؟! فكم من مرة بكى مانديلا- وبكى ملايين السجناء أمثاله- وهم يتذكرون أصدقاءهم وصديقاتهم؟! كم مرة ضربوا الأبواب الموصدة بقبضاتهم حتى وهنت دون جدوى؟! كم مرة انطووا على أنفسهم واستحضروا بيوتهم وأسرهم ليتنشقوا عبق روائحهم، ولو في الوهم؟! كم مرة قوَّضهم اليأسُ فكفروا بالحياة كلها مذ كانت؟! كم مرة رنوا ورجوا ووعدوا أنفسهم، وأكدّوا وعودهم، ثم خابوا؟!.

لا عارَ في الدنيا كعارِ السجون.

لا ظُلم مهما قسا واشتدَّ، يماثل ظلم السجن وقهره. لا وحدة تدانيه، ولا وحشة تقاربه، ولا انكسارات تماثل انكساراته، ساعة تضيق الجدران والأبواب الموصدة بالسجين، وتضيق بتوقه واشتهاءاته، تضيق بحمّى تنفسه ونبض قلبه، وبالدم الذي يسير في عروقه.. لحظة تأخذه غفوة في النهار فتتجمّع، في برهة، كلُّ السهول الخضراء الفسيحة على أحلام يقظته، أو شبه نومه، وتدهمه شموسٌ فيشتهي لسعها، ويحيط به ضجيجٌ فيتمنى صخبه. يرنو إليه الأصدقاء والأحباء والأهل وأطباق طعام البيت وأزيز سريره وملمس وسادته وروائح تغلغلت فيه وشكَّلته… حتى إذا ما فتح عينيه واستيقظ من غفوته وجد الطغاة والجدران الصمَّ ولون الوحشة تنيخ عليه وتسحل روحه!.

إن كل ما وُثِّق، وكُتب، وصُوِّر، ورُسم، ومُثِّل، وعُزف.. يظل-  رغم أهميته- على حواف التجربة، على أطرافها، أما التجربة عينها فتظل عصيّة على التعبير. ألهذا يلتزم سجناءٌ عديدون الصمتَ المطبقَ بعد خوضهم التجربة، فيمضون ما تبقّى من حيواتهم، ثم يرحلون، ومعهم ترحل أهوالٌ تتجاوز قدرة العقول البشرية على تصديقها؟! ربما لهذا، أو ربما يكون لعارٍ، على جبين البشرية والعالم أجمع، لا يزال ماثلاً، ولمّا يُمحَ بعدُ؟!

 

 

عادل بشتاوي: هل تواجه العربية “الفصحى” مصير اللاتينية الكلاسيكية؟

 
Saturday, September 14, 2013, 8:26:07 PM | admin

الأصل في الكلام النطق لا الكتابة، وأساس الكلام المحكيّات لا الفصحى التي ابتكرها، كما يبدو، كتبة الملوك والكهنة والشعراء، وغيرهم. ويمكن تحديد بعض الكلام الذي يرجّح البعض ابتكاره أول زمان النطق، فهو كلام الحاجة. ويمكن استعراض المنحوتات البسيطة التي عُثر عليها صدفة في موقع المچر، جنوب غربي جزيرة العرب، وتفحّص بقايا عظام السمك والطيور والحيوانات في الموقع، والاستنتاج أنها كانت بقايا ما أكله أهل الموقع قبل ألوف السنين.

ويمكن أن يسأل المرء نفسه، أو الآخرين، من أين جاءت محكيّات العرب؟، ويمكن أن يسأل نفسه والآخرين من أين جاء الكلام؟ وتبدو الاجابة بسيطة فلا يشترط إثبات وجود هذه الحيوانات اكتشاف منحوتاتها لأن الناس يعرفونها في كلامهم، ولو لم تكن لفظاتهم لما كان في الكلام اليوم أسماء الجمل والعنز والثعبان والظليم والأيل والسمك، وغيرها العشرات. ولو لم يكن معظم هذه الحيوانات في البيئات التي عاش فيها الناس قبل ألوف السنين لما ابتكر الناس اللفظات التي دلّت عليها.

وقول البعض إن اللغة نظام حي يتطور باستمرار صحيح، لكن الانسان في بيئته الطبيعية لم يبتكر كلاماً للدلالة على أشياء أو حيوانات لا يعرفها في البيئة، أي انّ كلامه واقعي عموماً. ومن يفكّر بالكلام الذي يسمعه اليوم ربما اكتشف أنه خليط من كلام الأزمان كلها، فعلى الألسنة بعض النوى اللغوية التي ابتكرها أهل الزمان الأول في العصر الحجري، وهي النوى على ألسنة الناطقين بالعربية في القرن الحادي والعشرين، كما هي، أو في اشتقاقاتها.

ويستطيع الباحث في محكيّات العرب الاستنتاج أن محكيّة الشام غير محكيّة مصر ومحكيّة مصر غير محكيّة المغرب ومحكيّة تونس غير محكيّة اليمن، فهذا يقول «تم (فم)» وهذا يقول «بؤ»، وهذا يقول «مرّة» والآخر «كثير» والثالث «برشة»، وذاك يقول «شلونك» والثاني «أزّيك»، وهكذا. ويستطيع الباحث نفسه الاستنتاج أن مظاهر الاختلاف في لفظ المحكيّات أقل من مظاهر التشابه أو التماثل، وأن ناطقين بالعربية الحديثة من قريتين مختلفتين، واحدة في موريتانيا والأخرى في جنوب العراق، سيستطيعان في النهاية التفاهم على معظم ما يريدان التفاهم في شأنه إذا تجاوزا كلام البيئة الذي يختلف من مكان إلى آخر، فعلى الباحث ألا يتوقع أن يستخدم ابن بيئة زغوان في تونس كل كلام ابن بيئة دير الزور في سورية.

وإحلال لفظة جديدة محل لفظة محكيّة قديمة يمكن أن يعني اقتلاع القديمة من نسيج الكلام، وهذا في المحكيّات مثل قلع الضرس، لذا في المحكيّة أقدم الكلام، فهو إذاً طبيعي، والكلام الطبيعي يخلو من البديع وينفر من الصنعة لأنها تستولد معاني جديدة ربما لم يوفّق مبتكرها في تحقيق الارتباط الواضح بين المعنى الأصلي والمعنى المستعار. أما بديل البديع والصنعة في كلام المحكيّات فهو الأمثال والصورة والتشبيه، وبعض حالاته تتسم بطرافة يندر وجودها في كلام النصوص. ومن الأمثلة الشائعة وصف الكثير الحركة بأنه «مثل بيضات المغربل»، باستحضار صورة المغربل وهو يهز المنخل يميناً ويساراً، وتشبيه الكسول ومن لا يطلب العمل للارتزاق بمن يجلس تحت شجرة تين ويفتح فمه في انتظار سقوط الثمرة فيه، أو «طب الجرة على تمها (فمها)، البنت بتطلع لأمّها».

والقول الأخير ملفت لأنه يكشف للباحث أحد أهم أسباب استتباب كلام المحكيّات عبر الألفيات في العموم، ذلك أن أقرب فردين في معظم الأسر هما الأم وابنتها. والابنة بالطبيعة أم أولادها عندما يحين الوقت، وستكون ابنتها الأقرب إليها، مثلما ستكون ابنتها يوماً أم بناتها، وسيستمر هذا الوضع ما استمرت الحياة.

وبما أن محيط معظم النساء بيوتهن وبيوت جاراتهن، فإن انفتاحهن على محيط المجتمعات العام كان أقل عادة من الرجال، مما ساهم عموماً في استتاب كلامهن مقارنة بالرجال، وانتقال الكلام من الأم إلى البنت ومن البنت إلى بناتها، فهو كلام ابتكره الناس لحاجة فرضت نفسها، واصطلحوا عليه بالتوافق، ولا حاجة لابتكار كلام جديد له المعاني نفسها، مثلما أنه لا حاجة لاكتشاف طريق جديد إلى أميركا فمكانها معروف.

ولا يجد أهل المحكيّة غضاضة في استعمال كلام مستورد مثل «الراديو والتلفزيون والكومبيوتر والبامبرز»، وغيرها، لأن كلامهم الأصلي لا يتضمن لفظات مناسبة للدلالة على أشياء مهمة مثل هذه صار التعبير عنها حاجة. وإذا تبدّت مثل هذه الحاجة ساق أهل المحكيّات على المستورد من الكلام قواعد كلامهم. ولفظة «ظلام» من كلام العربية الحديثة، لذا لا نجده على لسان أهل المحكيّة ففي كلامهم لفظة أدق هي «العتمة» (من كلمة أصل معناها الموت أو ظلمة الموت)، لكن إذا نطقوا كلمة «ظريف» أبعدوا التسنين من نطقها. وإذا نطقوا كلمة مثل «ذكّرني» لفظوها بالزاي (زكّرني)، فنطقهم صحيح لأن الأصل بالزاي لا بالذال كما في الآكادية: zakāru.

وللخوف أصل طبيعي، فـ«خوف» هي الكلمة الأكثر شيوعاً في المحكيّة لا «الرهبة» أو «الرعب» أو «الارتعاد»، فهذه من كلام الأديان، وكلها، وغيرها، لاحقة على «خوف».1ويستخدم أهل المحكيّة في حالات الخوف الأشد لفظة «رعب» مشددة: «رعّبتني». وهذا تعبير عن خوف طبيعي آخر متأصل، كما يبدو، في العقل الكامن، هو الخوف من الرعد، وهي من نسائل *رع، مما يمكن أن يعني أن الكهنة، قبل خمسة آلاف سنة وربما أكثر، لجأوا إلى ظاهرة طبيعية مثل الرعد لم يستطع الناس معرفة سببها لتخويف «الرعيّة» من «الراعي»، أي مرسل الرعد، فهذا أصل الكلمة التي تنتمي إلى الفصيلة اللغوية الدينية رع عر.2

وملفت في المحكيّة أن فعل الرؤية هو «شفت» لا «رأيت» أو «نظرت»، لكأنه فعل من الشف، وهو ضرب من الستور يرى ما وراءه فهو ليس فعلاً طبيعياً. وأقدم كلام النظر *رأ، لكنه مهموز متغير، فيقال: «رأى» و«رأت»، لكنه للمتكلم «أرى»، أي «أرأ»، فهذه ليست نسيلة بل سابقة ثلاثية. لكن في المحكيّة وريني، أو ورجيني، بمعنى «أرني»، فهذه من نواة مختلفة هي *رن، والرنو هو «النظر المديد».

ويستخدم أهل المحكيّة النور أو الضوء بالمعنى نفسه تقريباً، لكن استخدام «نوّرني» يكشف أصل النور في الكلام، وهو النار، فإنما النور في الأصل هو الضوء الذي ترسله النار لا غير. وكلا النور والنار من أصل ثنائي واحد هو *نر (نار) وقرينته *رن، فهذه وحدة لغوية مدهشة، وفصيلتها (رننر) من الفصائل اللغوية الحرجة لاتصالها باكتشاف طريقة إيقاد النار في الوقت الذي يناسب الانسان لا الوقت الذي يناسب الطبيعة، كما في اشتعال الحرائق نتيجة الصواعق أو الاحتكاك الطبيعي الشديد.

والأنف في محكيّات العرب منخار(منخر) أو خشم. ونخر الشيء «ثقبه»، كما ينخر الدود الخشب، فهذا اسم طبيعي، أو بدائي، للأنف لأن أهل الزمان الأول رأوه مثل أي ثقب آخر في خشبة أو حجر. و«أنف» سابقة ثلاثية للنواة *نف يُستخدم في محكيّات الشام ليعني توجيه تيار هوائي إلى ثقب واحد أو الثقبين معاً لطرد المخاط.

والكلام القديم جامع، فالنف هنا فعل توجيه الهواء، لكنه يعني أيضاً الهواء (نفنف)، ومنه عمل الشهيق والزفير (نفس، فهو نسيلة نف)، والنفس تعني الذات أو الذات الحيّة لأن الميت لا يتنفس، فكأن النفس كناية عن الحياة. ولو نُظرت ترجمة *نف في المعاجم لاختلف المعنى، وهذا بعض ما في ترجمتها: «روى الأزهري عن المؤرج: نففت السويق وسففته وهو النفيف، والسفيف لسفيف السويق».

ويلاحظ في الترجمة أن الشارح اعتبر *نف و*سف بمعنى واحد، لكن أهل المحكيّات يفرّقون تمام التفريق بين النواتين، فلا يقولون: «سف مخاط أنفه»، فهذا كمن يشفطه، ولا يقولون: «نف السويق»، فهذا كمن يطرده نفخاً بالأنف، بل «سف السويق». والسّفافة في محكيّات الشام مسحوق الحمّص المحمّص. لكن يقتضي التنويه أن *سف من كلام اليمن وأصل فائه باء مثلثة (p)، وهو من كلام الحضارة والصناعة بامتياز فمنه «سيف» و«سفن».

ويتضح قدم المحكيّات من كثرة المضاعف (بربر، طبطب، زلزل، فرفر، حلحل، فلفل) والمتوالف (خنجر، طنبر، عنكب، أرمل، هرول، مرهم) في نسيجها، فكلا هذين المبنيين أسبق من النسائل الثلاثية (شرب، لعب، سمع، قلب). ويستطيع الباحث اعتماد معظم معاني المضاعف في المحكيّات، كما لا غنى له عن استشارة المحكيّات لتحديد المعاني الاصطلاحية لعدد كبير من المتوالفات، والأهم من تلك وهذه، استشارة المحكيّات للوصول بسرعة إلى أقرب معاني النوى اللغوية إلى معاني أصولها الأولى.

و«أروش» (الكلام غير البيّن أو ضجة الكلام) من طريف محكيّة الشام. واللفظة، كما يبدو، ليست لغة في «قروش» بل ثنائي متوالف من «أر»، بمعنى الغزل، و«وش» أي الوشوشة، فهو، إذاً، كلام العشّاق يتهامسون به لئلا يسمعهم الآخرون. والوسوسة لغة في الوشوشة في الأصل، لكن هذا لا يحل محل الآخر في كلام المحكيّة فالوسوسة عندهم هي المخاوف والشكوك الباطنية غير المحسوسة، أي النفسانية، وهذا أصل المفهوم الذي استعاره كلام الدين في الألفيات اللاحقة وارتبط بالجن والشياطين ونحوهم.

إيقاع الكلام

يفيد الباحث في تأصيل كلام العرب والعاربة أن يستحضر دائماً طبيعية البيئة التي ولد فيها أول الكلام والجماعات البشرية التي ابتكرت الكلام في البيئات التي عاشت فيها. والسبب منطقي لأن الكلام الطبيعي لا يسبق الشيء الطبيعي الذي يدل عليه، وما ينطبق على الماضي ينطبق في حالات على الحاضر، ذلك أن إنسان العصر لم يبتكر كلام «التلفزيون» و«الكومبيوتر» قبل أن يبتكر التلفزيون والكومبيوتر. وعلى الباحث أن لا يضم إلى الكلام القديم الكلام الذي لا يوافق الزمان القديم، فلم يكن في أول الزمان الحديد وورق الكتابة والثياب المصنوعة من القماش ولفظات البديع والمفاهيم الدينية والأخلاقية التي لم يعرفها الانسان إلا في فترة حديثة نسبياً واكبت الأديان عموماً، ومعظمها سحب.

وإذا انتهى المرء إلى أن معظم الكلام ثنائي وثلاثي، فربما كان من المنطقي الانتهاء إلى أن إيقاع الكلام الأصلي ثنائي أو ثلاثي، أو أن معظمه مؤلف من حركة وسكون، أو حركة وحركة وسكون، أي تبسيطاً: «تَمْ، تَرَمْ»، وبذا يكون الثنائي «تم»، والثلاثي «ترم». والثنائي هو النوى اللغوية (حأ، خت، لح، خل، قب)، وهو مكرر النواة اللغوية في المضاعف ونواتين مختلفتين في المتوالف. أما الثلاثي فهو في سوابق النوى الثلاثية (قتل، وجد، وصل، نصح، سجد) وفي النسائل الثلاثية، ولم يكشف البحث في الكلام غير هذه الأبنية. والبرهنة على ذلك سهلة لأن هذه المباني في النصوص كما هي في المحكيّات، وهي في الكلام قبل خمسة آلاف سنة، وربما أكثر، وفي كلام الجاهلية والعربية الحديثة، وفي كلام العصر.

والنواة *حد ليست من أول الكلام، لأن مفهوم الحدود بين الأشياء مفهوم متطوّر، لكنها ليست آخر النوى اللغوية التي ابتكرها أهل الزمان الأول، لأن مفهوم وجود الإله (إل) يتطلب وعياً أعمق بكثير من الوعي بالحدود بين الأشياء. ويمكن القول إن ازدياد وعي الانسان انعكس، في حالات، على ابتكار الكلام المعبّر عن ازدياد الوعي بأنواعه. ويمكن الافتراض أن الانسان ابتكر العدد واحد (*حد) قبل العدد اثنين (*تن/*سن).

وحالة المثنى في العاربة (آكادية: سن/شن šinnu)، والعربية الحديثة، لكن ليس في الكثير من اللغات الرئيسية الأخرى اليوم. وسبب وجوده أن هذا العدد، في المجتمعات الانسانية الأولى التي يُقال أنها كانت 250- 600 شخص، عدد مهم، فيما كان العدد خمسة عدداً ضخماً (منه الخميس، أي الجيش الجرار)، وكان العدد عشرة يعني العشيرة، فهي من عشر، نسيلة النواة *عش.

ويمكن وصف المجتمعات التي وجدت حاجة للدلالة على عدد نعتبره اليوم بسيطاً، مثل ثلاثة، بأنها كانت مجتمعات «بدائية». وهذا وصف منطقي استنتجه مؤلّفون، منهم المؤرخ فيليب حتي، الذي رأى أن العربية «أقرب ما تكون إلى صورة اللغة البدائية التي يعتقد الباحثون أنها كانت اللغة السامية» (تاريخ العرب، ص 12).3 ومع ذلك تقتضي الاشارة إلى أن اللغة التي يعتبرها مؤلف في القرن العشرين «بدائية» ربما اعتبرها أهل الزمان الأول لغة غاية في التطوّر قياساً إلى كلام الآخرين في المجتمعات التي عرفوها.

ويعتمد نطق الكلام وفهمه وترديده على عدد من العوامل المتصلة بالقدرات العقلية والثقافية التي تختلف بالضرورة من شخص إلى آخر. والنطق من المهارات المكتسبة، فبعض الناس اليوم أفضل في التعبير من آخرين، وعلى المرء الافتراض أن الأمر انسحب على المجتمعات الأولى. لكن تجدر الإضافة أن كلام المجتمعات الأولى كان كلام الحاجة، والكثير من الحاجات طبيعية، والطبيعي لا يتضمن، في العادة، معاني السحب في الشعر وبعض أنواع النثر، فهذه من المظاهر اللغوية الحديثة نسبياً.

وبما أن النوى اللغوية كانت عماد الكلام في العصور التي سبقت التأريخ، فمن الممكن الافتراض أن الاختلافات اللغوية بين أفراد المجتمعات الأولى لم تكن كبيرة لبساطة بناء النوى اللغوية. وإذا استنتج المرء أن الثنائي والايقاع الثنائي أكثر شيوعاً في المحكيّات من كلام النصوص، يمكن الاستنتاج في الوقت نفسه أن نسيج المحكيّات، لا كلام النصوص، هو الوريث الأقرب إلى كلام العرب العاربة ومن سبقهم، وأن الكثير من قواعد المحكيّات قواعد الكلام الأول التي كانت قياسية في معظمها، وغاية في البساطة.

والكلام اليوم كلام نسيج المحكيّات، وكلام النصوص، ويتلاقى كلام الصنفين في حالات، ويفترق في حالات، فربما كانت مفردة ما في النصوص خطأ وفي نسيج المحكيّات صحيحة، وربما صح العكس، فلكل لفظة حالة تتطلب دراستها دراسة مناسبة قبل تحديد بنائها ومعانيها.

ومن الباحثين من يعتقد أن كلام النصوص أكثر تآلفاً من كلام نسيج المحكيّات نتيجة أسباب منها الإسناد المعتمد على النصوص الدينية، وما نقل عن أهل الشعر، وإشاعة هذا النوع من الكلام في الكتب المدرسية والجامعية دون غيره من كلام نسيج المحكيّات التي يعتبرها بعض اللغويين من «ضعيف الكلام». وهذا وضع قائم أنتج حالة اختلال لغوي في مجتمعات الناطقين لقلة الدراسات الجادة في طبيعة نسيج المحكيّات وأصالتها.

ويمكن الرد على ما تقدم بالقول إن النصوص كلام التخليد، وإن التخليد حالة لاحقة على النطق، فهل كان في مرحلة النطق الطويلة حالات لغوية تشبه حالات المحكيّات والفصحى اليوم؟

والجواب أننا لا نعرف، فلفظ كلام من خمسة حروف أو أكثر أمر عادي لمعظم الناس اليوم. لكن الانتقال من الأصول الثنائية إلى السوابق الثلاثية قبل نحو خمسة آلاف سنة، أو أكثر، كان مشكلة لكثيرين اعتادوا النطق بكلام الاثنين لأن حركات اللفظ تغيرت عندما اجتمع في الكلام الجديد متحرك ساكن (تَمْ) ومتحرك متحرك ساكن (تَرَمْ) تتابعا بلا انتظام فتغير قياس الكلام أو وزنه وإيقاعه بصورة جذرية.

وهكذا بدأت مرحلة جديدة من طريقة لفظ الكلام، فوجد جمهور الناس صعوبة في التعامل مع تغيّر إيقاع الكلام، فسعوا إلى الالتفاف على الكلام ذي الحركتين المتواليتين في فواتح اللفظ، وتطويع باقي الكلام لاستيعاب الايقاع الثنائي بالتسكين وتقليص مدّات الحركات والتشديد الخفيف الذي لا ينتج حرفاً مضاعفاً كاملاً. ولو درس الباحث مئات اللفظات لوجد الكثير من حالات تثنية الكلام قدر الامكان، كما في: «ورّيني»، «قلتلّه»، «سمّعني»، «بعّدني»، «لعّبته ولعّبني، وقوّمني وقوّمته، وسمّعلي وسمّعتلّو» وغير ذلك.

وفي الكلام أفعال في صيغة الأمر تبدأ بالألف، بعضه لغات القبائل وبعضه إضافة أهل اللغة مثل: ادخل، العب، اسمع، اكتب، امسح، اجرح، اسعد، اشدد، اعصص، أحطط، أطلل، وغيرها، فيما تستخدم أفعال أخرى في صيغة الأمر بلا ألف، أي في مبنى الأصول الثنائية: حط!، قم!، كل!، وغيرها. وواضح في كلام المحكيّة أن تسبيق الثنائي بألف لم يكن قائماً في بداية الكلام فيقولون: شد!، عص!، حط!، طل!، وغيرها. أما في الحالات الباقية من الأمثلة فإنهم يليّنون بالألف أو الواو. هذا إذا كان فعل الأمر ثنائياً، أما في حالات النسائل الثلاثية فللمحكيّة قاعدة تحكم بعض حالات استخدام صيغة الأمر في الأفعال الثلاثية، لكنها ربما كشفت أيضاً الأصول الثنائية لهذه النسائل. ويتحقق ذلك بتسكين الحرف الأول وبإضافة حرف لين بعد الثنائي وقبل حرف الاستنسال الثالث، هكذا: سْعادْ (أصلها الثنائي سَع)، لْعابْ (أصلها الثنائي لَع)، مْساحْ (أصلها الثنائي مَس)، كْتوبْ (أصلها الثنائي كَت)، جْراحْ (أصلها الثنائي جَر)، وهكذا.

ويُوجز بالقول إن من يعتقد أن الناس في الألفيات السابقة نطقوا بالكلام المتحرك، وأن المحكيّة وليدة الجهل لم يأخذ في الاعتبار التأثير الذي تركه انضمام السوابق الثلاثية ثم النسائل الثلاثية إلى الكلام، وإنّ بدء افتراق المحكيّة عن الفصحى قديم جداً بدأ، كما يبدو، في منتصف العصر الزراعي قبل أكثر من خمسة آلاف سنة. وتسبب الافتراق، ربما عن غير قصد، في بدء فرز شبه اجتماعي استمر إلى اليوم: كثيره عامة الناس، وقليله فئة النخبة، وفرز تعبيري: كثيره الشعر الشعبي وقليله الشعر الموزون.

ومع ذلك يُعتقد أن افتراق المحكيّات عن الفصحى في الألفيات الماضية بقي محدوداً لأن الباحث يستطيع تحديد الكثير من كلام أهل الزمان الأول والعاربة في محكيّات اليوم. وحملت العربية الحديثة من مدارس العراق إلى الكلام تغيّرات جذرية فتحوّل الافتراق إلى شرخين أفقي وعامودي واضحين لا يُرى في مسار تطوّر الكلام سبيل واضح إلى تجاوزه. وعليه يرجّح استمرار هذا الشرخ، وربما تعمّقه، فيما تتجه المحكيّات إلى استعارة الكلام الجديد من مصادره مباشرة، ويستمر القصور البحثي في التعامل مع المحكيّات بالجديّة التي تستحقها وريثة أقدم اللغات المعمّرة في تاريخ الانسان.

وتفوق أهمية الاصطلاح اللغوي في بعض الحالات أهميّة القواعد، لكن الاصطلاح، بطبعه، يتطلب اصطلاح معظم الناس. ويبدو من مراقبة عدد من المحطات التلفزيونية أنّها أدّت دوراً ملحوظاً في إشاعة انتشار نوع من الفصيحة بين فئات كثيرة من الناطقين بالعربية الحديثة، يفوق بكثير تأثير استمرار محطات أخرى في استخدام المحكيّات. ويمكن في الوقت نفسه ملاحظة جنوح البعض إلى خلط استخدام بعض خصائص الفصيحة بالمحكيّات. وهذه من مظاهر اللفظ التي ربما كان مفيداً تشجيعها، والعمل في الوقت نفسه على تجنّب التشديد المفرط على اتباع جملة اجتهادات اللغويين الأوَل لغلبة الصنعة والاصطناع على أعمالهم. وهذه نتيجة مُتوقعة لأن العربية لم تكن اللغة الأم للكثيرين، وربما كان هذا أحد أسباب غياب مباني الكلام الحقيقية عنهم وتأصيل الكلام في مشتقات الكلام لا في جذوره الثنائية، والمساهمة في تعميق الشرخ بين كلام النصوص وكلام المحكيّات، والاخفاق، بالتالي، في تحقيق اصطلاح الناس على النطق.

تراكم الكلام

يشترك معظم صنوف العلوم الانسانية في خاصيّة أساسية هي التراكم الذي تستدعيه الحاجة. والتراكم متدرج بالطبيعة، أي أن الانسان احتاج إلى التعبير عن العدد «واحد» قبل الحاجة إلى التعبير عن العدد «عشرة». ويقتضي التراكم المعرفي العددي المواكبة بالدلالات اللفظية العددية، ومع ذلك فإن عدد الحروف الصحيحة للعدد «واحد» يساوي عدد حروف العدد «عشر»، أي ثلاثة حروف، فيما يفصل مفهوم العدد واحد عن العدد عشر ألوف السنين.

وتبيّن بعد البحث والمقارنة أن النطق يخضع لمبدأ المراكمة المعرفيّة، مثله مثل باقي المعارف، وأن مبنى الثلاثي الصحيح حالة لغوية متطوّرة فهو ليس أصل الكلام، كما يُشاع على نطاق واسع في مؤلفات علوم اللغة والمعاجم. وإذا كان العدد «عشر» يتألف من ثلاثة حروف فمن المنطقي الافتراض أن العدد «واحد» تألّف من عدد أقل من الحروف. وللعدد «واحد» أصل قديم هو حد، لكن تبيّن أيضاً أن العدد «عشر» مُشتق من أصل أقدم هو عش. وكلا حد وعش مؤلف من حرفين، أو من «نواة» لغوية أو «مقطع أحادي»، وربما قيل عن الصنفين إنهما من بناء «الثنائي»، فهذا تعريف عام بدلالة نظر العين.

ولم يكشف البحث أصولاً أقدم من الثنائي يمكن البرهنة على وجودها، فتتابعت الدراسات البحثيّة وفق افتراض جديد ومنهجيّة جديدة: إذا كان أصل أقدم الأعداد (واحد) النواة الثنائية (حد)، فربما كان منطقيّاً الافتراض أن أقدم الكلام يتألّف أيضاً من النوى والمقاطع الأحادية، أو الثنائي. وتطلبت البرهنة على صحة هذا الافتراض تفكيك مئات اللفظات ثم إعادة بنائها بتأصيلها في النوى أو المقاطع الأحادية. وكشف التأصيل النمطي صحة الافتراض، لكنّه كشف في الوقت نفسه وجود خمسة مبان لغوية اختلفت اختلافاً جذرياً عن المباني الشائعة في مؤلفات علوم اللغة والمعاجم كافة. وطرح هذا الاختلاف عدداً من الأسئلة عن طبيعة معارف الكلام التي عرضها أهل اللغة والمعاجم في القرون الهجرية الأولى وجملة الأسانيد والمراجع في كتبهم. ولوحظ اختلاف بين قطعيّة الثبوت وقطعيّة الدلالة لم يتمكن البحث من مصالحة وجوده في ترجمات المعاجم، مما أثار الدهشة والحيرة في آن.

واقتضى تقصّي حال الكلام توسيع نطاق البحث ليشمل بعض لغات العاربة، خصوصاً الآكادية والكنعانية، أو الفينيقية بنوعيها القديم والأحدث. وتبيّن في مرحلة جديدة من البحث أن أحد أهم أسباب صعوبة تحديد مفاصل التلاقي والابتعاد في الكلام، معالجته في المؤلفات اللغوية كمفردات أساسها المبنى المعروف بـ«الثلاثي»، أي الكلام المؤلّف من ثلاثة حروف صحيحة، فيما كشف عمل التأصيل وجود هذه المفردات كعناصر في «أوعية» لغوية تشترك في نطاقات اللفظ والمعاني والحالة البيانية.

وبدا واضحاً أن التراكم اللغوي والتدرّج في اكتساب المعارف أدىا في مرحلة متطورة من حياة المجتمعات الانسانية الأولى إلى تضمين اللفظات في الأوعية المناسبة للدلالة على الحالات البيانية التي اعتبرها الأوّلون مهمة في حياتهم. مثلاً، النواة عش أصل العدد عشر لكنه أيضاً أصل «عشيرة». ويمكن الافتراض أن الانسان الذي احتاج إلى الدلالة على العدد «واحد» في زمن ما، احتاج إلى الدلالة على العدد «عشر» في زمن أبعد من الأول، ثم احتاج إلى الدلالة على لفظة مثل «عشيرة» في زمن أبعد من الزمنين السابقين.

وكلا حد (واحد) وعشر (عشرة) من الدلالات الثابتة، أي أن العدد واحد لا يمكن أن يعني ثلاثة أو خمسة، ولا يمكن أن يعني العدد عشرة أي رقم آخر. أما  العشيرة فهو مفهوم اجتماعي متطوّر. وبما أن عمر الكلام لا يُحسب بآلاف السنين بل بعشرات الآلاف، يمكن الافتراض أيضاً أن الانتقال من الدلالة على الحالات والأشياء بالنوى والمقاطع الأحادية إلى الدلالة على الحالات والأشياء باللفظات الثلاثية لا يُقاس بمئات السنين بل بآلاف السنين، وهذا استنتاج يمكن البرهنة عليه بتزمين كلام الآكادية.

وتطلّب الانتقال من التعبير عن الأشياء المجرّدة إلى التعبير عن المفاهيم مرحلة متقدمة من الوعي الانساني الذاتي، سبقتها مرحلة لم يعتبر فيها الانسان نفسه كائناً يختلف عن باقي الكائنات التي تعيش في بيئته. ويكشف تأصيل الكلام أن الانسان لم يكتسب الكثير من أشكال الوعي الذاتي، كما يبدو، إلا من خلال مراقبة الكائنات في بيئته، فرأى في بعض سلوكها الاجتماعي الكثير مما لم ينتبه إليه في سلوكه الاجتماعي. وإذا أمكن القول إن الطبيعية كانت معلم الانسان الأهم، يمكن القول أيضاً إن دور الحيوان في توسيع مدارك الانسان كان كبيراً هو الآخر، خصوصاً الطيور التي تعلّم الانسان من مراقبة أعشاشها مفاهيم العشرة والعشيرة والمعاشرة والرزق، ثم تعلم من القبّر كيف يقبر موتاه بدل ترك الجثث في العراء أولاً ثم إيداعها الجرار والتوابيت في ألفيات لاحقة، وأوحى إليه الوز في مرحلة لاحقة بمفاهيم الأوزان والزوايا، فيما استمد الانسان مفاهيم «الرتب والمراتب والترتيب والتراتبية» من الرت، أي «الخنزير البري».

وكلام العاربة أقدم المخلّد في التاريخ، ومن السهل تحديد مبانيه اللغوية الرئيسية الخمسة حتى في أقدم النصوص المخلدة التي تعود إلى نحو 4500 سنة. واللفظ سبق التخليد لا ريب، وبما أن أصول كلام العاربة من النوى والمقاطع الأحادية، يمكن الافتراض أن الأصول تلك أقدم بكثير من كلام العاربة لأن بعضها يتصل بأهم متطلبات استمرار الحياة مثل الماء (مأ) والطعام (كل) والجنس والحياة (أر، نك) والبيوت الأولى (بت) وحيوانات البيئة (بع، عن وفخ).

ولأقدم كلام الانسان مواصفات معروفة وُجد الكثير منها في الكلام الثنائي، فيما استبعدت الدراسة ما عرضه بعض الباحثين باحتمال وجود «لغة» أحادية الحرف سبقت ابتكار كلام النوى والمقاطع، لأن مثل تلك اللغة المفترضة عاجزة عن تقديم الدلالات المناسبة بسبب اقتصار كلامها على عدد محدود جداً من اللفظات الأحادية. وكما سبق ابتكار الأعداد الأولى ابتكار الأعداد الأكبر بألوف السنين، كذا يمكن الاستنتاج أن كلام النوى والمقاطع سبق الكلام الثلاثي وكلام الاشتقاق بآلاف السنين، لذا سبق كلام النوى والمقاطع بالضرورة كلام العاربة بآلاف السنين، وكان كلام «أهل الزمان الأول».

وأهل الزمان الأول أهل عصر الحجر وسكان الكهوف والغيران وأكواخ القصب والأغصان. والحدود الجغرافية لأهل الزمان الأول حدود بيئتهم السكنيّة والمناطق التي يتوافر فيها الماء والصيد البري، أو البحري، والفاكهة والبقول والجذور الصالحة للأكل، فإذا أتوا على ما في بيئتهم من طعام انتقلوا إلى بيئة أخرى. ولأهل الزمان الأول حدودهم الاجتماعية في عدد نسبي صغير جداً من الأسر، وعلاقة الأسر ببعضها، وأهمية تعاون الجميع لتأمين الماء والغذاء، وبالتالي ضمان استمرار الحياة والنوع بما يشمل مقاومة الأخطار التي تهددت بقاء الناس، وأهمية التعاون للتصدي لهذه المخاطر ومنها الثعابين السامة، والسباع التي كانت في زمانهم أشد فتكاً من الأنواع التي تلتها.

وحدود كلام أهل الزمان الأول حدود ما تقدم وغيرها من الحالات الطارئة أو الدائمة التي تطلبت الحاجة للتعبير عنها والدلالة عليها ابتكار الكلام المناسب وتأمين اصطلاح الأفراد عليه. ويعني هذا أن الكلام كان كلام الحاجة الضروري للاستمرار والبقاء، وتدلّ دراسته على أن الانسان الطبيعي لا يبتكر عادة كلاماً لا حاجة له به، وهو يتعامل معه بقدر حدود تعامله مع البيئة التي يعيش فيها، فيتراكم الكلام لفظة لفظة، وجملة قصيرة وأخرى. ويساير معظم الأفراد هذا التراكم الطبيعي عن طريق سماع اللفظات وفهمما وترديدها بطريقة تضمن فهم الآخرين لها. والفهم المتبادل للكلام ليس وسيلة التواصل الأساسية في كل المجتمعات فحسب وإنما وسيلة أساسية أيضاً لاستمرار الحياة وبقاء النوع لما للكلام من أهمية حاسمة في تعبئة أفراد الأسر القديمة وتنظيمهم لجمع الطعام والتنبيه على الأخطار وتوفير الحماية المشتركة.

وبما أن الكلام كلام البيئة في عصر ابتكار الكلام، فمن الممكن، في حالات كثيرة، دراسة هذا الكلام للتعرّف على طبيعة البيئة التي عاش فيها أهل الزمان الأول. وبدراسة كلام الاجتماع، يستطيع الباحث، في حالات، تحديد طبيعة العلاقات الاجتماعية بين المرأة والرجل، والأسرة والثانية، والمجتمع الصغير والآخر. وإذا تمكّن الباحث من فرز كلام الطعام والوحش والمساكن، فربما استطاع تحديد أنواع الطعام والوحش والمساكن الأولى.

وللباحث أن يتوقع احتواء الكلام القديم على الدلالات المعبّرة عن الحالات الطبيعية لا المفاهيم الاجتماعية والعاطفيّة التي يجدها في الكلام الثلاثي مثل «الضمير» و«الحسب» و«النسب» و«الأخلاق» و«الفخامة» و«الشرف» و«الكبرياء»، وغيرها المئات من المفردات التي انتجتها حالات ألفيّة لاحقة. ولبعض الكلام عصوره الخاصة به، فمن غير المتوقع أن يجد الباحث في كلام عصر الحجر اللفظات التي فرزها العصر الزراعي، مثل «قمح، سقى، فلح، حصد، درس وخبز»، وغيرها. إلا أن الباحث يستطيع توقّع تحديد النوى والمقاطع الأحادية التي «نسل» الناس منها هذه اللفظات.4

وفي معارف الكلام الاستثناءات الموجودة في المعارف كافة، لكن يمكن القول في العموم إن لكل عصر نشاطه وحالاته. وبما أن الكلام يعبّر عن النشاطات والحالات المهمة في العصر، فالكلام كلام العصر، وكلام مباني العصر. ويعني هذا أنه على الباحث في التأصيل النظر في احتمال استبعاد لفظات ثلاثية في عصر النوى والمقاطع. وإذا تحقق مثل هذا التأصيل فإن الباحث يرد الكلام اللاحق إلى السابق، والثلاثي إلى النوى والمقاطع الأحادية، والنوى والمقاطع الأحادية إلى أصول بعضها طبيعي وبعضها مُستمد أو مطوّر من أصول طبيعية.

الثنائية اللغوية

يواجه كثيرون من الناطقين بالعربية الحديثة وضعاً لغوياً يختلف عن وضع الناطقين بمعظم اللغات الرئيسية في العالم يمكن تسميته بـ«الثنائية اللغوية» (diglossia) أساسه الاضطرار إلى النطق بلغتين لا واحدة: الأولى هي المحكيّة، والثانية الفصيحة، فيما تنطق مجموعة صغيرة نسبياً ما يُعرف بالـ«فصحى». ومعظم الناس يتخاطبون مع أنفسهم، ومع الناس العاديين مثلهم، بالمحكيّة، فهي اللغة التي يتقنها اللاوعي لا بالتقليد في مرحلة الطفولة التي تتأسس خلالها اللغة والوعي فحسب، بل بالتأسيس اللغوي التاريخي أيضاً، لأن للمحكيّات أصل سبق العربية الحديثة بألوف السنين، وأدّت الوظيفة المتوقعة منها في تحقيق تواصل المجتمعات بنجاح مُلفت.

وتختلف القدرة التعبيرية من شخص إلى آخر، سواء كانت واسطة الكلام الفصيحة أو المحكية. كما تختلف حالات التعبير، فربما فكّر البعض بالفصيحة، وأحياناً بالفصحى، ونطق بالصنف الذي يتقنه أكثر من غيره، وربما فكر البعض بالمحكيّة ثم ترجم كلامها إلى الفصيحة، أو ربما استدعت حالة ما جمع خيوط الفكرة بالمحكيّة قبل نقلها إلى الورق أو الكومبيوتر. ولا يترجم اثنان النص ذاته بالطريقة ذاتها، وكذا الترجمة من المحكيّة إلى الفصيحة، فيصيب الإنسان في حالة ويخطىء في أخرى ويشط في ثالثة، فيما يمكن، في حالات المقابلات العلنية، ملاحظة انتقال المتكلم من الفصيحة إلى المحكيّة في حالة تشبه ما يعرف في علوم اللغة باسم «التحوّل الرمزي» code switching)) فيزج المتكلم في كلام لغة معينة لفظات أو تعبيرات بلغة أخرى يعتقد اللاوعي أنها أقدر على نقل الفكرة المطلوب نقلها، أو أن استخدامها يُحسّن صورة المستخدم أو يضعه في مركز اجتماعي أعلى من مستوى المخاطب أو في اعتبار السامع والمشاهد.

ويتعامل العقل مع الكلام بصورة غاية في التعقيد، لكن النطق المسترسل لا يتحقق إلا عندما يتولى العقل الكامن التعامل مع الجزء الأكبر من الكلام، فيصبح الكلام في هذه الحالة مثل سياقة السيارات، لا يتقنها الانسان جيداً إلا بتراكم الخبرة والممارسة، حتى أن كثيرين يستطيعون قيادة السيارات وهم يفكّرون بأشياء أخرى لا علاقة لها بالقيادة.

ويبدو أن أحد أهم أسباب افتراق الكلام إلى فصيح ومحكي تطوير السوابق الثلاثية لأن إيقاعها اللفظي ثلاثي غاير الايقاع اللفظي الألفي الثنائي الذي قام عليه الكلام. ويُعنى بذلك أن معظم الكلام قبل السوابق الثلاثية كان الحركة، بالفتحة، والسكون. لكن السوابق الثلاثية جاءت بتتابع صوتي مختلف هو الحركة (الفتحة) والحركة (الفتحة) والسكون، مما أدى إلى اضطراب إيقاع الكلام.

واستوعبت المحكيّة الكثير من السوابق الثلاثية مثل: «وقع، دخل، قتل، خبز، بخل»، وغيرها، لكن بعض السوابق الثلاثية لم تكن مهمة للناس العاديين بعدما صار هذا المبنى من المباني التي فضّلها الكهنة والخطباء والشعراء، وهي كثيرة في كلام النصوص. وأمكن استيعاب السوابق الثلاثية المفيدة في كلام المحكيّات بعد اخضاعها للقواعد التي تحكم المحكيّات، فيما احتفظت المحكيّات عموماً بالايقاع الثنائي الذي لا يزال عماد كلامها إلى اليوم.

وفي الكلام سوابق ثلاثية لبعض أقدم الكلام، كما في السابقة الثلاثية «أكل ← كل»، لكن يُعتقد أن بعض هذه السوابق انتاج عصر لاحق، وابتكرها الناس لتوسيع نطاق معاني أصلها الثنائي، أو لاختصار أهم معاني الأصل الثنائي في كلمة متفرّدة. وهذا يعني أن قسماً من السوابق الثلاثية ربما سبق مبنى النسائل الذي طوّره الناس للتعبير عن الأشياء والحالات التي أنتجها العصر الزراعي. لذا يُعتقد أن افتراق الكلام إلى فصيح ومحكي ربما بدأ قبل أكثر من خمسة آلاف عام، أي نحو منتصف العصر الزراعي.

ويردد أهل المحكية عدداً معتبراً من كلام الضاد، لكنهم يتجاهلون عادة نطق حروف الثاء والذال والظاء التي ألحقها البعض بكلام العربية الحديثة. والقاف التي ينطقها بعض أهل المحكيّات همزة، والبعض الآخر بصوت قريب من الجيم اليمنية، أو كافاً. ويشكل بدل أربعة حروف نسبة مهمة من أبجدية تتألف من 28 حرفاً، لكن هذا ليس السبب الوحيد في استمرار ابتعاد المحكيّات عن الفصيحة، وابتعادها الأكبر عن الفصحى لأن النوعين الأخيرين من الكلام محكومان بمجموعة من القواعد المتغيرة التي تتطلب من الناطق بهما الاعراب المتزامن مع النطق، والاضطرار إلى استشارة العقل الواعي بصورة شبه دائمة أحياناً للربط بين أجزاء الكلام. وهذه، وغيرها، من النتائج الطبيعية التي يمكن توقّعها عندما تتحكم النصوص بالنطق، أو في الحالات التي ابتكر بعض أهل اللغة القواعد الحديثة باستقراء الكلام القديم، فهو عكسٌ للاتجاه الطبيعي للكلام الذي بدأ بالنطق قبل أن يُضبط بالقواعد المستمدة من المنطوق لا من المكتوب.

ولكل اللغات الرئيسية قواعدها المعروفة، لكن دراسات اللغة انتقلت منذ فترة طويلة من التركيز على المكتوب إلى التركيز على المنطوق، فهو أصل الكلام في الماضي وسيكون أصل الكلام في المستقبل. ولو احتكم أهل اللغة إلى المنطوق لا إلى المكتوب، أو تعاملوا مع المحكيّات بالجدّية التي تستحقها كواحدة من أقدم ما استمر من لفظ الخلق، لما وصل الافتراق بين المحكيّات والفصحى إلى وضعه الحالي، ولما اضطر معظم الناس إلى توظيف جزء كبير من قدرات العقل الكلامية لترجمة المحكي إلى الفصيحة بدلاً من توظيف القدرات تلك لتحسين التعبير.

ويختلف الباحثون في تقييم فائدة بعض قواعد العربية، إلا أن الاتفاق أشمل في الاستنتاج أن استيعاب الناطق كل القواعد التي وضعها أهل اللغة قبل أكثر من ألف عام، إن كان ممكناً، لا يضمن تحويله إلى متكلم «فصيح». ولا يتوقع بعض الباحثين أن ينطق كل أهل العربية بالفصحى لأن الكلام اصطلاح الناس على النطق به وحاجتهم إليه، ولا يبدو أن أهل المحكيّة يحتاجون النطق بالفصحى أو الفصيحة لضمان التواصل، ولا يجد الباحث في كلامهم تعابير مثل«ضاق ذرعاً» و«استشاط غضباً» و«لا ناقة له ولا بعير» و«أدلى بدلوه في الأمر» و«صار كالقابض على الجمر»، وغيرها.

وربما قيل إن العكس ليس واقعيّاً، أي أن الناطق بالفصحى أو الفصيحة لا يستطيع الاستغناء عن المحكيّة في البيت والشارع والسوق والمقهى، وربما لن يبدو كلامه الفصيح مناسباً لسرد تفاصيل مشاهدة ما أو نكتة ما، وقليلون هم الأزواج الذين يستخدمون الفصحى في مخاطبة زوجاتهم أو أبنائهم، وربما بدا بعض هذا النوع من الكلام صنعة في غير محلها. لذا، لا يوجد، حقيقة، سبب مقنع لحمل أهل المحكيّات على النطق بالفصحى، ولا توجد وسيلة حقيقية تضمن الاصطلاح. وعليه يتوقع البحث تسارع ابتعاد البعض عن الفصيحة لأسباب عدّة منها شيوع استخدام وسائط الانترنت الاجتماعية، وربما نشوء حالة لغوية ثلاثية تتضمن استخدام المحكيّات وبعض أشكال الفصيحة ولفظات أو تعبيرات انكليزية وفرنسية. وإذا لم يتحقق للعربية الاصلاح السريع المناسب فربما وجدت نفسها تواجه مصير اللاتينية الكلاسيكية الذي يقتصر استخدامها اليوم على بعض دورالعبادة والمحافل الآكاديمية.

باحث ومؤرخ وروائي، والنص هذا من المجلد الثاني من كتاب الأصول وعنوانه: أصل الكلام: لسانا العاربة والعربية وأصولهما الجنينية في عصر الحجر، أصدرته دار أوثر هاوس الاميركية قبل اسبوع. ومعظم بحوث المجلد بحوث أصليّة تُكشف للمرة الأولى في تاريخ الكلام اقتضى تقديم أكمل صورة ممكنة لمراحل تطوّر الكلام من بداياته الأولى في عصر الحجر إلى ذروته في عصر العاربة، عندما صارت لغتهم أهم لغات العالم القديم، ولسان بعض أكبر الامبراطوريات الألفية التي قامت في العراق ومصر والشام. وُعرضت في المجلد مباني كلام العاربة كما كشفها التأصيل، وبما يتضمن الفصائل اللغوية والحالات البيانية التي ضمنت، إلى حد كبير، خلود كلام العاربة لأن الكثير من هذه الحالات حالات إنسانية في كل مكان وزمان. ووُجد من المهم تقديم صورة مناسبة عن البيئات الطبيعية التي استمد أهل الزمان الأول من طبيعتها ومن كائناتها الكثير من معارفهم الأولى، وبعض أصوات حروفهم. وكان المجلد الأول صدر عام 2010 بعنوان: الأسس الطبيعية لحضارة العــرب وأصل الأبجديات والعد والأرقام والمقاييس والأوزان والقضاء والنقد.

1 *ره رهب راهبات؛ *رع (إله مصر القديمة) رعب رعد.

2 مُلفت في شرح رعد:  «قال الأخفش: أهل البادية يزعمون أن الرعد هو صوت السحاب والفقهاء يزعمون أنه ملك؛ قوله تعالى: ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته (الرعد 13)، قال الزجاج: جاء في التفسير أنه ملك يزجر السحاب، قال: وجائز أن يكون صوت الرعد تسبيحه لأن صوت الرعد من عظيم الأشياء.» وزعم ابن عباس: «الرعد ملك يسوق السحاب كما يسوق الحادي الإِبل بحدائه»، وسُئل وهب بن منبه عن الرعد فقال: «الله أَعلم».

3 Hitti, Philip. History of the Arabs, (10th Edition, 1974), p. 12.

4 نوى اللفظات التي وردت في هذه الفقرة بين مزدوجين هي: «الضمير» ← ضم؛ «الحسب» ← حص؛ «النسب» ← نس؛ «الاخلاق» ← خل؛ «الفخامة» ← فخ؛ «الشرف» ← رف؛ «الكبرياء» ← كب؛ «قمح» ← قم؛ «سقى» ← سق؛ «فلح» ← فل؛ «حصد» ← صد؛ «درس» ← در؛ «خبز» ← بز.

 

فراس النجار: الولادة من الخاصرة – تنصيب الخرافة..!

 
Friday, September 13, 2013, 5:58:45 PM |

رغم ما تثيره العلاقة، بين أجناس الفنون والآداب وبين الواقع المحايد، من جدل قد يكتسي أحياناً سمة فلسفية أو ميتافيزيقية.. وبرغم تنوع وتباين أطروحات المذاهب الفكرية والنقدية بشأنها، فإنه من شبه المتفق عليه أن حضور الواقع ولو نسبياً في الفنون والآداب له طبيعة عضوية، بمعنى أن غيابه بشكل تام عن أي عمل سيطيح بالصفة الفنية ويحوله إلى ضرب من الهذيان. على أن شكل هذا الحضور أو الاستحضار وطريقة التعاطي معه ومستويات التركيز هي مما يؤثر في نوعية وتصنيف العمل على أساس فني بين واقعي أو سريالي أو رمزي… كما الاقتطاع الانتقائي منه قد يدل على موقف أيديولوجي أو سياسي مضمر. على أن الأعمال التي تتمتع بسوية فنية عالية هي التي تتمثل من الواقع لتعيد إنتاجه ضمن بنية يصعب فيها الفصل بينه وبين الفني الخالص.

في الجزء الثالث من مسلسل (الولادة من الخاصرة – منبر الموتى)، كتبه سامر رضوان وأخرجه سيف الدين السبيعي، يُطرح الواقع السوري على نحو يثير كثيراً من الغموض والجدل. فأي فهم للواقع الموضوعي المجرد قدمه المسلسل؟ وأي اختيارات تم اقتطاعها منه؟ وهي اختيارات تدل ولو بشكل موارب خفي على ميل وتوجه كامنين خلف رؤيته..!

بداية يجدر بنا التنبه إلى أن الواقع المجرد عموماً هو واحد لا يختلف فيه اثنان يتمتعان بحواس طبيعية وعقل سليم. فواقعة، كحادث دهس سيارة لطفل مثلاً، مستقلةٌ مجردةٌ، يقع الخلاف والاختلاف في عملية امتلاكها معرفياً. ففي بناء الحدث يتم الاقتطاع من عناصرها، والتركيز على جزئيات وإهمال أخرى، بتحليل وإعادة تركيب يختلف من شخص إلى آخر. وعلى ذلك قد نستمع إلى روايات (أحداث) بقدر الرواة مع أن الواقعة واحدة.. فممن يسرد الواقعة في سردية حدث عن استهتار المترفين بأرواح البسطاء والكادحين، إلى من يسردها على أساس من فساد الدولة العام ومنه قطاع شرطة المرور أو الجهات القائمة على إنشاء الطرق، إلى ضريبة التمادي في نزعة اقتناء ثمرات الصناعة والتطور العلمي على حساب الطبيعة والبيئة… الخ. ولا يخفى أنه كثيراً ما يكمن خلف كل حدثٍ مسبقٌ أيديولوجي يركّب الحدث من الواقعة المجردة.

يختار المسلسل من واقع سوريا منذ آذار 2011م جملة من الوقائع. فالزمن الواقعي، كما الدرامي، يبدأ من أحوال حي المساكن الذي يعاني الأهالي فيه من فساد الإدارة الحكومية في صور شتى منها الاستملاكات الجائرة والتهميش، فيلجؤون إلى المظاهرات السلمية -وهو ما يعيد إلى الأذهان حمص (مدينة الكاتب)، التي شهدت مظاهرات لأول مرة في أواخر 2007م نددت بقرارات استملاك غير دستورية، وطالب بعضها بإسقاط المحافظ- ويختار أيضاً جملة من العلاقات بين أفراد من داخل السلطة ومن خارجها، ضباط مخابرات واسعي السطوة والنفوذ مع فاسدين وبسطاء ثم لاحقاً بعض المحسوبين على الثورة وقادة مجموعات التشبيح! ويُلاحظ تصويره لأجهزة الأمن والمخابرات كبؤر فاسدة عموماً، تتجمع في ممارساتها كل ألوان السادية والوحشية، إضافة إلى نشاطات أغلب ضباطها من استغلال للنفوذ واستهتار بالقوانين والأنظمة لتحقيق ثروات هائلة. يتحول الحراك من السلمية إلى أول أشكال التسلح مع إطلاق عناصر الأمن النار على المتظاهرين السلميين من أهالي حي المساكن المطالبين بإطلاق سراح زملائهم المعتقلين -في مقاربة جلية للأحداث الأولى في درعا آذار 2011م- ، أقول الحراك بحسب المسلسل وليس الثورة كما سنرى..! في المحصلة تتحمل الأجهزة الأمنية المسؤولية الكاملة عن الرزايا والمفاسد التي ألت إليها الأحوال، بينما في الواقع السوري النظام هو من أوجد تلك الأجهزة وهو من أطلق يدها في المجتمع والدولة وهذا من الوقائع التي أهملها قصداً..

يُلاحظ أن بناء الشخصيات الدرامية عموماً يوصم بالنمطية الثنائية. فالمقدم رؤف السادي يقابله المقدم فايز الإنساني، أبو نيبال المجرم الشبيح يقابله جابر المواطن الطيب، مهران الثائر المزيف المشبوه يقابل أبا الزين الناشط الثائر النزيه الذي دُفع إلى حمل السلاح.. هذه الثنائية، على أساس الأسود الشرير المحض أو الأبيض الخيّر المحض، تتناقض مع الواقع الحياتي حيث المجال الأكبر للرمادي والمختلط لأي شخصية إنسانية. ولعلها تنم عن إلحاح في تقديم صياغة بعينها للواقع.. ومن اللافت أن المسلسل وعلى امتداد حلقاته قد حفل بشخصيات كثيرة، لا سيما من أهالي الحي، قد مرت مروراً عابراً، حتى ليصعب على المتابع تذكرها. وهذا مما نتج عن الشرخ بين المستوى الواقعي وبين المستوى الدرامي. فمن المشاهد ما اقترب من الواقعية التسجيلية وبعضها مما يصح اعتباره وثائقياً وإن بصورة لوحات تمثيلية..

ربما جسد المسلسل كثيراً من وقائع القمع والفساد. لكن العبرة تبقى في التركيب النهائي للتفاصيل والوقائع المنتقاة، وفي إخراجها النهائي في صورة الحدث، وهو الامتلاك المعرفي للواقع المحايد الذي يحظى في حالة الفنون والآداب ببعد جمالي..

في الحلقات الأولى كانت مشاهد الجرائم المرتكبة من قبل الأمن ورجال العصابات ضد المواطنين تترى تباعاً. لكن منذ التحول إلى التسليح غابت تلك وتتابعت حتى النهاية مشاهد ضحايا الجيش..! فهل كان هذا شجباً للحراك وإنكاراً لثوريته لصالح تقرير إجرامه على قدم المساواة مع إجرام الأجهزة الأمنية والعصابات..؟

ثمة مشهدان بالغا الدلالة والإيحاء لدرجة يصح معها اعتبار كل منهما مفتاحاً للحدث الذي يقدمه المسلسل. الأول في الحلقة الثانية عشرة، وفيها يظهر المقدم فايز (الفنان ماهر صليبي) في مكتب رئيسه العميد (الفنان فائق عرقسوسي)، وكل منهما من الشخصيات القليلة التي تتحلى بالشرف والوطنية في الأجهزة الأمنية الفاسدة. يخبر الأول الثاني بعزمه على طلب النقل من المخابرات إلى الجيش. وبعد حوار قصير عن الواجب والمسؤولية يتقدم العميد من المقدم ويحييه ثم يعانقه.. فكان عناقاً بين شرفاء وليس بين شريفين..! فصورة رأس النظام (بشار الأسد) كانت بينهما تماماً! وبذلك نعود إلى خرافة طالما رددها بعض أبناء شعبنا قبل الثورة، وما زال كثير من السذج أو أصحاب المقاصد يرددونها رغم كل ما حدث حتى الآن.. فالأسد رئيس رائع وممتاز..! لكن الحاشية أو المخابرات (بحسب المسلسل) هم الفاسدون المنحرفون…!!!

المشهد الثاني كان في النهاية.. فأم رامي (الفنانة نادين)، وهي من الموالاة، تقوم برعاية جريح دون أن تدري أنه عنصر أمن منشق قتل ابنها الجندي الموالي. ثم تحصل المقابلة بينها وبين أم المنشق (الفنانة سمر سامي). تخبرها الأخيرة وتطلب منها الصفح.. وينتهي المسلسل دون نهاية واضحة.. في هذه الرمزية يتضح الحدث تماماً في (الولادة من الخاصرة). فهو حراك سلمي من أجل مطالب مشروعة لكنه تحول إلى أي شيء.. أي شيء غير الثورة! أي شيء مذنب مجرم مدمر فاق الأجهزة الأمنية في إجرامها، وصار يتوجب على المعارضين طلب الصفح والمغفرة من الموالاة..!! ومما يؤكد هذا العودة إلى بداية شارة المسلسل، إلى العتبة النصية أي عنوان السيناريو.. (الولادة من الخاصرة – منبر الموتى). الخاصرة دلالة الضعف، والولادة منها ليست إلا موتاً أكيداً، والحراك ككل هو منبر للموتى..!!. كل الثورات رغم كل دمارها وخرابها تُوصف بالولادة والربيع والخصب.. لا أحد يصف ثورة بالموت إلا إن كان ينكر عليها ولو ضمناً ثوريتها..

يقول الكاتب سامر رضوان إنه ليس سوى محاكاة.. ويقول الفنان عبد الحكيم قطيفان إن حوالي 70% من المسلسل حقيقي ومنصف.. ومع احترامنا لهما نقول إن حدث المسلسل خرافة فقدت صلاحيتها منذ أمد طويل.. فهل جاء إحياؤها الآن من باب القناعة الشخصية..؟ أم من باب الموازنة والإمساك بالعصا من المنتصف..؟!

سؤال برسم إجابة الكاتب أولاً ثم المخرج وجهة الإنتاج.

فراس النجار

حمص الحصار في  آب 2013م

 

سمير سعيفان: دور مزعوم للنفط والغاز في الصراع في سورية

 
Monday, September 02, 2013, 11:06:02 PM | admin

 

ضمن سعيه لترويج أن الصراع هو صراع على سورية، وليس نزوع السوريين للحرية والكرامة، يسعى النظام لترويج أن الصراع إنما هو على النفط والغاز السوري في جانب رئيسي منه، ويبرز قضيتين هما وجود الغاز والنفط في مياه شرق المتوسط مقابل السواحل السورية، وخط أنابيب غاز من قطر نحو أوروبا. وسنبدي هنا وجهة نظرنا في هاتين القضيتين بناءً على خبرة عملية في قطاع النفط والغاز في سورية منذ 1996 حتى 2011.

المسألة الأولى: الزعم بأن وجود نفط وغاز مقابل السواحل السورية بكميات هائلة على هي سبب رئيسي “للمؤامرة الكونية على سورية”. نعم، يوجد احتمالات مؤكدة لوجود نفط وغاز مقابل الساحل السوري، وقامت شركة سويدية بالاتفاق مع الحكومة السورية، بمسح أولي على حسابها في المياه الاقتصادية المحاذية للساحل السوري عام 2007 على ما أذكر كي تبيعها للشركات التي ترغب بالاستثمار، وأعطى المسح مؤشرات على وجود غاز ونفط، ولكن كميات المخزون غير معروفة، هل هي كميات تجارية كبيرة، أم كبيرة جداً، أم هائلة؟ فالنفط والغاز يمكن أن يوجدا في أماكن كثيرة ولكنهما لا يكونان قابلين للاستثمار إلا اذا كانا بكميات تجارية مربحة. وعادة لا تعرف كميات المخزون في أعماق البحر أو أعماق الأرض قبل أن يتم حفر عدة آبار استكشافية، كي يقوم الخبراء بتقدير كميات المخزون ورسم خريطة تواجده حتى يتم التأكد من توفر كميات تجارية وبعدها يبدأ حفرُ الآبار الإنتاجية. وهذا لم يحدث بعد، ولم تقم الحكومة السورية أو أية جهة أخرى بحفر أي بئر لأن حفر البئر في البحر يكلف نحو 150 مليون دولار تقريباً بينما البئر في اليابسة تكلف بين 15 – 30 مليون دولار تقريباً.

طرحت الحكومة السورية تلك الحقول المقابلة السواحل السورية للمستثمرين الدوليين عدة مرات منذ نحو 6 سنوات في دورات الإعلان عن الاستثمار التي كانت تنظمها كل عام، ولكن لم تتقدم أي من الشركات العالمية للاستثمار في هذه الحقول، وكانت الحكومة السورية قد فتحت باب الاستثمار للراغبين منذ سبعينات القرن العشرين، وكانت ترحب بقوة بقدوم أية شركات، لأن إنتاج النفط والغاز من الحقول القديمة في الحسكة ودير الزور كان يتراجع ووصل عام 2010 الى 380  ألف برميل نفط في اليوم بينما يتزايد الاستهلاك المحلي ووصل حتى 340 ألف برميل نفط في اليوم فقط مما أدى لتآكل الفائض ووصل حتى 40 – 50 الف برميل في اليوم وكان هذا الفائض مرشحاً للتآكل السريع عام 2011 بدون أية أحداث، بينما كان الفائض أواخر تسعينات القرن العشرين نحو 400 ألف برميل في اليوم. وهذا أدى لحرمان الخزينة العامة من موارد رئيسية كانت تشكل نحو 45% من الموارد المحلية في فترة الذروة وتشكل المصدر الرئيسي للعملات الصعبة للحكومة، بينما لم تحقق كافة الامتيازات التي منحت للشركات الأجنبية في السنوات العشرين الأخيرة أية استكشافات نفطية تذكر في مجال النفط عدا شركة “غولف ساندز” البريطانية العائدة لرامي مخلوف عملياً، والتي وصل إنتاجها عام 2011 الى 20 ألف برميل نفط في اليوم فقط. اضافة لاكتشافات غازية ساعدت بسد احتياج سورية من الغاز ولكن بدون فائض بل كانت سورية تستورد عام 2010 نحو نحو 1.5 مليون م3 غاز في اليوم من مصر عبر “خط الغاز العربي”.

اذن الحكومة السورية كانت بأمس الحاجة لاجتذاب شركات كي تنقب في اليابسة أو في البحر لإنتاج أية كميات إضافية من النفط والغاز، وكان رامي مخلوف مستعداً لتقديم كل شيء للشركات الراغبة، كما فعل مع شركة غولف ساندز البريطانية، وكما فعلوا مع شركة شل الهولندية عندما جاءت أواسط الخمسينيات، فوكيلها غير المعلن هو محمد مخلوف “أبو رامي”. هذا يشير إلى أن الشركات الدولية لم تكن تأمل آنذاك بوجود مخزون تجاري كبير.

أما فكرة المؤامرة القائلة بأن الشركات الأمريكية والأوروبية تعرف بالمخزون ولكنها ترفض القدوم والإنتاج بسبب “ممانعة نظام الأسد” فهي مزاعم لا أكثر. فعندما اكتشفت شركة شل النفط عام 1985 في سورية جاءت الشركات الكبرى الغربية إلى سورية ومنها شركات أمريكية مثل شركة اكسون موبيل وغيرها وبقيت تنقب عن النفط حتى أواسط التسعينيات، ثم بدات بالانسحاب منذ أوائل التسعينات لأنها لم تجد اكتشافات جديدة هامة. وفي عام 2011 كانت شركات شل الهولندية وتوتال الفرنسية وبتروكندا الكندية وغيرها تنتج في سورية، وكانت تسعى لتوسع استثماراتها بأي شكل. إضافة لها كانت الشركة الوطنية الصينية للنفط تنتج في سورية وكانت الصين مستعدة للاستثمار في أية فرصة بسبب حاجتها الشديدة للنفط، كما أن الشركات الروسية جاهزة وترغب بالاستثمار في النفط والغاز وغيرها شركات كثيرة.

كل هذا يبين أن ما يُقال الآن عن وجود مخزون هائل مؤكد في المياه الاقتصادية المقابلة للساحل السوري يزيد عما لدى الكويت، وعن أنه هو السبب في الصراع على سورية هو مجرد تخرصات وسببه معروف.

لكن بدء اسرائيل بالإنتاج يرفع التوقعات، والاستثمار في هذه الحقول يحتاج لشركات عالمية كبرى بقدرات مالية كبيرة وبخبرات تقنية كبيرة في التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجها من البحر لأنه أصعب بكثير من اليابسة وأكثر كلفة.

قد يكون أحد أسباب هذا الترويج أيضاً الترويج لفكرة الانفصال وأنه سيكون لدى الكانتون الساحلي موارد نفطية هائلة، وهذا تقدير لا أكثر.

في الواقع هذا الاحتياطي هو لسورية ما بعد نظام الأسد ونأمل أن يكون بحجم مخزون الكويت مرتين.

المسألة الثانية: يُروج البعض لتفسيرات مفادها أن سبب الموقف الروسي تجاه النظام السوري يعود إلى خوف روسيا من أن النظام السياسي البديل للأسد سيقوم بالسماح بمرور الغاز القَطَري عبر الأراضي السورية باتجاه أوروبا منافساً للغاز الروسي وهذا يلحق ضرراً كبيراً بمصالح روسيا، بينما امتنع ويمتنع نظام الأسد عن تمرير هذا الخط وهذا ما دفع قطر لمناصبة الأسد العداء!!!

هذه، أيضاً، مزاعم لا أساس لها. ففي الواقع يوجد الآن “خط الغاز العربي” الذي ينقل الغاز المصري من مصر عبر العريش إلى الأردن وسوريا، والمخطط أن يتم مده الى لبنان وتركيا. وهذا الخط اعتبر مشروعاً أولياً على أمل توسيعه مستقبلاً لينقل الغاز من قطر والسعودية والعراق باتجاه أوروبا عابراً الأراضي السورية والتركية!.. ولكن كل هذا مجرد أفكار يطرحها خبراء ويتداولها سياسيون، ولم تنتقل إلى مستوى الخطة، ولم يبدأ أي نقاش جدي حول هذا الموضوع حتى الآن. ولكن أوروبا وسوريا تهتمان بهذا الخط. وقد رحب نظام الأسد بهذا المرور وسعى إليه بكل قوة لأنه يقدم له عائدات مالية كبيرة هو بحاجة إليها، إضافة إلى أنه يمنح سوريا موقعاً جيوسياسياً هاماً جداً، ولم يكن يأبه للروس وموقفهم، والروس يعرفون ذلك، ولكن المشروع لم يبدأ.

من جهة أخرى، روسيا ليس لديها أية مصالح نفطية في سورية، وسورية لديها كما بينا إنتاج صغير من النفط بلغ عام 2010 نحو 380 ألف برميل يومياً، وهبط الآن بمعدل النصف وهو لا ولن يكفي للاستهلاك المحلي. ولن يكون من السهل ارجاع الحقول التي أُغلقت لسابق إنتاجها.

كانت شركة واحدة روسية هي “شركة تاتنفت الروسية” تقوم بالتنقيب عن النفط والغاز في منطقة قريبة من الحدود العراقية لبضع سنوات ولكنها لم تكتشف أي نفط أو غاز وغادرت. كما كان يوجد شركة مقاولات روسية هي “شركة ستروي غاز” نفذت مشروع مقاولات في منطقة غربي تدمر وتنفذ مشروعاً آخر، هو مشروع مقاولات وليس استثماراً أو إنتاجاً في شمال تدمر. وهذه مصالح صغيرة.

مشروع عبور غاز قطر والسعودية والعراق إلى أوروبا هو مشروع كبير آخر مؤكد أنه سيبقى لسورية ما بعد نظام الأسد.

(من الدراسات المنشورة في مجلة أوراق)

 

بيان الرابطة حول محاولات زج الثورة السورية في صراعات ثانوية

 
Friday, January 25, 2013, 12:04:38 AM |

 في الوقت الذي تخطو فيه الثورة السورية خطوات هامة نحو الحرية المنشودة التي حرم منها الشعب السوري على يد نظام مجرم يحاول بعض الطغاة الصغار، ركوب موجة الثورة، واستغلالها لتحقيق بعض المكاسب الثانوية، وتحقيق بعض المآرب الذاتية، أو خدمة لهذا الطرف أو ذاك. وهم يظنون أن ثورة السوريين العظيمة، التي قامت ضد الطغيان والاستبداد من كل صنف ولون، ما قامت إلا لتستبدل طاغية بآخرين.لقد قدم شعبنا أنهار الدم، ليخلص مرة واحدة والى الأبد، من كل اشكال وضروب الاستبداد وامتهان الانسان و الحط من كرامته، وهو لن يسمح لكائن من كان بإطفاء جذوة شعلة الحرية،التي انتظرها لعقود طويلة.لقد استطاع النظام فيما مضى، وعبر أذرعه الأمنية والحزبية والاعلامية، بث الفرقة بين مكونات الشعب السوري، وهو يحصد اليوم بعض نتائج ما زرعه، على شكل صدام أحياناً، وتوتر احياناً أخرى، بين هذا المكون وذاك، وتلك الفئة وفئة أخرى، ويغذيها بكل اسباب التأجج والاشتعال أينما خبت، أو كادت تخبو.ومع أن الغالب الأعم، هو فشل تلك السياسة، التي مورست طوال حقبة البعث السوداء، بدليل ساطع، هو قيام هذه الثورة، ورفعها لكل الشعارات التي تؤكد بشكل قاطع، على كونها ثورة لكل السوريين، إلا أن النظام نجح بطريقة غير مباشرة في افتعال بعض الفتن، باستخدام جهات واطراف تدعي الانتساب الى الثورة وتعمل على هدمها من الداخل وتصويرها على أنها ثورة فئة من السوريين ضد فئة اخرى.وقد ازدادت هذه المحاولات مؤخرا، وخاصة في بعض المناطق السورية المتصفة بالتنوع المذهبي والاثني، وكان آخرها الصدام الذي حصل بين أطراف مسلحة في منطقة راس العين (سري كانييه) ونجم عن هذا الصراع، وقوع عدد من الشهداء من المدنيين الابرياء، وتهدم منازل آخرين، ونزوح اعداد كبيرة منهم بعيداً عن احيائهم وقراهم.واذا كان من المتوقع من عصابة الاسد ان تقصف المدنيين بالطائرات والدبابات والصواريخ فهذا متوقع لأنه نظام دكتاتوري وحشي، ولكن ان يأتي الأمر على يد من يزعمون الثورة على هذا النظام المستبد فهو شكل من أشكال الانحراف عن مبادئ الثورة واساءة لها.رابطة الكتاب السوريين تعتبر أي هجوم على مدنيين مدانا ومستنكرا من اي جهة جاء، وهي تعتبر هذه الممارسات خطيرة وتتعارض مع أهداف الثورة السورية العظيمة التي جاءت ضد الطغيان وامتهان الكرامة الانسانية للشعب السوري بغض النظر عن آرائه السياسية وانتماءاته القومية او الدينية او المذهبية.ندعو- كتاباً ومثقفين ونخبة سياسية سورية- الى ملاحقة ممارسي هذه الأفعال الاجرامية الدنيئة ونطالب بمحاسبتهم على افعالهم كما ندعو القيادات السياسية السورية في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية والمجلس الوطني وكافة التيارات السياسية الثورية السورية وكذلك القيادات العسكرية المنضوية تحت الوية الجيش السوري الحر لاستنكار هذه الأعمال وملاحقة مرتكبيها بصفتها جرائم ضد الانسانية.

 

النظام الأساسي لرابطة الكتاب السوريين

 
Monday, December 03, 2012, 10:28:26 PM |

اجتماع الأمانة العامة لرابطة الكتاب السوريين

القاهرة في 18/9/2012

مناقشة وإقرار النظام الأساسي للرابطة

القانون الأساسي لرابطة الكتاب السوريين

تتألف “رابطة الكتاب السوريين” من الأشخاص الذين تتوفر فيهم شروط العضوية المنصوص عليها في النظام الداخلي، والمتلزمين بأهداف الرابطة وقانونها الأساسي ونظامها الداخلي.

أهداف الرابطة

تهدف الرابطة إلى المساهمة في بناء ثقافة وطنية ديمقراطية تستند إلى موروثنا الثقافي العميق والمتنوع، وتنطلق من روح الحداثة، منفتحةَ على التعدد الثقافي واللغوي لسوريا بعربها وكردها وسريانها وسائر مكوناتها الثقافية والقومية.

والرابطة، بوصفها إطاراً يوحد  جهود الكتاب المنظمين إليها، تلتزم بالدفاع عن حقوقهم الاعتبارية والمادية.

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف تعمل الرابطة على:

1-   تفعيل دور الكتاب السوريين الريادي وتعزيز ونشر الثقافة المدنية ودور منظمات المجتمع المدني.

2-   الدفاع عن حرية الكاتب والمبدع السوري في إطاردفاعها عن الحريات العامة وحقوق الإنسان.

3-   المساهمة في تنمية الحياة الفكرية والثقافية والفنية ودعم نشر الكتاب السوري والتعريف به

4-   السعي إلى تحقيق الرعاية الاجتماعية والصحية لأعضاء الرابطة

5-   العمل على توفير حق التفرغ لأعضاء الرابطة لإنجاز مشاريعهم الإبداعية التي تدخل في إطار أهداف الرابطة وتوجهاتها

6-   توثيق علاقات التعاون مع الهيئات الوطنية والروابط والاتحادات العربية والدولية ذات الأهداف والاهتمامات المشتركة، ويمكن للرابطة أن تتمثل في جمعيات أو هيئات عربية أو أجنبية ذات اهتمام مشترك.

7-   تتخذ الرابطة المواقف المنسجمة مع أهدافها بشأن القضايا العامة والاجتماعية والوطنية والإنسانية.

مشروع النظام الداخلي للرابطة

الفصل الأول: في الأهداف

المادة الأولى: الرابطة هي منظمة مجتمع مدني سورية، تضم في عضويتها كتاباً سوريين ومن في حكمهم، بمن فيهم المقيمين بصورة دائمة. ولمكتبها التنفيذي الحق في منح عضوية فخرية وشرفية لكتاب من البلدان العربية، ولشخصيات عامة ساهمت في دعم الرابطة ومساعدتها في تحقيق أهدافها وتطويرها.

المادة الثانية:  تهدف الرابطة إلى دعم الثقافة الوطنية الديمقراطية وتطويرها بمختلف تنوعاتها العربية والكردية والسريانية وسائر الثقافات الأخرى في سوريا، والدفاع عن الوضع الاعتباري للكاتب وصون حقوقه كرامته.

 

الفصل الثاني: في شروط العضوية والانتساب

المادة الثالثة: يحق لكل كاتب سوري، أو من في حكمه، من المقيمين الدائمين، الانتساب للرابطة إذا توفرت فيه الشروط التالية:

1-   أن يلتزم بمضمون البيان التأسيسي وأنظمة الرابطة الداخلية والأساسية. والمساهمة في النشاطات التي تقوم بها.

2-   أن يكون قد نشر أو ترجم كتابين أو دراسات ومقالات إبداعية توافق عليها لجنة شؤون العضوية  في مجالات الأدب والفن، وفي دراسات العلوم الاجتماعية والإنسانية.

3-   ان يلتزم بدفع مساهماته المالية المحددة من قبل الرابطة.

4-   أن يوافق المكتب التنفيذي على قبول عضوية طالب الانتساب.

المادة الرابعة: يفقد عضو الرابطة عضويته في الحالات التالية:

1-   الاستقالة

2-   إلغاء عضويته بقرار من المكتب التفيذي بناء على اقتراح معلل من لجنة العضوية.

3-   يمكن للعضو الذي فقد عضويته أن يطلب استعادة العضوية من الأمانة العامة بطلب معلّل.

الفصل الثالث: اختصاصات هيئات الرابطة

المادة الخامسة: تنبثق عن الرابطة الهيئات التالية:

1-   المؤتمر العام

آ. يتشكل المؤتمر العام من أعضاء الرابطة المحتفظين بعضويتهم بتاريخ انعقاد المؤتمر.

ب. تُحدد صلاحيات المؤتمر العام فيما يلي:

– رسم السياسات العامة للرابطة

– تعديل النظام الأساسي والنظام الداخلي

– دراسة وإقرار خطط الرابطة المالية والإدارية وأنشطتها المختلفة والمصادقة عليها.

– دراسة تقرير لجنة المحاسبة المالية وإقرارها.

– انتخاب رئاسة المؤتمر (رئيس ونائب رئيس وأمين سر)

– انتخاب أعضاء الأمانة العامة

– يعقد المؤتمر مرة واحدة كل ثلاث سنوات، ويمكن أن ينعقد المؤتمر استثنائياً بدعوة من الأمانة العامة، أو بطلب من أعضاء الرابطة بأكثرية النصف + 1.

 ثانياً-  الأمانة العامة:

أ‌-       تتشكل الأمانة العامة من 35 عضواً ينتخبهم المؤتمر العام

ب‌-  تجتمع الأمانة العامة كل ست أشهر ويمكن دعوتها للاجتماع استثنائياً من قبل المكتب التنفيذي، أو من ثلثي أعضائها

ج- تناقش الأمانة العامة مشروع البرنامج الثقافي ومشروع الموازنة والمصادقة عليها

هـ- تقر الأمانة العامة خطط  وبرامج مفصلة لجميع نشاطات الرابطة ، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية وغيرها التي يقترحها المكتب التنفيذي.

و- تسمي الأمانة العامة أحد أعضائها أمينا للسر.

و- تنتخب الأمانة العامة أعضاء المكتب التنفيذي

ز- للأمانة العامة تولي مهام المؤتمر العام بين دورتين

ع- تقبل الأمانة العامة استقالة أحد أعضائها أو أعضاء المكتب التنفيذي

ثالثاً–  المكتب التنفيذي:

أ‌.       يتشكل المكتب التنفيذي من 13 عضواً تنتخبهم الأمانة العامة.

ب‌.  ينتخب المكتب من بين أعضائه رئيسياً ونائبين للرئيس وأميناً للسر، ويسمي الرئيس ستة من المستشارين ويوزع المهام عليهم

ج- يختار المكتب التنفيذي رؤساء لجانه وهي:

اللجنة الثقافية، اللجنة الإعلامية، لجنة العلاقات الخارجية، لجنة التواصل مع الداخل، لجنة الشؤون المالية والإدارية، لجنة العضوية، اللجنة الحقوقية والقانونية. هـ-  ينفذ المكتب التنفيذي قرارات وتوصيات الأمانة العامة.

و- يبت المكتب التنفيذي في قبول العضوية وإلغائها بناء على اقتراح لجنة العضوية.

ز- يعد المكتب تقاريره ويقدمها إلى المؤتمر العام و للأمانة العامة لمناقشتها وإقرارها وفق مقتضيات هذا النظام.

خ- يتولى المكتب التنفيذي تمثيل الرابطة لدى مختلف السلطات  والهيئات، ويعقد الاتفاقات مع الجهات الأخرى. ويتحمل المسؤوليات الناجمة عن نشاطات الرابطة وإصدارتها.

ط- للمكتب التنفيذي أن يفتح فروعاً للرابطة داخل سوريا وخارجها.

الفصل الرابع: مواد مختلفة

المادة السادسة: ينطبق على الرابطة وممتلكاته أحكام القوانين والأنظمة السورية

المادة السابعة: يناط بالهيئة العامة قرار حل الرابطة

المادة الثامنة: تؤول ممتلكات الرابطة المنقولة وغير المنقولة كاملة – في حال حلها إلى منظمات مجتمع مدني لها نفس الاهتمامات والأهداف.

المادة التاسعة: المقر الرسمي للرابطة مدينة دمشق، ويمكن للرابطة  اعتماد مقر مؤقت خارج سوريا بقرار من الأمانة العامة.

 

بيان من رابطة الكتاب السوريين حول إعدام نظام الأسد للكاتب محمد رشيد عبد الله الرويللي

 
Friday, November 23, 2012, 12:14:58 PM | admin

تنعى رابطة الكتاب السوريين، ببالغ الأسف والحزن، للأمة والانسانية، شهيدا آخر من اصحاب القلم والفكر والابداع الانساني، ارتقى بشهادته على مذبح الحرية في سوريا. فقد اعدمت ميلشيات الأسد في وقت سابق من هذا الشهر الروائي والقاص محمد رشيد عبدالله رويللي وألقت جثته في بناء مهجور مع ثلة من شهداء المدينة وليعثر عليها أمس متحللة.

والشهيد من مواليد سنة 1947 هو الرئيس الأسبق لاتحاد الكتاب العرب في دير الزور، وكان يتواصل هو الكاتب الشهيد ابراهيم خريط  مع رابطة الكتاب السوريين لاعلان انشقاقهما عن الاتحاد والانضمام الى الرابطة، لكن تلك الاتصالات توقفت فجأة بسبب انقطاع الانترنت عن محافظة دير الزور، ليفاجأ الجميع بخبر اعدام الكاتبين الشجاعين.

إن رابطة الكتاب إذ تدين هذه الجريمة البشعة، كما تدين كافة الأعمال الاجرامية من قتل واعتقال وايذاء التي يتعرض لها معظم ابناء الشعب السوري، ومنهم الكتاب والمثقفين الاحرار، فإنها تطالب العالم بالوقوف الى جانب الشعب السوري الذي يتعرض بكل فئاته للتصفية الجسدية على ايدي كتائب الموت وعصابات الاسد المجرمة، وفي الوقت نفسه  تعاهد الرابطة الشهداء بأن تبذل كل ما في وسعها لبلوغ الهدف النبيل الذي قضوا في سبيله، وبأن تعمل على مقاضاة القتلة وملاحقتهم في كل زمان ومكان. وهي تعتبر كل من الشهيدين عضوين في الرابطة. وستدون أسميهما في سجل العضوية. للمستقبل والتاريخ.

المجد للشهداء، والخزي والعار لآل الأسد ونظامهم المجرم

النصر للثورة السورية  الباسلة

عاشت سوريا وطنا حرا ومستقلا لكل السوريين

 

بيان من رابطة الكتاب السوريين تضامنا مع شعبنا الفلسطيني في غزة

 
Monday, November 19, 2012, 12:28:59 PM | admin

 نحن الكتاب السوريين نعلن بأعلى أصواتنا عن استنكارنا وإدانتنا بأشد العبارات للعدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة والبربرية منقطعة النظير التي تعامل بها الآلة العسكرية للاحتلال الاسرائيلي شعبا أعزل، عانى وما يزال على مدار عقود من الآلام والمآسي الاقتصادية والاجتماعية التي تسبب له بها الاحتلال الاسرائيلي والحصار الظالم الذي الذي جعل من قطاع غزة معتقلا كبيرا ومارس عليه كل انواع ارهاب الدولة المعتدية.

ونعلن نحن الكتاب السوريين اننا نساند شعب فلسطين في كفاحه الوطني لنيل الاستقلال  وطرد الاستعمار الصهيوني من التراب الوطني الفلسطيني ونعتبر قطاع غزة جزءا لا يتجزأ من فلسطيين التاريخية.

ونعتبر ان من حق هذا الشعب في غزة وفي كل شبر من تراب فلسطين النضال بكل الوسائل التي تكفلها شرعة الامم لتحقيق الاستقلال ونيل الحقوق الوطنية.

إننا نحن الكتاب السوريين بما نمثله من مرجعية ضميرية للشعب السوري الثائر على الطغيان والمكافح لاسقاط الديكتاتورية ومحاكمة السفاح وأعوانه إنما نعتبر ان انتصار شعبنا السوري في معركته الباسلة لاستعادة حريته وكرامته يقصر من عمر الاستعمار الصهيوني، ويقرب يوم النصر الفلسطيني على الفاشية المحتلة ودولة الأبرتهايد الصهيوني، فالمعركة الكبرى ضد الطغيان التي يخوضها الشعب السوري هي بالضرورة معركة ضد الاستعمار لأن دولة الاستبداد هي الراعي الحقيقي والحاضن التاريخي لدولة الاستعمار في المنطقة.

عاش تلازم نضال الشعب السوري لأجل الحرية والكرامة والحقوق المشروعة مع نضال الشعب الفلسطيني لاستعادة حريته وكرامته وحقوقه المشروعة.

رابطة الكتاب السوريين

18-11-2012

 

 

حسام الدين محمد: من له مصلحة في اغتيال رابطة الكتاب السوريين؟

 
Friday, October 26, 2012, 2:50:45 PM | admin

 من له مصلحة في اغتيال رابطة الكتاب السوريين؟

حسام الدين محمد

2012-10-25

انتشرت على مواقع الكترونية عديدة مقالات تهاجم رابطة الكتاب السوريين كان أبرزها مقال لعمر سليمان عنوانه ‘رابطة الكتاب السوريين وحوت الفساد’. يكاد مقال عمر سليمان ان يكون تحفة فنية خالصة لأنه يجمع بين التشهير العلني والديماغوجيا والافتراء الصريح، ويمثل المقال المذكور نموذجاً فظيعاً من العقل التدميري الذي هو ثمرة (وضحية في الآن نفسه) خبيثة لعشرات السنوات من الدكتاتورية والطغيان الأعمى الذي طبع بطابعه لا النظام السوري وأجهزته القمعية المتغولة فحسب بل جزءاً كبيراً من الشخصية السورية بشكل لا يشبه الا أفلام الرعب التي يستحوذ فيها شيطان ما على جسد ضحيته فيجعلها ترغي وتزبد وتنطق كلامه وتستخدم منطقه.

زرع النظام السوري حالة من الشك الدائم التي تحوط السوريين وتخوفهم من أقرب الناس اليهم بحيث لا يوفر أحداً او جماعة من جنون الارتياب بحيث يتعمم القمع بصورتين متناقضتين ومتكاملتين في الآن نفسه: التهجم الدائم على أي شخص كان او جماعة تعارض النظام، وادعاء الطهرانية المطلقة التي لا يشوبها شائب.

يخلخل الاستبداد النظام الطبيعي للأشياء فيمسخ مثل ميداس، الملك اليوناني الذي يمسّ فيحوّلها الى ذهب، لكن ميداس الاستبداد السوري يحول البنى التي يمسّها، احزاباً كانت، او طوائف واديانا، او معاني سياسية او أخلاقية او أفرادا، الى دبابات وطائرات ومدافع تقصف شعبه، واتباعا وشبيحة تتعبده وتصلّي لأجله.

في النظام الاستبدادي للأشياء لا يمكن لعمل ان يكون تعبيراً عن ارادة حرة فهو لا بد ان يكون مؤامرة تابعة لبلد خارجي.

يفسّخ الاستبداد المعاني الخيّرة للبشر والعلاقات النظيفة بينهم، ولكن أقسى ما يفعله أنه يحوّل ضحاياه الى جلادين، لأقرانهم ولأنفسهم.

في نظام الاستبداد، وعندما يعتقل امرؤ يبتعد عنه أقرب أصدقائه ومعارفه، فتنقلب المعاني المتعارف عليها لعلاقات الصداقة والحب والأخوة والتضامن محيلة الحيّز لمشاعر الخوف من الاعتقال والرهبة من المخابرات والحيطة والحذر على النفس والأهل والممتلكات.

في نظام الاستبداد، تنسحق الفردية انسحاقا هائلاً فتمنع في انسحاقها أي عمل جماعي، وتخرّب أي محاولة للتعاضد بين المضطهدين.

بسبب الضغط المزمن على الفردية تتكرّس فكرة المستبد الأوحد ‘أنا أو لا أحد’.

هذه الظواهر كلها لمستها لمس اليد في الحال التي آلت اليها أحوال أعداء رابطة الكتاب السوريين وكذلك في بعض أعضاء الرابطة وحتى بعض المنتخبين في أمانتها العامة بعد ان انفتح مزاد التهجم عليها إثر ما نشر فقد كان رد الفعل الأول عند هذا البعض هو التصويب على عمّن قاموا طوال أشهر بتنسيق شؤون الرابطة وتدبير شؤونها من مالهم الخاص وجهدهم اليومي وتوجيه اللوم اليهم، وتصديق التهم ضد من رعى اجتماع الأمانة العامة رغم ركاكة الادعاء وبيان تهافته.

وبهذا نقول ان ما ينسحب على بعض ناقدي رابطة الكتاب السوريين ينسحب أيضا على أعضائها واذا أردنا ان نكون عقلانيين فهو يجب ان ينسحب ايضا على تجربة تأسيس الرابطة ككل، وهذا يعني فيما يعنيه ان هذه التجربة لا يمكن ولا تستطيع ان تزعم انها خير خالص وأنها النقيض الطهراني للنظام السوري، فجلّ ما كان يمكن ان تسعى اليه هو ان تكون تجربة في العمل الجماعي تخطئ وتصيب، وتترك الطهرانية المطلقة لمدعيها.

هدف رابطة الكتاب السوريين عند انطلاقها كان واضحا وبسيطاً: العمل على تأسيس مؤسسة مدنية يتوافق اعضاؤها على التعاقد الجماعي لتنظيم شؤونهم والدفاع عن حقوقهم. كان هذا السعي البسيط، في روع البادئين الأوائل بالتجربة، سيدفعهم بقوة المنطق والتجربة نفسها خارج اطار العقلية الاستبدادية والأمنية.

كان البادئون بالفكرة يعرفون ان ‘النظام’ ليس جيشا وشبيحة فحسب بل جهازاً متكاملاً يتعاضد ليمنع الحرية ويؤبد الاستبداد وان الطريق للتغيير يكون بالشغل الطويل والصبور على المصاعب التي ستواجه تجارب مدنية ديمقراطية بديلة.

رابطة الكتاب السوريين هي ابنة الواقع السوري بكل تناقضاته وفي محاولتها الخروج من عقلية الاستبداد وتمظهراته بقوة الرغبة بالتضامن والثقل الاخلاقي للثورة السورية لكنها بقيت تعاني من غياب تقاليد ديمقراطية راسخة. واذا كان للرابطة ان تفخر انها ليست بنيانا مرصوصا كالأحزاب الفاشية والستالينية فانها بالوقت نفسه تستنكر محاولة تهشيمها باسم الثورة نفسها.

الشفافية والديمقراطية، ستتلبسان، ولفترة طويلة، حالات من التشنج والعصاب وستكونان كذلك حجتان لمن همّه من الديمقراطية اغتيال المؤسسات المدنية المتخلقة من رحم الثورة وكل ذلك باسم الثورة نفسها وباسم معاداة النظام.

ليس الطريق امام الرابطة معبداً وليس سهلاً ولا كانت الفكرة ممكنة التطبيق بمجرد التفكير بها او العمل عليها. كان على التأسيس ان يتعثر وعلى البادئين بالفكرة ان يخطئوا ويتعلموا وما كان للتجربة الجديدة ان تتصلب وتتخذ قواماً وشكلاً دون ان تعاني من أعراض الاستبداد التي زرعها في الأفراد، ومن مشاكل الطفولة الديمقراطية وعثراتها وشوائبها.

كان من اعراض الطفولة هذه ان يفترض البعض هذا العمل سباقا الى مركز الصورة وان يبتعد البعض الآخر عنه بحثا عن طهر كامل لا يتحقق الا للملائكة.

في السعي نحو الحرية يتجادل الفردي والجماعي، ويعتبر البعض ما يقوم به تضحية فيما يعتبره الآخرون سلطة يشرّع لحيازتها التناهب والتنازع والتنافس…. والافتراس.

يستخدم كاتب المقالة آنفة الذكر ‘صواريخ ذكية’ لدكّ أسس الرابطة والايقاع بين اعضائها وتأليب اصدقائها عليها ونزع صمامات الحياة والتنفس عنها بطريقة يحمرّ لها وجه ماكيافيلي نفسه.

لكنه في جمعه هذا الكشكول من التهجمات لا يدرك انه يناقض نفسه ويكشف خللاً اخلاقيا ومهنيا لأنه، مثله مثل النظام الذي يدعي عداءه، يستخدم أسلحة محرمة قانونيا ضد تجربة لم تقف بعد على قدميها ولم يتضح شكلها وصوتها، ولم تبدأ بعد عملها الجماعي المنظم.

من ذلك ان يتهم كاتب المقالة الآنفة الذكر الرابطة بالمحاصصة الطائفية لأن الرابطة اختارت رشا عمران (‘العلوية’ كما يصفها الكاتب) لمنصب نائب الرئيس، ويتهم مؤسسيها بأنهم كانوا قريبين من النظام (وهي فرية رخيصة لأن مؤسسيها هم اما مناضلون دفعوا من أعمارهم فترات طويلة من السجن: ياسين الحاج صالح وفرج بيرقدار ومفيد نجم او منفيون عن سورية او مطاردون منذ عقود: نوري الجراح وخلدون الشمعة وحسام الدين محمد، او مفكر كبير مثل صادق جلال العظم لا أحد يستطيع ان ينتقص من قامته ومن نضاله ضد الاستبداد).

اضافة الى الكذب الصريح والديماغوجيا الفاضحة يتضح لقارئ المقال الأس الأسخف والأكثر ركاكة الذي قام عليه واستحقت رابطة الكتاب السوريين ان يتم اعدامها ميدانيا لأجله.

ذنب الرابطة الخطير هذا هو انها لم تستشر ‘الأسماء الشابة الثائرة حول كيفية تشكيل هذه ‘الرابطة’، لا أن يؤسسوها وحدهم ثم ينصبوا أنفسهم ممثلين عن كتاب سوريا!’.

عدم معرفة مؤسسي الرابطة بالشاب الثائر عمر سليمان هي الخطيئة الأصلية التي سترتب عليهم ديناً أسوأ من دين شايلوك الذي لن يسدد ما لم يقتطع الكاتب وناشره رطلاً من لحم الرابطة.

فلنفترض جدلاً ان هذا المطلب السوريالي محق وعادل ولنقم بحسبة بسيطة لتحليله:

بدلاً من تأسيس الموقع الالكتروني وتفعيله واصدار البيانات والتواصل مع الاعلام ومع الكتاب السوريين وصد تغوّل النظام ضد اقرانهم ومساجلة مناصري النظام من الكتاب السوريين والعرب، والتواصل مع روابط واتحادات الكتاب العربية والاجنبية لتوفير الدعم لبعض الكتاب اللاجئين والمطاردين، بدلاً من كل ذلك كان علينا حسب مطلب عمر سليمان ان نجمع بيانات وارقام هواتف وايميلات ‘الاسماء الشابة الثائرة’ و’نستشيرها في كيفية ‘تشكيل’ الرابطة’.

يعني عملياً انه كان على الرابطة التي وقع على الانتساب اليها اكثر من 220 كاتبا وطلب الانضمام اليها اكثر من سبعين آخرين، والتي استغرق جمع امانتها العامة وانتخاب رئيسها ومكتبها التنفيذي شهوراً طويلة ان تستبدل كل شيء فعلته بالتفتيش عن السيد عمر سليمان وأقرانه من ‘الاسماء الشابة الثائرة’ واستشارتهم في حل تلك المشكلة الفلسفية المعقدة: كيف يجب ان تتشكل الرابطة؟

البادئون بالرابطة مذنبون بالطبع لأنهم لم يعرفوا بالسيد عمر سليمان ولم يستشيروه في كيفية تشكيل الرابطة لكن السؤال هو: ما دام يعرف كيف يشكل رابطة للكتاب فلماذا ينتظر العون من الآخرين؟

يتراشق السوريون بالتهم ضد بعضهم البعض ولا يترفعون عن أقساها وابشعها واكثرها ابتعاداً عن العقل والمنطق والاستدلال الحسي البسيط. لا تغفر ‘الاسماء الشابة الثائرة’ لمن تهاجمهم لا حيواتهم ولا تواريخهم فكل شيء يمكن ليّه وتأويله واعادته الى أصل خبيث وسيء. في مطحنة التهم تلك يمكن لأي شخص ان يساق الى مقصلة العمالة والخيانة والفساد.

لا يحتاج المتهم الى بينة ودليل ضد من يتهمه وما عليه الا استدعاء تلك الخلطة المضمونة من اوصاف ونعوت تربط بين المتهم وشياطين جاهزة للبس: النظام السوري، الطائفية، الاقصاء، الدكتاتورية الخ…

غير انه ما كان لهذه الفضيحة الاخلاقية ان تكتسب ثقلها ووزنها لولا انها وجدت ما ظنته حائطاً واطئاً تستطيع تسلقه: ربط الرابطة بما سمته ‘حوت الفساد وليد الزعبي’.

بعد عقود من الطغيان باسم ‘الاشتراكية’ والتغول على حقوق البشر باسم ‘التأميم’ والاستيلاء على أملاك الدولة لصالح فاسدين كبارا مثل رامي مخلوف ترسّخت في أذهان السوريين علاقة وطيدة بين المال والاستبداد، وبسبب استيلاء المركب الأمني المالي على الفضاء السوري العام صار أي ثريّ موضعا لشبهة لا تحتاج اثباتاً ولا دليلاً عليها.

وكما يقول مقال عمر سليمان: ‘يكفي ان يكون الزعبي مستثمرا بهذا الحجم في ظل نظام العصابة الحاكمة ليقدم اعتذارا رسميا للشعب السوري على ما ارتكبه’. أي ان خطيئة وليد الزعبي هي ان يكون مستثمرا (في ظل نظام العصابة الحاكمة)، وان استثماره في سوريا بمبالغ ضخمة يعني عمليا انه شريك لرامي مخلوف في الفساد.

الحيلة البسيطة التي قام بها الكاتب تشبه المنطق الأرسطي: وليد الزعبي ثري كبير. لا أحد يستطيع ان يعمل في سوريا دون ان يشارك رامي مخلوف اذن وليد الزعبي شريك لرامي مخلوف. وليد الزعبي فاسد.

لا تحتاج ماكينة فرم عمر سليمان المنطقية غير التلاعب البسيط بالمعاني وايراد مبلغ مذهل مثل 700 مليون دولار حتى يغدو وليد الزعبي بنظره فاسدا.

لا يحتاج عمر سليمان الى وثائق وحقائق مكتوبة حتى يشطب على تاريخ شخص محوّلا اياه بجرّة قلم الى حوت فساد.

يعرف عمر سليمان ويعرف السوريون جميعهم ان رامي مخلوف لا يشارك أحداً: إنه يفرض على أصحاب الأعمال خوة تقارب نصف أموالهم او اكثر ويسمي ذلك شراكة. يعرف السوريون جميعاً ان رامي مخلوف شريكهم في الماء والهواء والكلأ وان الامتناع عن ‘شراكته’، مثلما فعل غسان عبود او كمال سنقر (الذي يحتفظ بملف من ألف صفحة عما فعله به رامي مخلوف)، او آلاف غيرهم من الذين عاقبتهم السلطة الأسدية المخلوفية فمنعت عنهم ارزاقهم وسجنتهم ونكلت بهم لرفضهم ‘شراكتها’ امثال رياض سيف ومأمون الحمصي اللذين ألقي بهما في السجن جزاء وفاقا لما ارتكبوه من ‘الممانعة’ و’المقاومة’ لشراكة آل مخلوف والأسد. هذه الشراكة الإرغامية لم توفر حتى شركاء ماليين حقيقيين من طراز الملياردير المصري ساويرس الذي هرب بجلده من تلك ‘الشراكة’ المخاطة على مقاس رامي مخلوف وشركاه.

هذه هي الشراكة التي يتحدث عنها عمر سليمان.

اما الفساد الذي لا يجد عمر سليمان دليلاً عليه سوى ان وليد الزعبي غني فهو يتجاهل ان اتهام الناس بالفساد دون بينة هو شكل من اشكال الفساد.

ليست من مهمة رابطة الكتاب السوريين الدفاع عن وليد الزعبي فهو قادر عن الدفاع عن نفسه لكن من حقّها ان تؤكد انها توثقت ودققت في الذمة المالية والسياسية لرجل الأعمال النبيل هذا قبل ان تطلب منه تمويل اجتماع أمانتها العامة الأول.

جمع وليد الزعبي ماله من أعماله في الامارات العربية المتحدة التي وفّرت له طفرتها المالية والعقارية هذه النقلة، والغنى (والفقر) أمران طبيعيان وممكنان في أي بلد أكان الامارات ام الولايات المتحدة الامريكية حيث الشركة التي نشرت المقال، وما أعرفه بالتأكيد أن السيد الزعبي لم يجمع أمواله بالخوّة ولا استخدم سلطة متغولة لينهب أموال البشر ويدعيها لنفسه.

كما يقوم النظام السوري بالتلفيق الذي يتحدى امكانيات العقل البسيط يتحدى الخبر الذي نشره موقع الكتروني شهير يستند الى مقالة عمر سليمان وافتتاحية ماهر شرف الدين وكولاج من معلومات متنافرة ليقول مثلا ان ‘الشاعر الأردني طاهر رياض طالب الرابطة بالرد على الأسئلة’، وان عددا من أعضاء الرابطة استقالوا على اثر المقالة وهو ايضا كذب وديماغوجيا.

في اتصال لي مع الشاعر الأردني الصديق أستفهم منه الأمر استنكر رياض طريقة الاستشهاد به واعتبرها مغرضة.

الشخص الوحيد الذي استقال من الرابطة بشكل رسمي (أي أنه ارسل رسالة الى الرابطة وليس عبر الفيسبوك او وسائل التواصل الاجتماعي) فهو محمد علاء الدين عبد المولى، ولم يكن في استقالته ما يشير الى احتجاجه على ‘فساد’ ما على عكس ما أشار الخبر.

كنت قد كتبت عن فدوى سليمان، زوجة الشاعر عمر سليمان، مرتين في ‘القدس العربي’ ووصفتها بايقونة الثورة السورية، وبعد خروجها العظيم من سورية اتصلت بي وسألتني ان كان ممكنا الكتابة لصحيفة ‘القدس العربي’ فرحّبت بالفكرة ثم أحالتني الى زوجها عمر سليمان (صاحب المقالة المذكورة) الذي سألني عن المبلغ الذي تستطيع ‘القدس العربي’ ان تقدمه مقابل المقالات التي سيكتبها فذكرت له المبلغ (وهو، بالمناسبة، مبلغ متواضع لكنه ‘يؤوي’ عددا من كتاب الصحيفة المحترمين) لكنني طلبت منه ان يرسل لي نموذجا عن كتاباته لتقدر هيئة التحرير في الصحيفة مدى ملاءمتها.

كان هذا آخر عهدي بالسيد سليمان، الذي اعتقد، بعد ان قرأت مقالته، ان لديه ما يقوله، لكن مقالته الآنفة هي سقطة اخلاقية بامتياز.

اما ماهر شرف الدين الذي أحببت شجاعته عندما ارسل اعتذاره من فواز حداد الى موقع الرابطة بعد ان هاجمه فانني ورداً على سؤاله في افتتاحيته في ‘الغاوون’: من خدع الكتاب السوريين؟ أعيد السؤال نفسه الى ملعبه وأضيف عليه سؤالا آخر: مــن لـه مصلحـة في اغتيال رابطة الكتاب السوريين؟

عضو المكتب التنفيذي ونائب رئيس الرابطة

كاتب من أسرة ‘القدس العربي’

 

 

وليد الزعبي: الأسد دعاني للاستثمار في سورية ثم بدأ أتباعه بمحاربتي: عن رامي مخلوف.. وهنري برنار ليفي وآخرين

 
Friday, October 26, 2012, 2:17:32 PM | admin

وليد الزعبي: الأسد دعاني للاستثمار في سورية ثم بدأ أتباعه بمحاربتي: عن رامي مخلوف.. وهنري برنار ليفي وآخرين

2012-10-25

قرأت ما ورد في مقالة الدكتور الأديب الجراح خليل النعيمي والمنشورة على صفحات جريدتكم الموقرة (القدس العربي) بتاريخ 2012-10-21 تحت عنوان (رابطة الكتاب السوريين: إني أسأل) والتي تناولت ما يثار من لغط حول تمويل اجتماع رابطة الكتاب السوريين، والذي قمت بواجبي الوطني برعايته ودعمه، إضافة إلى تقديم الدعم اللازم للاقلاع بمجلة الرابطة الادبية التي يعاد اصدارها بعد توقفها في ظل الاستبداد وذلك بعد ان صدرت لأول مرة في دمشق في العام 1921.

ليس جديداً على عملي الذي بدأته في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل أكثر من عشرين عاماً، أن يكون فيه جانب خيري أو إنساني، وليست هذه المرة الأولى من نوعها، في دعم ورعاية المشاريع الوطنية التي يعمل المجتمع على إنتاجها ويتعلّق بها، ولا ضرورة لذكر هذا وتعداده فهو واجب لا ننتظر عليه شكراً من أحد، ولكننا نقف عند تساؤلات يثيرها عدد من الذين لا يحترمون معنى العمل الصحفي ومسؤولياته، ولا يمنعهم لا قانون ولا أعراف مهنية من انتهاك حقوق الآخرين المادية والمعنوية، فيظنون أنهم بإطلاق الاتهامات إنما ينجزون شيئاً وما يحققون إلا المزيد من التورّط في مساءلة قانونية واضحة.

طلب مني الصديقان الأستاذ جورج صبرا والأستاذ إبراهيم الجبين تقديم الدعم والعون لرابطة الكتاب السوريين لعقد اجتماعها الأول، معللين ذلك بأن الرابطة لا تريد أن تحسب على أحد من الجهات الرسمية حزبية كانت أو دولية، وتريد أن تحفظ استقلالها وحرية قرارها وهويتها، فوافقت على الفور ولم أتردّد، لا سيما وأن مشروعي المشترك مع عدد من السوريين الأجلاء، والذي يمثله (تيار بناة المستقبل) وهو مشروع علمي فكري اقتصادي وطني غير آيديولوجي يقوم على إعادة الاعتبار إلى الطاقات والمؤسسات التي يخلقها المجتمع السوري صاحب الثورة ومبدعها، وتربتها التي نبتت فيها، وإليه يردّ الفضل والنتاج النهائي، رغم ما شاب هذه الثورة من شوائب كثيرة تعلق عادةً بالعمل الجماعي في ظل الفوضى وقمع النظام وقصف المدن والقرى والآمنين.

وهكذا كان، بإشراف الشاعر السوري الصديق الأستاذ نوري الجراح، الذي تابع عمله على عقد اللقاء، وإصدار المجلة، مع فريق من الشرفاء من الكتاب السوريين من أعضاء اللجنة التأسيسية للرابطة، وعقد المؤتمر بكل المودة والاحترام، الذي كنت ضيفاً عليه لساعات فقط، ولم نتدخل في عمل المفكرين والأدباء ولا حتى في أسماء المدعوين، ولم تحصل فيه أية أخطاء أو حتى هفوات، وكان مناخه إيجابياً راقياً جليلاً يليق بالفكر والثقافة السوريين.

بعد هذا بدأت تنتشر على صفحات الانترنت ـ غير المسؤولة ـ شبه مقالات وكتابات لا تستند إلى أي شيء مثبت ولا حتى قصاصة ورق واحدة، تشيع أن راعي اجتماع الرابطة، شريك لأحد رموز الفساد في سوريا، رامي مخلوف، إضافة إلى الكثير من الإشاعات التي بدت و كأنها تريد معاقبة من يقوم بدعم الثورة المدنية السورية بكل أشكالها وتجلياتها، والحق أني لم ألتق يوماً برامي مخلوف، ولم أشاركه بأي شيء، ولم أعرف حتى شكله أو صورته إلا بعد اندلاع الثورة، حين بدأ يطلق تصريحات عن أمن إسرائيل وارتباطه بأمن النظام، ولم أكن يوماً ما شريكاً لأحد من أركان السلطة في سوريا، لا صغيرها ولا كبيرها، وحين زار بشار الأسد قبل سنوات دولة الامارات العربية المتحدة ودعا رجال الاعمال السوريين إلى الاستثمار في سوريا، لم يطلب مني شخصيا لقاء مخلوف، وقال إنه يريد أن أطبّق ما فعلته من نهضة معمارية وإنشائية وعقارية في دولة الإمارات العربية المتحدة، على الأرض السورية، ولم يستمر هذا العمل طويلاً فسرعان ما أرسل هو بنفسه ثلاثة من وزرائه (هلال الأطرش وزير الإدارة المحلية ـ وغسان لحّام وزير شؤون رئاسة الجمهورية ـ ونبيل عمران محافظ ريف دمشق) ليقفوا على رأس الورش التي قامت بهدم مشروعنا على المدخل الجنوبي لدمشق والذي افتتحناه تحت اسم (مجمّع كونكورد) وشركائي فيه هم الدكتور خالد المحاميد عضو مجلس رجال الأعمال السوريين، والأخ رمضان مشمش والأخ جمال الخطيب، فلا رامي مخلوف ولا غيره كان على مرمى بصرنا، وحين رأينا أن النظام يريد عرقلة مشاريعنا، تركنا تلك المشاريع وتابعنا أعمالنا في المغتربات، مع أن بشار الأسد أرسل يقول إنه لا علاقة له بما فعل الوزراء الثلاثة وأنه قام بإقالتهم بسبب مضايقتهم لنا في المشروع، وهو ما تأكدت من كذبه وعدم صحته.

بقي أن أقول إن من لديه أية إثباتات تؤكد او حتى تلمّح إلى تلك الشراكة المزعومة مع أحد من أزلام النظام فليقم بتقديمها، وبقي أيضاً أن أفسّر لكم ما يدفع بعض أولئك إلى شن تلك الحملة السخيفة والتي لا قيمة لها حقاً بحقي وحق المشروع الكبير الذي نعمل عليه، فقد عرض علينا ممن يؤيد او يدعم من يكتبون تلك المقالات، ممن يزعمون أنهم مناصرون لثورة الشعب السوري عبر العمل الإعلامي أو الدعم المالي، أن نضع يدنا بيد السيد برنار هنري ليفي، وأن نذهب إلى جيل من الشباب من الإسرائيليين، غير معنيين بالصراع مع العرب، وما يهمّهم هو فقط العلاقات الاقتصادية، ونحن رفضنا هذا رفضاً قاطعاً لا نقاش بعده، وقطعنا كل صلة مع أي طرف يروّج في الخفاء أو الجهر لهذا الاتجاه، سواء بعقد مؤتمرات في باريس أو بعقد اجتماعات سرية بين هذه العاصمة أو تلك، وحين يتطلب الأمر فإننا على استعداد لعرض وثائق وتسجيلات الجلسات التي تمت فيها تلك العروض ليرى السوريون ما تم عرضه علينا وليروا معه ردّنا الحازم عليه، فإيماننا أن الإسرائيليين ونظام بشار الأسد يقومان على القتل والتنكيل بالشعب السوري والفلسطيني بالآليات ذاتها، وبالأساليب ذاتها، وبالحقد ذاته، وحين اخترنا هذا الطريق لدعم الثورة السورية، عرفنا أننا سندفع أثماناً كبيرة، أقلها تشويه السمعة والإساءة والتشهير، وقد تصل إلى حدود أن يدفع المرء حياته ثمناً لموقفه.

أشكركم على فتح هذا الملف على صفحاتكم لتعود إلى السجالات الجادة بين الناس ضوابطُها بدلاً من استسهال إلقاء التهم وتشويه السمعة والتاريخ، مع العلم أنني كلفت المحامين برفع الدعاوى على المشهّرين باسمي ممن اعتمدوا على أباطيل لا سند لها ولا وثيقة وإنما قامت على شتائم وسخافات، وايضاً على من تابعهم في هذا الخط دون أن يتأكد من أصل ما يتحدث عنه.

يضاف الى ذلك ان النظام السوري قام بتاريخ 16/9/2012 بناء على المرسوم التشريعي رقم 63 بالحجز على أموالي المنقولة وغير المنقولة في سوريا، بتهمة ‘القيام بتمويل المجموعات الارهابية في القطر والتآمر على كيان الدولة وزعزعة استقرارها الداخلي والقيام بأعمال تستهدف اثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي’، وقد وقع هذا القرار الدكتور محمد جليلاتي وزير المالية في 24 ايلول 2012.

كل هذا لن يؤثر هذا على إصرارنا على عملنا وعزيمتنا على تمويل الكثير من النشاطات والحملات الإغاثية في الثورة السورية، ويمكن سؤال الدكتور برهان غليون، والاستاذ فاروق طيفور، والاستاذ جورج صبرا، والاستاذ رياض سيف، والدكتور نذير الحكيم، والهيئة العامة للثورة السورية، والمجالس المحلية والمجالس العسكرية ورابطة علماء الشام، والشيخ سارية الرفاعي، وقائد الجيش الوطني اللواء محمد الحاج علي والتنسيقيات، ومخيمات اللاجئين في تركيا والأردن، والجهات الرسمية العربية المعنية بالشأن السوري، وآخرين وآخرين… هل من يساندهم في دعم ثورة الشعب السوري هو حقاً رامي مخلوف؟!!!

 

بيان رابطة الكتاب السوريين: حول مصرع الكاتب الدمشقي محمد نمر مدني تحت التعذيب

 
Sunday, October 07, 2012, 10:20:34 PM | admin

نعت رابطة الكتاب السوريين الكاتب السوري المرموق محمد نمر مدني الدمشقي الذي قضى “تحت التعذيب” الوحشي الذي تعرض له قبل أيام فى “أحد فروع المخابرات السورية”، بحسب ما أفاد أقرباء له ومواقع معارضة الأحد، فى وقت نفى مصدر قريب من عائلته ما تردد على بعض مواقع المعارِضة من أن العائلة استلمت جثته الأحد.

وتابعت الرابطة بكثير من الحزن الاخبار التي نقلتها وكالة الفرنس برس عن أحد اقربائه  من أن عائلة الكاتب كانت على عِلم منذ يوم الخميس بوفاته تحت التعذيب قبل عشرة أيام، من دون ان تجرؤ على كشف الخبر خوفا من قيام النظام بالانتقام منها. وهذه هي المرة الثانية التى يتم فيها اعتقاله، والمرة الأولى كانت بالتزامن مع اندلاع الاحتجاجات فى سوريا منتصف مارس 2011، والثانية التي قادت الى مصرعه كانت قبل نحو أربعة أسابيع. وبحسب المعلومات التي وصلت إلى الرابطة فإن الكاتب الشهيد عمل لأجل الثورة السورية “مراسلاً سريا” متطوعا لمحطات أجنبية بينها فرنس 24.

والمدني من مواليد دُمر بريف دمشق سنة 1961، وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال وهو “متخصص بأبحاث الأديان والمذاهب والفرق”، بحسب صفحته الالكترونية، وقد طُبع له أكثر من مائة كتاب، كما عمل فى مجال الأبحاث والترجمة، ولاسيما ترجمة النصوص المسرحية.

إن رابطة الكتاب السوريين التي نعت قبل ايام قليلة الكاتب الشهيد ابراهيم الخريط وولديه سومر وراني، الذين قضوا في عملية إعدام ميداني علنية انتقاما منهم على نشاطهم السلمي في الثورة السورية، تهيب بكتاب العالم العربي والعالم أجمع استنكار هذه الجرائم المروعة ضد الانسانية التي يرتكبها النظام الفاشي لعائلة الاسد بدعم روسي إيراني مستنكر، وحشد الرأي العام للمطالبة بوقفها فورا، والوقوف بالتالي إلى جانب الشعب السوري الشجاع المكافح لأجل حريته وكرامته والثائر على الطغيان.

رابطة الكتاب السوريين

 

رابطة الكتاب السوريين: الأجهزة الأمنية السورية تعتقل الشاعر الشاب نصوح طيارة

 
Wednesday, October 03, 2012, 7:27:05 AM | admin

بيان رابطة الكتاب السوريين

الأجهزة الأمنية السورية تعتقل الشاعر الشاب نصوح طيارة

اعتقلت الأجهزة الأمنية للنظام الديكتاتوري السوري الشاعر الشاب نصوح طيارة. والشاعر طيارة الذي يبلغ من العمر 19 سنة له نصوص شعرية منشورة على المواقع الإلكترونية، ولم تتبلغ الرابطة حتى الساعة بمكان اعتقال الشاعر او ظروف اعتقاله.

وإذ تحمل الرابطة النظام الدموي في دمشق المسؤولية الكاملة عن حياة الشاعر الشاب تطالب بإطلاق سراحه فوارا هو وجميع المعتقلين السوريين، وتدعو الهيئات الحقوقية العربية والدولية إلى الضغط على النظام الديكتاتوري لتحقيق ذلك ووقف الهجمات الوحشية والاعتقالات التي تطال الناشطين السلمين والمثقفين والكتاب الذين لا يحملون من الاسلحة سوى انبلها وهو سلاح القلم.

وكانت الأجهزة الأمنية، اقدمت قبل أيام على تنفيذ إعدام ميداني بحق الكاتب الروائي السوري ابرهيم الخريط وولديه سومر وراني في مدينة دير الزور، وتشن حملات مسعورة وغير مسبوقة على أهل الرأي والفكر والإبداع في مختلف المدن السورية، في ما يشبه تخبط النهايات لنظام وحشي فقد كل مقومات شرعيته داخل سوريا وخارجها.

عاشت الثورة السورية البطلة

عاش نضال السوريين لأجل الحرية والكرامة

رابطة الكتاب السوريين

2-10-2012

 

يقول الشاعر في واحدة من قصائده العاطفية الرقيقة:

اسمي نصوح طيارة

عمري 19 شتاءً و قصيدتان

قد أكون صغير السن

لكن كل ما في الأمر

أني أعشق النظر إلى وجهك

و يغلي الدم في رأسي

لاستدارة خصرك.

قصيدة للشاعر المعتقل:

 

أنا القصيدة , شاعرها و كاتبها و قارئها

نصوح طيارة

أنا ..و أنا ..و أنت

سأكتبُ

لأصلح ما تهشّمَ من كياني

بعد القيامة ..

سأكتبُ

و كان الله في عون القصيدة

بين أصابعي ..

قلمي البربريُّ يبكي في وجه المفاتن

و الأمنيات ..

أصرخُ من خلعٍ في ولادتي الأخيرة

ما زلتُ أهوجَ رغم تتابع الميتات

أيها الأنا المسكون في رأسي

كشيطانٍ قد ضاق ذرعاً بالخلود

يحشرجُ كالثكالى

أنا المقتول في جسدِ الوشايةِ

لستَ أنتْ ..

يا خالقي

هل قصدتَ جسراً حين وجدتني

سحقاً لأقدام المشاة فوق أشلائي

أيها الحمقى ..

لستُ جِسراً , و خطأُ القصيدةِ

واضحٌ

كاللّيل , واضحٌ

دمعي استحال في محابر الكلماتِ

مقصلةً للنشاز العاطفيْ

قد أدمى السوط ظهري

و الجلّاد يقهقه ساخراً

أنا المقتول في أرض القصاص

لستَ أنتْ ..

هذا هو اسمي

قالوا و غابوا

كانفلات الغيم أمطاراً

على وجهي , حيث أهيمُ

ثمَّ أنهضُ ..

يُخَيَّلُ لي

أني حصانٌ مُثقلٌ بجراحه

يركض خلف أنثاه

كالبراق ..

لا زلتَ في رأسي

أيها الأنا المليء بالأحقاد

أنا الحصانُ

و لستَ أنتْ ..

أيها النبيُّ المسجون في صدري

كفى ملاماً للّيالي الكافرة

لا حاكمٌ في الأرض حتّى

لا محكمة ..

أنا النبيُّ

لستَ أنتْ

لستَ إلّاكْ

تبّاً لأنّاك

وداعاً أيها الشاكي

فأنا المسافر

أنا المغَيَّبُ عمداً و قسراً

لستَ أنتْ ..

أنا القصيدة , شاعرها و كاتبها

و قارئها

مؤمنها و ملحدها

أنا القصيدةُ

لستَ أنتْ

أنا سواكَ

و لستَ أنتْ

 

27\10\2011

 

إعدام ميداني لعضو في رابطة الكتاب السوريين في سوريا

 
Friday, September 28, 2012, 4:55:31 PM | admin

إعدام ميداني لعضو في رابطة الكتاب السوريين في سوريا

تزف رابطة الكتاب السوريين إلى أعضائها وأصدقائها نبأ استشهاد عضو الرابطة المنضم إليها حديثا الكاتب الروائي والقصصي السوري ابرهيم الخريط. وإذ تزف الرابطة هذا النبأ الأليم إلى جمهورها من الكتاب السوريين والعرب، إنما تدين في الوقت نفسه العمل الهمجي والجريمة النكراء المتمثلة في قيام قوات الأمن السورية بتنفيذ حكم الإعدام ميدانيا بالكاتب هو وأبنه سومر أمام عائلته وجيرانه عقابا للكاتب على نشاطه السلمي في الثورة السورية وبسبب استنكاره العلني للجرائم التي ترتكبها كتائب الموت الأسدية وشبيحته من سوريين وعراقيين وإيرانيين. وتشير الرابطة إلى أن فرق الإعدام التي نفذت في دير الزور خلال الأيام الفائتة أكثر من 150 عملية إعدام ميدانية عادت فطاردت الإبن الثاني للكاتب راني الخريط وأعدمته هو الآخر ميدانيا أمام نساء الأسرة وجيرانها.

وكانت قد خرجت اليوم الجمعة في دير الزور مظاهرات حاشدة  بالرغم من الحصار والقصف وعمليات الاعدام الميداني نادت باسقاط النظام وتوحيد كتائب الجيش الحر ، فقام الجيش النظامي بقصف المتظاهرين بالطيران الحربي وطائرات الهليكوبتر  في وقت وصل فيه الوضع الصحي والغذائي في المحفظة لى سيء جدا في المدينة إذ أن هناك نقص حاد بالدواء والمواد الغذائية.

في سيرة ابراهيم الخريط : كاتب من مواليد دير الزور 1943. إجازة في الفلسفة جامعة دمشق. عضو اتحاد الكتاب العرب (كان يستعد لإعلان انشقاقه عنه احتجاجا على مجازر النظام في دير الزور بالتعاون مع ابن مدينته الكاتب الروائي عبد الناصر العايد عندما فاجاه الإعدام).

 عضو جمعية القصة والرواية

نشر قصصه الأولى في الصحف والمجلات السورية

 مؤلفاته:

1-القافلة والصحراء- قصص- 1989.

2-الحصار- قصص- 1994.

3-قصص ريفية- قصص- 1994.

4-الاغتيال – اتحاد الكتاب العرب – 1997.

رابطة الكتاب تهيب بالكتاب والمثقفين السوريين والعرب والأجانب وسائر الشرفاء سوريين وعربا وإلى أي أمة انتموا  ان  يعملوا على كسر الصمت المضروب على الجريمة السورية بالطرق التي يرونها مناسبة بما في ذلك التظاهر استنكارا لما يجري للشعب السوري من عمليات ابادة لا تتوقف على يد طغمة من المجرمين المهووسين واللاإنسانيين، وتطالب المجتمع الدولي بالتدخل فورا تحت الفصل السابع أو اي فصل يمكن أن يوقف الجريمة التي لم تعد بشاعتها تجد لها في قواميس البشر كلمات تصفها.

رابطة الكتاب السوريين

 

سيد عطاء الله مهاجراني : رابطة الكتاب السوريين.. الرأي قبل شجاعة الشجعان

 
Tuesday, September 25, 2012, 1:46:01 PM | admin

عطاء الله مهاجراني – 24/09/2012 –

عقد أول منتدى لرابطة الكتاب والشعراء والمفكرين السوريين في القاهرة في الفترة من 16 إلى 17 سبتمبر (أيلول). وكنت واحدا من المشاركين فيه. كانت مقابلة الكتاب السوريين والحديث معهم ومشاهدة القاهرة بعد الانتخابات الرئاسية فرصة مهمة بالنسبة لي. من الواضح أنه عندما ينظم الكتاب والشعراء لقاء خارج أرض الوطن، يوضح هذا أن ثمة فجوة ضخمة بينهم وبين حكومتهم. استخدموا عنوان «رابطة الكتاب السوريين».

ولهذا العنوان خلفية تاريخية؛ في عام 1951، للمرة الأولى، كون كتاب سوريا رابطة وأطلقوا عليها هذا الاسم. لكن الآن، هناك رابطتان، إحداهما في دمشق، وعقد أول اجتماع للرابطة الثانية في القاهرة. تجدر الإشارة إلى أن الرابطة الأولى تدعم نظام بشار، بينما تدعم الثانية الثورة السورية.

أسس أكثر من مائة مفكر سوري رابطة الكتاب السوريين، قائلين إن المجموعة المستقلة ستكون مفتوحة لكل الكتاب السوريين، كما أنها ستسمح للكتاب العرب وغير العرب الذين يدعمون ثورة الشعب السوري ضد نظام الأسد بالانضمام لعضويتها. كان الشاعر المغربي الشهير، حسن نجمي، والروائي سلامة كيلة، المفكر الفلسطيني الذي أمضى ثماني سنوات في سجن سوريا، من بين الضيوف أيضا. منحت الرابطة الكتاب السوريين فرصة للتعبير عن آرائهم بقوة، كاشفين للعالم ما يحدث بحق في بلدهم. كذلك، سوف يساعد هذا في جعل الكتاب يقومون بدور فعال في دعم الثورة داخل سوريا، وسوف يمنحهم الفرصة لاستعادة الدور الفكري في المجتمع. على سبيل المثال، عندما قرأ أحمد حسيني قصائده الكردية، كان من الواضح جليا أننا إزاء سوريا جديدة.

تم انتخاب صادق جلال العظم رئيسا لرابطة الكتاب السوريين. وقد شرح فكرته بوضوح شديد: «أولا وفي المقام الأول، تسعى الرابطة إلى التخلص من الاتحادات والرابطات الموالية للنظام».

بعبارة أخرى، فإن الفيلسوف السوري، بوصفه رئيسا لرابطة الكتاب السوريين وأحد مؤسسيها، يعتبرها «رابطة مستقلة تسعى للتغلب على الفترة التي كانت فيها الاتحادات والرابطات ذات صلة بالأنظمة». في الماضي، بوصفي وزيرا للثقافة في إيران، زرت اتحاد الكتاب العرب في دمشق. وعندما أعود بذاكرتي إلى تلك الفترة، أجد أنني قد اعترتني الدهشة في البداية عندما لاحظت أن مبنى الأتحاد  ضخم جدا، أتذكر أنه كان مؤلفا من ستة أو سبعة طوابق. سألت رئيس الاتحاد عن كيفية تمكنه من تحمل تكلفة مثل ذلك المبنى الضخم. أجاب بأنه كان هدية من حافظ الأسد. قلت لنفسي ألن يتسبب قبول تلك الهدية في مشكلات بالنسبة للاتحاد؛ إذ إنهم بهذه الطريقة، يعيشون في ظل عطايا الأسد طوال الوقت؟

وكما أسلفت، فقد كنت مؤخرا في القاهرة للمشاركة في رابطة الكتاب السوريين، إنهم لا يعملون تحت رعاية النظام، وهذا يعني أن الرابطة تسير على الطريق الصحيح. ليست وظيفتها هي تجميل وجه الاستبداد، مثلما تفعل الرابطات الموالية للنظام. بل تنتقد النظام وتحارب الأنظمة الاستبدادية.

في المقام الأول، يحتاج الكتاب والشعراء والفنانون والمفكرون إلى إظهار أن معاركهم وجهودهم ليست سعيا للسلطة، وإنهم ليسوا حزبا أو مجموعة مسلحة. ركز المهندس وليد الزعبي – راعي الحدث – على نقطة مهمة في محاضرته التي ألقاها في الدورة الأولى: «الرأي قبل شجاعة الشجعان».

جاءت هذه العبارة في أول بيت من قصيدة المتنبي:

* الرأي قبل شجاعة الشجعان – هو أول وهي المحل الثاني

* فإذا هما اجتمعا لنفس حرة – بلغت من العلياء كل مكان

* وفي محاضرتين، ركزت على علاقة ثلاثية! ألا وهي العلاقة بين الحكمة والقلم والسلاح! يجب أن تتوافق تلك العناصر الثلاثة مع بعضها البعض. يقول الإمام علي: «رأي الشيخ أحب إلي من مشهد الغلام». نحن نحتاج أفكارا ورؤى لتقودنا نحو مستقبل أفضل. لهذا، فإن جوهر الثقافة هو الحكمة، وجوهر السلطة هو العنف. على سبيل المثال، يعتبر العنف هو الاستراتيجية الرئيسية للحكومة السورية. وفي إيران، قيل إن استراتيجية الحكومة ترتكز على مبدأ: النصر بالرعب.

على النقيض، يجب أن تكون الثورة ضد العنف. منذ فترة، قرأت مقالا رائعا في صحيفة «الوطن» الليبية، ولسوء الحظ، لم يكشف كاتب المقال عن اسمه الحقيقي، بل استخدم اسم «ابن الوطن» كاسم مستعار: إن العنف مقبرة الثورات! ومقتل الثائر في عنفه! ومن استخدم العنف مات به! وخير دليل على ذلك هو المقتول «القذافي» الذي قتله عنفه ودمويته!.. إن الثورة إذا فقدت إنسانيتها وقيمها الأخلاقية تصبح بلا قيمة ولا معنى!!

الآن، نحن إزاء حقيقة أن الكثير من الكتاب والشعراء والمفكرين والفنانين يدعمون الشعب السوري. يبدو لي أن رابطة الكتاب السوريين يمكن أن تلعب دورا مهما في تاريخ سوريا.

لقد طلب خمسون كاتبا مصريا الانضمام إلى الرابطة السورية الجديدة كتعبير عن تضامنهم مع الشعب السوري، وكان من بين الحاضرين منهم بهاء طاهر ورضوى عاشور وعبد الرحمن الأبنودي.

كذلك، أعلن نحو مائة كاتب فلسطيني عن تضامنهم مع الثورة وأصدروا بيانا يطلبون فيه الانضمام إلى الرابطة الجديدة، وتضم المجموعة شخصيات فلسطينية بارزة مثل عزمي بشارة والشاعر مريد البرغوثي. إضافة إلى ذلك، فقد أدار كتاب وشعراء مصريون لقاء في مقهى ريش في ميدان طلعت حرب، كانت بمثابة أمسية شعرية. كانت تلك أول مرة أزور فيها مقهى ريش، أحد أشهر مراكز الثقافة والأدب غير الحكومية. قلت لنفسي إن هذه القاعة الصغيرة في مقهى ريش تعتبر أعلى برج في القاهرة! قرأ علينا بعض الشعراء السوريون والمصريون والأردنيون والمغربيون قصائدهم. كان صوت الثقافة والأدب عاليا وواضحا هناك. مثلما نعلم، في البداية، كانت هناك كلمة، وفي النهاية، ستبقى الكلمة فقط. يعتبر الساسة ضيوفا عابرين على التاريخ، بينما يعد المفكرون والشعراء والكتاب هم الملاك الدائمون لأرض التاريخ.

يعيش سيف الدولة في كنف المتنبي في ديوانه! وهذا هو الدور البارز للثقافة. ليس ثمة أدنى شك في أن رابطة الكتاب السوريين سوف تضطلع بدور مؤثر في مستقبل سوريا. إن سوريا أكبر بكثير من مجرد أسرة بشار والنظام. لقد سمع صوت إبراهيم قشوش وحمزة الخطيب وعلي فرزات أخيرا.

 
 
 

العصابة الحاكمة في دمشق تعتقل الشاعر السوري احمد الشمام في القامشلي

 
Monday, September 24, 2012, 12:23:29 PM | admin

بيان

الحرية للشاعر والمثقف السوري أحمد شمام

اعتقلت دورية من بقايا الامن السياسي التابع للعصابة الحاكمة في دمشق يوم أمس من منزله في مدينة القامشلي الشاعر والباحث المهندس أحمد الشمام، والشاعر معتقل سابق لمرات عدة، كان آخرها في نهاية سنة 2009 عندما اختفى حينها بشكل فجائي ليظهر في مستهل الثورة وليتضح انه كان معتقلا في اقبية المخابرات الجوية ومصاب بعدة أمراض منها ربو والتهاب حاد في المفاصل كان يتعالج من عقابيلهما، وهو مازال لم يشف بعد من المرض حين جرى اعتقاله مجددا. والشاعر شارك في انشطة الثورة السلمية منذ حروجه من المعتقل، وهو من مواليد 1968، متزوج وله ثلاثة اولاد، بنتان وصبي رضيع.

رابطة الكتاب السوريين تدين هذا الاعتداء الجديد على حرية السوريين وكرامتهم وسلامتهم، وتعرب عن تضامنها الكامل مع الزميل أحمد الشمام، وتطالب بالافراج عنه فورا نظرا لخطورة وضعه الصحي والانساني وتحمل النظام السوري المسؤولية الكاملة عن سلامته وكرامته. وتؤكد أنها ستقوم بدورها المدني والحقوقي وستتقدم بكل مامن شانه حماية حقوق وحياة زميلنا في كافة المحافل والمؤسسات الحقوقية والانسانية ذات الصلة.

وفي هذا السياق تعتبر الرابطة الزميل المعتقل أحمد الشمام واحدا من أعضائها، وتدافع عن حريته وسلامته الشخصية كما تدافع عن حريات جميع أعضائها وسائر الكاتبات والكتاب في سوريا وجميع السوريات والسوريين.

الحرية لأحمد الشمام وسائر المعتقلين السوريين الأحرار في سجون الطغمة المجرمة والفاسدة في سوريا المحتلة

رابطة الكتاب السوريين

23-9-2012

 

 
 

القانون الأساسي لرابطة الكتاب السوريين ويليه مشروع النظام الداخلي

 
Thursday, September 20, 2012, 8:02:51 PM | admin

اجتماع الأمانة العامة لرابطة الكتاب السوريين

القاهرة في 18/9/2012

مناقشة وإقرار النظام الأساسي للرابطة

القانون الأساسي لرابطة الكتاب السوريين

تتألف “رابطة الكتاب السوريين” من الأشخاص الذين تتوفر فيهم شروط العضوية المنصوص عليها في النظام الداخلي، والمتلزمين بأهداف الرابطة وقانونها الأساسي ونظامها الداخلي.

أهداف الرابطة

تهدف الرابطة إلى المساهمة في بناء ثقافة وطنية ديمقراطية تستند إلى موروثنا الثقافي العميق والمتنوع، وتنطلق من روح الحداثة، منفتحةَ على التعدد الثقافي واللغوي لسوريا بعربها وكردها وسريانها وسائر مكوناتها الثقافية والقومية.

والرابطة، بوصفها إطاراً يوحد  جهود الكتاب المنظمين إليها، تلتزم بالدفاع عن حقوقهم الاعتبارية والمادية.

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف تعمل الرابطة على:

1-   تفعيل دور الكتاب السوريين الريادي وتعزيز ونشر الثقافة المدنية ودور منظمات المجتمع المدني.

2-   الدفاع عن حرية الكاتب والمبدع السوري في إطاردفاعها عن الحريات العامة وحقوق الإنسان.

3-   المساهمة في تنمية الحياة الفكرية والثقافية والفنية ودعم نشر الكتاب السوري والتعريف به

4-   السعي إلى تحقيق الرعاية الاجتماعية والصحية لأعضاء الرابطة

5-   العمل على توفير حق التفرغ لأعضاء الرابطة لإنجاز مشاريعهم الإبداعية التي تدخل في إطار أهداف الرابطة وتوجهاتها

6-   توثيق علاقات التعاون مع الهيئات الوطنية والروابط والاتحادات العربية والدولية ذات الأهداف والاهتمامات المشتركة، ويمكن للرابطة أن تتمثل في جمعيات أو هيئات عربية أو أجنبية ذات اهتمام مشترك.

7-   تتخذ الرابطة المواقف المنسجمة مع أهدافها بشأن القضايا العامة والاجتماعي

لا تعليقات