معن البياري: أفغانيات ينطقن الشعر.. أو ينتحرن

0
695

خذ فمي كلّه، عندما يتلألأ بدرُ التمام
وتَرَشّفْ شفاهي في النور
تلك تقاليدُنا في الغرام
منحتُك ثغري
بمحض اختياري
ففيم تفتّش عن عقدةٍ في إزاري؟
الربيع البديع أتى يمنح الأرضَ ألوانها
وهنالك في بلدي تحت نار العدو
الشجيراتُ تخلع أغصانها
لا بيت عندي أهديكَ يا حبّي
إلا الذي قد بنيتُ في قلبي
محبوبي هندوسيٌّ وأنا من دين محمد
لكني من أجل الحب سأكنسُ درجات المعبد
قساةٌ قساةٌ ترون العجوز يجرّ خطاي إلى المضجع
وتستفهمون عن السرّ في أدمعي؟

 

مقطوعاتٌ من شعر اللاندي، الشعبي، الذي لا أسماء لصاحباته الأفغانيات (بشتونياتٌ). شعرٌ كثير، القصيدة منه مقطعان، مكثّفان، موحيان، موزونان. السمت الحسّي فيه عالٍ، في تعبيره عن الحب والوله والعشق .. والحرمان، وكذا عن الحرب والشجاعة وهجاء الأزواج والجبناء، وعن الموت والفقد والخسران. حسنا أن ترجماتٍ طيّبةً لهذه الأشعار إلى العربية صرنا نطالعها، أخيرا، وإنْ غالبا من الإنكليزية والفرنسية لغتيْن وسيطتيْن. ولعلّ من اللطافة بمكان أن نطلّ على هذه الأشعار، بينما أخبار أفغانستان الكئيبة قدّامنا لا تتوقف، وتقارير أشدّ كآبةً عن أوضاع مروّعة، تغالبها الأفغانيات، من جديدها فظاعات الاغتصاب والتزويج القسري والخطف ترتكبها مجموعاتٌ من تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي ضد الأفغانيات الفقيرات. وثمّة العنف الجسدي الذكوري، وحرمان الفتيات من التعليم، ومظاهرُ وفيرةٌ من ألوان التعاسة والعذاب مثيلة، أظنّ أن استمرارها يفسّر الزيادة الحادثة في حالات إقدام النساء في أفغانستان على الانتحار، في العام 2017 إلى الضّعف عما كانته في العام السابق. وعلى ما يفيد تقرير مراسل “العربي الجديد” (12 /7 /2018)، فإن 90% من حالات الانتحار هناك تُحاولها نساء.

ولأنها سيرةٌ وانفتحت هنا، كان شديدَ النباهة في مطالعةٍ عن واحدةٍ من ترجمات أشعار من “اللاندي”، الإيروتيكي خصوصا، إلى العربية عبر الفرنسية، أنجزها جميل صلاح، وصدرت في العام 2002، أنها اختارت عنوان “أنْ تنتحر أو أن تغنّي”. وجاء بالغ الأهمية، والإفادة، أن الشاعر عبدالله أبو شميس وأستاذة الترجمة حنان الجابري، أصدرا أخيرا ترجمةً شائقةً ومتقنةً، لمختاراتٍ في كتاب “اللاندي.. من شعر المرأة الأفغانية في الحب والحرب” (أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، 2018)، جمعها الشاعر والباحث الأفغاني، السيد بهاء الدين مجروح (اغتيل في بيشاور في 1988). وهو كتابٌ تبقى مذاقاتُه (112 صفحة) في وجدانك بعد قراءتك له، مع زوبعةٍ من الأسئلة بشأن غزارة الأسى الذي أقام في الأفغانيات، غير المعلومة أسماؤهن، لمّا جهرن بكل هذه الأشواق والآلام والحسرات، بإيقاعاتٍ هادئةٍ، لكنها تضجّ بإيحاءاتٍ عظيمة الوقع. ولمّا كانت صاحبات هذه الأشعار، الشديدة الإيجاز في ضرباتها الراعفة بالحزن واللهفة واللوعة، أميّاتٍ غالبا، فإن قناعةً ستتسرّب إليك وفيك بأن الفنون، الشعبية الطّلقة خصوصا، من أمضى أسلحة الإنسان، عندما تشحّ قدّامه أدوات مواجهة الظلم والتجبّر والعسف والمقاومة. وفي “اللاندي”، شعر الأفغانيات البشتونيات المظلومات، كثيرٌ من المكر والتمرّد، ومن الاحتيال على المحظور، ومن التجرّؤ على الممنوع، ومن تحليق الروح في سماءات الحرية العصيّة على أي خنقٍ واختناق.

تُرى، هل في تخفّي شاعرات اللاندي الأفغانيات منجاتُهن من قتلٍ غير مستبعد؟ ربما. الشاعرة راهيلا موسكا، الأفغانية من إقليم هلمند، تعرّفت، عبر إذاعةٍ، على أديباتٍ يضمّهن في كابول تجمعٌ ثقافي، ثم تُخبرهن من المستشفى بأنها أقدمت على حرق نفسها، لكن انتحارَها خاب، وذلك بعد أن ضربها أخوها بعنف، لمّا عرف أنها تكتب الشعر. اعتنت بها، وبمثيلاتها الشاعرات من الأفغانيات المحرومات، والمنتهكة حقوقهن الاجتماعية، الأميركية إليزا جريسولد، وأنجزت في العام 2014 عنهن كتابا (نشرت صحيفةٌ عربية مقدّمته بالعربية)، ربما يمكن وصلُ ما اشتمل عليه بما اشتمل عليه ما جمعه بهاء الدين مجروح، من مختاراتٍ من “اللاندي”، وطالعناها بالعربية بترجمة عبدالله أبو شميس وحنان الجابري، بلغةٍ أظنّها وقعت على الرّوح المتظلّلة بالشهوة والأسى والتمرّد.. تقول امرأةٌ أفغانيةٌ في واحدةٍ من قصائد الكتاب:

بسرّي أذوي.. في الخفاءِ أنوحُ
أنا امرأة البشتونِ
كيف أبوح؟

العربي الجديد

لا تعليقات

اترك رد