عادل بشتاوي: ديكان ودجاجة

0
833


1
كانت الدجاجة الحبشية تستظل تحت عريشة وقد رفعت ساقيها على حجر رخام تحتسي قهوة من كأس ورقي بني اللون عليه اسم “كوستا” وبين أصابع يمناها سيجارة ممشوقة مثل ساقيها وإذ بظل يهتز فوقها هبط فهبط معه ديك حبشي عاينها من يمين وشمال وفوق وتحت وصاح في سره “هذه لي أرسلها رب العالمين فالحمد له والشكر على نعمه، وابشر يا ابن عباس.”
وتقدم صاحبنا والدجاجة تنظر إليه نظرة صاحب البسطة الذي يعرف الزبون المشتري من الزبون المتفرج لكن ما أن خطا خطوتين أو ثلاث في اتجاهها حتى اظلمت السماء فوقه هبط بعدها ديك أفحل منه وأكبر ومنعه من التقدم. وبعد مشاحنة بالعيون والقفز والدوران قررا أن الخصم لن ينسحب ويترك له الدجاجة فقفزا معاً عالياً واصطدما في الجو ثم هبطا معاً كما تهبط بطيخة مستوية على حجر أصم وتعاركا طويلاً وما هي إلا دقيقة أو أقل حتى كان ريش معظم صاحبنا الأول تطاير في الجو ولم تبق في ذيله إلا ريشة واحدة مكسورة انكسر معها خاطره فهرب للسترة طالباً وإلى النجاة زاحفاً.
وتقدم صاحبنا الثاني مزهوا باتجاه الدجاجة فرفعت يمناها بالسيجارة الممشوقة وصاحت به: “إلى أين يا حبيب أمك؟” فقال: “إليكِ، طبعاً. انتصرت وأنتِ الآن لي.” ضحكت الدجاجة طويلاً ثم قالت من بين ضحكها: “أما كنت سألتني قبل أن تهبش صاحبك إن كنت أريدك؟ أنا كما ترى جالسة بالمايوه، أدخن واشرب قهوة من كوستا وأنت من الدقة القديمة غداً تقول لي: “البسي الحجاب”، وبعدها بيوم “صلي”، وفي اليوم الثالث “صومي”، وفي الرابع “بوسي يد أمي”، وفي الخامس “بوسي قدمي”، وفي السادس “اقلبي فأنا مثل ابن عباس لا ينكح إلا على حرف”، فانصرف. أنا متحررة والعصمة في يدي فأنا الرابطة وأنت مربوط بابن عباس ورهطه لكن تريد أن تربطني. أما كنت سألتني أولاً؟”
2
في رابطة الكتاب السوريين صراع على دجاجة حبشية فاتنة لا تحب ابن عباس وتريد البقاء حرة تشرب القهوة متى شاءت وتدخن عندما يحلو لها وترتاح إلى المايوه لا إلى النقاب. سبب الصراع، كما قالت الدجاجة الحبشية، سوء فهم من الخصمين عمَقه تدخل حموات لا يعرفن الرابطة ولا طريقة إدارتها على رأسهم القتالي فيلسوف لا يستطيع التفاهم مع الدجاج الحبشي. المكتب التنفيذي لرابطة الكتاب كوم من العظام باستثناء شاب واحد رغبتهم الأولى والثانية والنهائية تسليم العهدة إلى أمانة عامة جديدة كي ينسحبوا إلى واجبات أسروية ومهنية أهملوا التعامل معها ست سنوات صعبة. الدجاجة الحبشية تعرفهم تماماً لذا تقول إنها لا تعرف عضوا واحداً استفاد من الرابطة بقرش وحتى المكافآت (100 دولار) على مقالات تنشر في مجلة أوراق كتبها أعضاء في المكتب التنفيذي تقدم إلى الرابطة كرسم عضوية فيها.
أعضاء المكتب يتفقون على أمر ويختلفون على أمر آخر. بعضهم اتفق على أن فترة رئاسة الرابطة انتهت وفي الأفق انتخابات حرة تشمل الأمانة العامة الذي ينتخب المكتب التنفيذي الذي ينتخب الرئيس فليست هناك مشكلة. ليس في المكتب من يريد الرئاسة فليتقدم إليها من يشاء فعلى ماذا الخلاف في الرابطة؟
واحد أو أكثر في المكتب رأى أن بقاء الرئيس رئيساً خلال الفترة يطيب الخواطر ويبدو أن هذه الرغبة نُقلت إليه وربما اعتُبرت قرار جميع أعضاء المكتب. آخرون في المكتب رأوا أن انتخاب رئيس جديد صلاحية المكتب التنفيذي الجديد فكيف تكون له هذه الصلاحية أن كان على رأس الرابطة رئيس؟ الدجاجة تقول إن هذا الرأي لم يُنقل، كما يبدو، كما نقل الرأي الأول فحدث تضارب لم يُنبّه إليه المعني به وربما كان على من نقل إليه الرأي الأول أن ينقل إليه الرأي الثاني منعاً للاحراج.
رئيس الرابطة جاء في انتخابات نظمها المكتب التنفيذي وعين لها لجنة خصصت من وقت اقتطع من مسؤوليات أخر أكثر من شهر لإنجاحها. الرئيس بنّاء يستطيع إقامة عمارة من عشرة طوابق في يوم، ويستطيع حشد فريق سيعتلي أعلى قمة في افريست حتماً. لكنه بناء إذا وصل إلى القمة نزل بهدوء وبدأ مشروعاً آخر. الأمر ليس بيده فهو شاعر حتى في معاركه. اللجان التي تدخلت في الخلاف عقدت الأمر بل تقول الدجاجة أنها زادت قهوة كوستا ماء لم يكن مناسباً. مثلاً، تقول الدجاجة، المكتب التنفيذي غير ملزم بتقديم حسابات. ليس في بنك الرابطة الخالي عادة مال عام ولا يتقاضى المكتب التنفيذي رسوم اشتراك من أحد فهو كشركة خاصة غير ملزمة قانوناً بتقديم حسابات لأحد. عند المكتب التنفيذي منحة خاصة لا يريد مقدمها حمداً ولا شكورا ولا يريد كشف أسمه. هذا حقه يمكنه مقاضاة المكتب على خرق اتفاق إبقاء اسمه بعيدا عن التوثيق فكيف تطالب لجنة هذا وذاك كشفاً بالحسابات؟ المعني الوحيد المخول بطلب كشف ببنود صرف منحته هو صاحب المنحة. لجنة غيرها تريد تقريراً عن نشاط الرابطة. من أين يا حبيب أمك، تقول الدجاجة، الوقت لكتابة مثل هذا التقرير؟ من عنده وقت ليكتب تقريراً مثل هذا؟ اكتبه أنت، تقول الدجاجة.
تقرير ثالث حجب أعضاء في المكتب التنفيذي عن الترشح للأمانة العامة. الدجاجة تقول: من أنتم حتى تقرروا شيئاً مثل هذا؟ الهدف من الترشح محاولة من مجموعة صغيرة وقف شطط ممكن في الأمانة العامة كي لا تخرج مجموعة فيها فتعلن والد المكتب التنفيذي السابق وأمه وبنات عمه والدجاجة الحبشية أيضا أنجاسا وأولاد حرام. أبعد ست سنوات من النضال لإبقاء رابطة الكتاب السوريين منظمة قائمة يُهان أعضاء المكتب التنفيذي بهذه الطريقة القبيحة؟
هل رد أعضاء في المكتب التنفيذي بطريقة مماثلة؟ نعم، تقول الدجاجة الحبشية لكن السبب أن هجوم الطرف الآخر كان كاسحاً فدخل لا من الباب فقط بل من النوافذ وحتى من المدخنة على طريقة بابا نويل. إذا، هو رد فعل المذعور، تدعي الدجاجة.
اسمعوني، تقول الدجاجة:
1- ليس في المكتب التنفيذي من وضع فلساً في جيبه من الرابطة
2- ليس في المكتب التنفيذي ولاء لقطر وغيرها
3- ليس في المكتب التنفيذي من خان الأمانة ولا من وضع مصالحه الأسروية أو المهنية فوق مصالح الرابطة.
4- معظم أعضاء الأمانة العامة تخلوا عن مسؤولياتهم ورموا بالمسؤولية كاملة على اكتاف عدد صغير من الأعضاء الملتزمين فكيف يسمح البعض لنفسه بشتمهم وإدانتهم؟ ألم يكن باستطاعتهم طوي صفحة الرابطة وإراحة أنفسهم من هذه الدوشة؟ أبعد جهد ست سنوات نكح حروفي على طريقة حرف ابن عباس؟

نوري الجراح حجر الزاوية في إقامة رابطة الكتاب السوريين ولحق به كلام كان يجب إلا يخرج وعلينا جميعاً الاعتذار له علناً والدجاجة أول المعتذرين لكنه سوء تفاهم لا أكثر.
المكتب التنفيذي لا يدان على خطوة لا يبدو أنه انتبه إليها. كان عليه تشكيل لجنة انتخابات برئاسة عضو منها يتنازل عن الترشح للأمانة العامة أو اختيار عضو مستقل من أعضاء رابطة الكتاب ومنحها صلاحية مطلقة في إدارة الانتخابات وتسيير أعمال الرابطة وحل المكتب التنفيذي.
هو لم يفعل لكن، تقول الدجاجة، ربما وجب عليه القيام بذلك قبل أن يفوت الوقت.

أمر أخير تود الدجاجة عرضه: اتفق عدد صغير من المصلحين على تجميع كل ما كتب خلال الحرب العالمية الرابعة في رابطة الكتاب ونشره في موقع لأعضاء رابطة الكتاب لا للمكتب التنفيذي كي يقرأ الناس ما كُتب فيخجلون من بعضها على الأقل ويعتذر الجميع للجميع ولعل صفحة جديدة تفتح. لكن شاء القدر غير ذلك. كانت الدجاجة نائمة فدخل عضو في رابطة الكتاب الموقع على طريقة مخابرات القوى الجوية وخربه فتطاير في الجو الافتراضي ولم تبق في ذيله إلا ريشة واحدة مكسورة.

*عادل بشتاوي من مؤسسي رابطة الكتاب السوريين عضوالأمانة العامة المنتخب وعضو المكتب التنفيذي المنتخب ومدير تحرير مجلة أوراق وهو تفرغ الآن لكتاباته والمساهمة في إعمار المبادرة الابداعية وشرب القهوة والتدخين.

لا تعليقات

اترك رد