عبدالحفيظ العمري: في أحوال التديّن

0
133
عندما ظهر الإسلام في مكة المكرمة في القرن السابع الميلادي كان أكثر الذين آمنوا به هم ضعاف القوم من قريش من العبيد والإماء إلى جانب العقلاء من أكابر القوم، فكان إيمان هؤلاء الضعفاء الشمّاعة التي علّق عليها الجهلاء من أكابر قريش عذرهم عن عدم الدخول في الدين الإسلامي، حتى لا يتساووا مع عبيدهم وإمائهم. لكن الإسلام لم يلتفت إلى هذا العذر الواهي الذي حاول الجهلة به التملّص من الدخول في الإسلام أصلا. والملمح هنا أن طغاة القوم استغلوا ضعف المسلمين لوأد الإسلام بإنزال العذاب بضعفائهم، فكانت الهجرتان، الأولى والثانية، إلى الحبشة، المتنفس الذي هرب به الضعفاء من العذاب، واستمر الأمر كذلك حتى قويت شوكة المسلمين، وصار لهم دولة فيما بعد.
أسوق هذا الكلام في معرض حديثي عن صنف من المتدنيين الذين دخلوا معترك الحياة من دون تدين يُذكر، وذلك حين سُدت في وجوههم سبل الحياة، إذ فشلوا في دراستهم أو لم يحصلوا على وظيفة أو أي سبب أدى بهم إلى الفشل في بناء حياة طبيعية، فكان رد فعلهم أن لبسوا عمامة الدين وأصبحوا في ليلة وضحاها من المتدنيين الذين يُشار إليهم بالبنان.
أقول، إنّ التدين ليس ملكا ولا صكا يمنحه أحد، غير رب العالمين سبحانه، فمن أنا حتى أحظر أحدا من أن يصبح فردا ما ملتزما بتعاليم دينه، بل العكس أن هذا مما يثلج الصدر، لكني أرى هذه النوعية من المتدنيين الجدد الذين جعلوا الدين خط العودة الأخير لمّا فشلوا في الحياة العامة، وكأنما الدين في نظرهم هو الحل النهائي للحياة الكريمة.
الدين هو سبيل الحياة الكريمة، ولا شك، لكنه ليس سلة مهملات، يلجأ إليه الفاشلون في حياتهم العامة ليداروا فشلهم؟! لست ضد التزامهم، لكني ضد جعلهم التدين تغييبا وهروبا لهم من معركة الحياة العامة، فالإسلام لا يحتاج إلى العاطلين عن العطاء ولا المتكاسلين عن أداء دورهم، ولا الهاربين من معركة الحياة. فكيف للإسلام أن ينتشر ويسود، والذين يحملون أمانته فيهم من هذا الصنف الفار من فشله إلى التدين؟! فكيف نخوض المعركة في الحياة المتصارعة بجنود هاربين من معاركهم الشخصية؟ وكيف سيحمل أمانة هذا الدين أناس لم يستطيعوا حمل أماناتهم الفردية؟
منْ يتخاذل في الارتقاء بنفسه لن تأتيه الهمة والعزيمة للارتقاء بدين يبلغه للعالمين. وما زاد الطيبة بلة هو ذلك الخطاب الديني الذي وافق هوى هؤلاء، بدعوته إلى الزهد في الحياة الدنيا، وأنّ الاخرة هي الأهم ولا سواها، والدنيا ظل زائل..
أقول لا غبار على أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، لكن الغبار كل الغبار على فهمنا السقيم الذي حوّل مدلول الأوامر النبوية من معناها التربوي إلى معناها التخاذلي، فوافقت هوى زمرة من الخاملين.
إنّ الزهد الذي نادى به النبي الكريم، هو زهد القادر لا زهد العاجز المستكين، بل إنه عليه الصلاة والسلام نفسه كان زاهدا وقد عُرضت عليه جبال مكة ذهبًا.
ومن ناحية أخرى، بماذا سنبني الآخرة المنشودة؟ أليس بأعمالنا الصالحة في الدنيا؟
إن الانسان هو خليفة على الأرض خوّله الله هذه الخلافة ليعمر الأرض، فالزهد لا يعني عدم امتلاك مقومات الحياة الدنيوية الكريمة التي تجعل المسلم قويًا عزيزًا في كل أحواله. وقد وصدق النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه القائل: “الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجِز،ْ وَإِنْ أَصَابَكَ شيء فَلاَ تَقُلْ لوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَل فَإِنَّ لوْ تَفْتَحُ عَمَل الشَّيْطَانِ”.
فلماذا أخذ هؤلاء عبارة “وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ” ولم يأخذوا بمجمل الحديث؟
كاتب من اليمن: العربي الجديد

لا تعليقات

اترك رد