سلام أبو ناصر: هل يمكن للسلاحف أن تطير؟

0
63
دائمًا، كانت تساورني الشكوك تجاه فصلي الربيع والخريف، فهما ليسا مجرد فضلات مناخية مغلفةٍ بإسقاطات زمنية متممة للطبيعة، أو استعراضً للآلهة في قدرتها على فعل وخلق ما تشاء. لا أعلم إن كان للحيوانات رأي آخر على الصعيد المناخي؟ ولكن، لكم تغريني اللافقاريات، لا شيء يعلوها سوى العقل، على عكس الإنسان الذي لا يعلو سيماءه سوى الزيف والنكران.
ليس الأمر تعدّيًا على حكمة الآلهة، أو معتقدات الآخرين، كل ما هنالك أنني أشعر بلبسٍ في الأمر، والالتباس أيضا، نقطة أقف عندها مثل لاجئ فقد هويته، قبل أن يطالها، بعد أن تاهت بي فلسطينيتي بين أقاصيص أجدادي وقيودي على دفاتر “أونروا”.
برنامج “خبرني يا طير” كان أملي الوحيد، قبل أن يوقفوا تصويره ويسقطوا سذاجتي في مقتبل الوعي، إذ ولا بد، أنّ أدواته أربكت الذين وقعوا في شرك إنسانيتهم، فمضى البرنامج إلى الذاكرة العابرة، ومقدّمه الممثل جهاد سعد إلى الكثافة الدرامية، والفلسطينيون إلى شتاتهم المعهود من أمل إلى آخر، يسيرون في ممر دودي، لا يفضي سوى إلى برامج الأخبار.
كنت قد تأسفت أيضًا، فيما مضى على التغريبة الفلسطينية، مسلسلاً وقضية، لكن مع تقدم يأسي وبجاحة تشرّدي اللذين انتهيا نحو بلاد المهجر، أصبحت الحلول الإلكترونية والدرامية أشياء لا تستهوي غضبي أو تلائم حريتي بادئ الأمر، علماً أنني لم أكن من المتهكمين على ما حدث وما قد يحدث، إذ تمنيت، في نفسي، لو مجرد عابر اتصال كنت أتخيله في صباي، لكن جاءني ما ورد على لسانه: “لم يعد أحد من الموتى ليخبرنا الحقيقة”، فبتُّ موقناً أن هناك من يزل ينتظر أولائك الموتى.
وفي صيغة أفضل، نحن هم الموتى، نحيا بفضل روايات غسان كنفاني. ننشد العزة والإباء بدماء قتلانا وتصدح أصوتنا بكلمات إبراهيم طوقان، وهو يغني للمعتقلين وهم يبتسمون بين أيادي المحتل، يتأملون الحقيقة وهي تخبو في الظلام والتساؤلات المنتشرة على قضبان السجون وفوهات البنادق، على أرصفة وبسطات المخيمات وكروت الإعاشة، بين أيادي أطفال الحجارة وخبز التنور.
لم يقصد المخرج، بهمان غوبادي، في فيلم “السلاحف تستطيع الطيران” أن يصور حال جميع المخيمات والمشردين عن أوطانهم، بل أشاد إلى الأثر الذي خلفته ورائها صراعات الأمم ومصالح “الفيلة” من خلال بقعة صغيرة تصلح معها فهم المعاناة الفلسطينية بشكلها ومضمونها من الناحية الوجدانية والإنسانية، والتي لا تزال رهينة صمت دام أكثر من سبعة عقود. لتكون المحصلة، في النهاية، كلمة بالخط العريض “أجنبي” أمام شبابيك التذاكر، وكنيتك “لاجئ”، وأمامك كتيّب إرشادات بلون الخيبة، تشير أهم نقطة فيه إلى “يمنع إدخال الزيتون”. طبعًا لو كان للفيلة أن تشرب الماء كلّه حتى تصير الأرض عجاف، ثم يدمّرونها بأقدامهم، ليَسْأَلنّكَ، وأنت تقف عند حافة الهاوية: هل في إمكان السلاحف أن تطير؟. ومن وراء عدسة التصوير، سيسألكَ أحدهم: من أي وطن جئت؟ تجيب: “وطني هناك… ثم يقاطعك منادياً: المتألم التالي.
بات الأمر أكثر وضوحاً الآن، فوحدنا الارتجاليون نسير بلا عنوان، من وطن إلى آخر، ومن دائرة نفوسٍ إلى أخرى، حتى بات المشاهد الناعس يسأل عنا: ما حالكم؟، أما يزال الربيع والخريف يشبهانكم؟
لا شيء يشبهنا، فنحن الكاتب والقارئ والسطور إذ الأقلام معنا، نحن الروح المغتصبة فوق علم البلاد، تسيل دماؤها من أغصان البرتقال، لتسقي الأرض فتنبت بندقية، نحن “موكلي”، ذاك الفتى الكرتوني الذئب – بشري، الذي تربى بين الذئاب فصار مثلهم، لكن من دون غابة تجمعنا. نحن المارّون على جنبات الدهشة، ننتظر متكئين على حراب القلق عند ناصية الأمل، حين تسبقها ظلالنا.
 
كاتب من فلسطين – العربي الجديد
الصورة: Via Flickers

لا تعليقات

اترك رد