عائشة بلحاج: تسقُط شهرزاد

0
59
تُستعمل قصّة شهرزاد دائمًا لتقديم نموذج إيجابي للمرأة شكلا للمقاومة، لمواجهة الموت بسحر القصة، والقوّة بالذكاء. لمواجهةٍ بين رجل جبّار وامرأة ضعيفة. وفي هذه القصّة، تتجلى العقلية الذكورية التي أسّست للعلاقة بين المرأة والرجل، على نمط قصة شهرزاد نفسه. هنا رجل قوي، وامرأة ضعيفة عليها أن تُمارس كلّ الحيل الممكنة لتعيش، فقط لتعيش.
وحين تحتاج المرأة إلى سببٍ وجيه لتعيش، إلى أن تحكي قصصًا لتنجو، فهي إذن حياة مسروقة؛ بما أنّه كان عليها أن تقتنصها من فم الأسد، كإحدى مكوّنات السلسلة الغذائية بين حيوانات الغابة، لا أكثر. أن تتنكّر في شكل سحليّةٍ بالغة الذكاء، وأن تخلع جلدها كل سنة، مثل أفعى. وتركض بخفّةٍ عديمة الأثر، خلف ظهر الأسد. أن تنظر خلفها دائمًا كأنّ ظلها لصٌّ خفي، أو وحشٌ مستعدٌّ للانقضاض عليها في لحظة غفلة.
في عالمٍ بعيد عن أن يكون بيئةً صالحةً لحياة آمنة، ما بالك بحياة مرفّهة، تبقى المرأة طوال حياتها مرعوبةً من فكرة أن لا تعيش بكرامة؛ أن تُداس في شارع خلفي من وحش بشري، أو تُستغل من أستاذ، أو مدير، أو حبيب؛ تعلّمها أمها أن تنظر خلفها باستمرار، حتى لا يُغافلها “ذئبٌ” ما، قد يكون لصًا، أو متحرّشًا، أو مغتصبًا. كيف إذن تجد الوقت والطاقة، لأن تفكّر في أشياء أكبر وأوسع من دائرتها الصّغيرة؟ هي التي تقلق أسرتها معظم الوقت على سلامتها،
“في عالمٍ بعيد عن أن يكون بيئةً صالحةً لحياة آمنة، ما بالك بحياة مرفّهة، تبقى المرأة طوال حياتها مرعوبةً من فكرة أن لا تعيش بكرامة” وترث هي هذا القلق (بدافعه ارتُكبت بشاعات كثيرة)، حتى إذا استقلّت يومًا، أبقت نفسها في الدائرة الضّيقة نفسها التي كبرت فيها. وبالنظر إلى الخطر وحوادث الاغتصاب والتّحرّش الهائلة، لا نعرف إن كان العذر أقبح أم الذنب.
موروثٌ ثقيلٌ من احتقار المرأة وإنسانيتها، من سجنها في سجن الجسد المُشتهى والمغري، والقابل لأن يكون فاسدًا في لحظةٍ واحدة، لأن يكون مصدر عار أبدي. لذا حين تم تسويق قصة شهرزاد، نموذجا للمرأة الناجحة التي لجأت للقصص لتنقذ حياتها، عُلّمت المرأة أنه عليها أن تحتال على الموت، من أجل أن تعيش. عُلّمت أن لا تصرخ في وجه القاتل، وتركله في خصيتيه “مصدر فخره”، وأن تبقى خائفةً على حياتها، كلّ يوم بيومه. استُعملت القصة ضد المرأة، لا معها، لإقناعها بأن تستخدم “كيدها” الشهير الذي لا نعرف من وصمها به، لتنجو من الموت المعنوي، بدل أن تقف ببساطةٍ، وتأخذ حقها من مجتمع ذكوري بامتياز، من دون قصص أو حكايات؛ وبعدها تعوّد الجميع، بمن فيهم النساء، على تسويق نموذج شهرزاد مثالا للمقاومة.
ليس هذا التّسويق لنموذج شهرزاد، من النساء أيضا، بالأمر الذكي الذي تفعله امرأة لتشجيع نساء أخرياتٍ، مهما كان السياق. لأنّه ليس على المرأة أن تفعل أي شيء لتبقى، لأنه ليس عليها في الأصل أن تموت؛ ليس عليها أن تُقتل مرّتين، في قصة شهرزاد، بالزواج من سفاح أولًا، ومرة بذبحها بعد ذلك. وبدلًا من تمجيد شهرزاد، لماذا لا تُذكر النساء المذبوحات على سرير شهريار؟ شهيدات عقده النفسية التي تم تبريرها في القصص بخيانة زوجته له. أي دموية هذه يمتلكها هذا الرّجل/ الحاكم. الذي نراه في صورة الملك الذي له الحقّ في القتل والعفو، والرجل الذي أُغويَ، واستمتع بقصص عروسه التي عاشت بعدها، لأنه حين انتهت القصص، كانت شهرزاد حاملًا. أي أن المرأة لا تستحق الحياة في حد ذاتها، لابد أن تجد سببًا وجيهًا لذلك، القصص أو أطفال القاتل.
يجب أن تكون ذكيةً لتنجو، كيف لم يُطرح سؤال قدرة حاكم على قتل نسائه البريئات فقط لأن إحداهن خانته. كيف كان يتصرّف هذا الرجل/ الحاكم مع شعبه؟ بأي منطق حكم؟ أي نوع من الملوك هو؟ ألف ليلة وليلة، على الرغم من مزاعم تأليفها من امرأة مُختلقة، قصصٌ مكتوبة بنَفَسٍ ذكوري خالص. نفَس يرى المرأة كائنا مُغويا مُغريا؛ فهو إما محل إغواء للرجل، يقع في حبه هذا الأخير، أو الكائن الظريف، الذكي في ابتكار طرق اجتلاب حب الرجل له. كل شيء آخر يدور في هذه الدائرة المغلقة. وهو أمرٌ لا يشغل المرأة إلى هذه الدرجة؟ المرأة التي تنشغل بما هو إنساني أكثر، وأبعد من علاقتها بالرجل نصفا ثانيا لها. تنشغل بأمومتها، بعلاقتها مع الأب، الأخ، الأم، بالطبيعة.. وهي أشياء ليس لها حضور مركزي في هذه القصص. وتنشغل إن امتلكت قدرًا من احترام الذات، والاستقلالية بنفسها، بحضورها في الحياة، بنوعية الحياة التي تعيش.
ومن هنا، يمكن مراجعة كل ما كُتب في التراث حول المرأة، وتمثلها في “ألف ليلة وليلة”، و”كليلة ودمنة”، وفي كل ما وصل إلينا من المقامات والشعر، وتمثل المرأة في التراث العربي الأدبي بشكل عام؛ حين لم تكن المرأة تكتب، بل كانت موضع كتابة، موضع حكي وفق مواصفات غريبة، فحين نقرأ بعض المستملحات التي كتبت عن مواصفات جمال المرأة، والتي من شبه المستحيل توفّرها لدى امرأة واحدة، ندرك حجم غياب أي لقاء بالمرأة، التي تصبح خيالًا مشتهى من شدة غيابه، ذلك الغياب الاضطراري الذي لم تُسأل فيه.
حتى في قصص الحب التي تناقلتها الأجيال، اللّقاء منعدم، فيزيد الحرمان، ويزيد حضور المرأة “الأنثى” المعشوقة بصفاتها الجسدية، وتغيب المرأة الإنسان. ويقتصر ذكر المرأة على جسدها، والمرّات القليلة التي ورد فها ذكر جزءٍ آخر من المرأة يكون من منطلق الذكاء، ويكون ذلك
“يزيد حضور المرأة “الأنثى” المعشوقة بصفاتها الجسدية،
وتغيب المرأة الإنسان” محلّ تحبّب وظرف، فحين يرد ذكر جاريةٍ ذكيةٍ تحفظ الشعر والقصص والأخبار، يكون الأمر عاملًا إيجابيًا في ارتفاع ثمنها لندرة “نوعها”، مثل قردٍ يجيد الابتسام، كم سيكون ذلك ظريفًا وقيمًا في تحديد ثمنه في سوق الحيوانات الأليفة.
 
oosterse-bruid-met-boeket-
 
كنت، في فترةٍ، أروّج فكرة أهمية القصّة في الحياة، بالاستشهاد بشهرزاد التي أنقذت القصص حياتها. ثم فكّرت: لماذا على المرأة تكبّد هذا العناء لأجل عنقها فقط؟ فتشتري حياتها بقصّة، هل القصّة تساوى حياة كاملة؟ أم أن الحياة “حياة امرأة” ليست سوى قصّة قصيرة في مجموعة قصصية للرجل؟
تحدثت الباحثة المغربية، فاطمة المرنيسي، في كتابها “نساء على أجنحة الحلم” عن الكيفية التي تمكّنت بها المرأة من مغازلة السّلطة مع بداية الليلة الثانية بعد الألف، حين صمتت شهرزاد عن الكلام المباح، تقول: “بكيتُ حين صمتت أمّي عن حكاية شهرزاد. ولكن كيف نتعلم الحكي لكي ننتزع إعجاب الملك؟ همسَت والدتي، وكأنها تخاطب نفسها، بأن ذلك قدر النّساء، إنهن يقضين حياتهّن في إتقان مثل هذه الأشياء. فلم يسعفني هذا الجواب الغامض بشيء، أضافت أمّي بأن سعادتي في تلك اللحظة رهينة بمهارتي في استعمال الكلمات”.
في قصص “ألف ليلة وليلة”، لا تخرج المرأة عن دور الحبيبة التابعة للبطل، أو الشخصية المتآمرة. كما أنّ أشهر شخصيات الكتاب رجال، ما عدا شهرزاد (شهريار، علاء الدين، السندباد البحري، علي بابا، علي الزيبق، معروف الإسكافي، أبو قير وأبو صير).
ومن القصص إلى الشعر العربي الذي كانت فيه المرأة معشوقة فقط، محلّ الحب ومحلّ الغزل.. قليلات هنّ من اخترقن هذا الجدار، وكانت الخنساء أشهرهن، ولم تُعرف بالغزل بل بالرّثاء. وكأنّه من العيب، “وكان ذلك صحيحًا” أن تكتب المرأة عن الحب بشكل موازٍ للرجل، على الرغم من أن ليلى وبثينة، وغيرهما من معشوقات الشعراء، كن يقلن شعرًا أيضًا، لكنه لم يبلغ أبدًا مستوى ما كان يقوله هؤلاء، إما لأنّه لم يُنقل بأمانة، لأنه ليس بقيمة شعر الرّجل في رأي العرب آنذاك، أو لأنّهن لم يكنّ شاعراتٍ جيّدات، أو لم يجدن التعبير عن الحب الممنوع.
في كل الأحوال، ما كان معششًا في منطق الماضي، ما زال هنا يُتوارث بجديةٍ لا مناص عنها، الدّين يتم الاحتكام إليه فقط عندما يتعلق الأمر بمنح حقٍّ ما للمرأة، الشرف يُخشى عليه من أن تلوّثه المرأة، العادات هي من تطبق عليها،.. على الرغم من الحداثة الظاهرية لبعض المجتمعات، غير أن كل ما يتعلّق بالمرأة “مدعشش” حتى النخاع.
 
كاتبة من المغرب – العربي الجديد
 

لا تعليقات

اترك رد