عائشة بلحاج: حين تترهّل اللّغة… كيف نتواصل؟

0
82
 
عائشة بلحاج
 
اللّغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل أيضًا وسيلة تواصلٍ لا مثيل لها. ولا شك أن الإنسان تعب كثيرًا في فهم الإشارات، حتى توصّل إلى فكرة اختراع اللغة. لتخضع لقاعدة التطوّر من شكلها البدائي المحدود إلى الشكل الحالي، بما أنها كائنٌ حي، يواكب حياة مستعملها، فاللّغة صنعت، كما يقول هوبز، من نسق علاماتٍ اختارها الأفراد أولًا لأنفسهم. 
لكن، إذا علقت اللّغة في أزمنة رديئة، أزمنة الانحطاط الشّامل، فكيف نتواصل؟ كيف تبقى على قيد الحياة، ولا تُصاب بالخرف والعجز، مثل عجوزٍ مصابة بالزهايمر، بلا أبناء، أو بأبناء عاقين، تنتظر موتها الرّحيم في مأوى للعجزة؟ 
معظم عمري، كانت الشّتيمة الوحيدة التي تخطر لي لحظة الغضب، هي “حمار”. ثم أخيرا لم تعد كافية، فتغيّرت إلى شكلٍ أقوى. ظننت أن الأمر راجعٌ إلى نفاد صبري وعصبيتي المتزايدة، ثم انتبهت إلى أن الكلمات الجميلة تفقد قوّتها أيضًا. كنا نقول “جميل” للتّعبير عن شيء ما يعجبنا، خصوصا في التّواصل الفيسبوكي. ثم ترهّلت الكلمة، وبدأنا نحتاج لـ”جدًا” للقول إنّه شيء جميل فعلًا وليس مجاملة. ثم انتقلنا إلى “رائع”، ثم مذهل، مرورًا بـ”جدًا” كل مرّة. الآن، بعد أن فقدت كلّ هذه الكلمات مفعولها، ماذا نفعل؟ هل نكرّر ما يفعله بعضهم؟ بتكرار الكلمات، وكلّما ترّهل عدد منها، أضفنا رقمًا آخر إليه؟ “روعة روعة”، أو مثل ما يفعل بعضهم بمطّ الكلمة، مثلًا، نقول: “رااااائع”، ونضيف حرفًا كلّما ترهّلت الكلمة؟ 
تذكّرني هذه الفكرة بوقتٍ كنت متيقنةً فيه، وأنا طفلة، من أن “بليون” هو آخر رقم، وأكبر عدد. لذا كنت أضربه في أعداد أخرى: مليون بليون، أو بليون بليون. قبل أن أكتشف أن بعد البليون هناك عائلة طويلة من الأرقام، من تريليون إلى جوجول (100 صفر) وأظرفها سبتندشيليون (54 صفراً) وهو أشبه بـ”سبايستون”، فانتهت زنقتي اللّغوية العددية. لكن هل تفقد اللغة قوتها بالاستعمال فعلًا؟ هل نحتاج إلى تجديد الكلمات؟ ماذا لو نفدت اللّغة منا؟ 
نحن الآن في عصرٍ خارق للطبيعة، بل قاتل لها. ينطلق بسرعة الصّاروخ، لا ينتظر أحدًا ولا يبطئ سيره لأيّ كان. وأي لغة تريد البقاء على قيد الحياة، وعدم السّقوط من العلو الشاهق لعصر السّرعة، عليها أن تُطوّر نفسها وتشذّبها. فتقوم بعمليات شفطٍ ونفضٍ مستمرة، تستغني عن المفردات الثقيلة، لتتمكّن من مواكبة سرعة الزمن، عبر اكتشاف صيغ جديدة للكلمات. صيغًا تُبقى على دور اللغة وعاءً للخطاب الإنساني، بدلًا من أن تكون مُكوّنا تراثيا أو تاريخيا. 
ليست اللغة كُتبا سماوية، أو أدبًا عظيمًا أو تاريخًا مجيدًا من الملاحم الحربية فقط، هي أداة للتواصل، للتعبير، لتفادي الاصطدامات في الطريق السريع الذي نركض فيه جميعًا بسرعة جنونية. تخيّل أنك تركض، وتفكّر فيما إذا كانت اللغة قادرةً على منحك كلمة تعبّر بدقة وخفّة، عن شيءٍ توشك على الاصطدام به. هل تقول مثلًا “إنّنا نوشك على الاصطدام بجبل ثلجي يتجه نحونا، وسنصل إليه بعد قليل، لنحذر”، أم أنك بحاجة للغة تقول “احذروا، جبلٌ أمامنا”. 
كتب أليكس دو توكفيل في كتابه “الديمقراطية في أميركا”، إنّ عبقرية الأمم الديمقراطية لا تتجلّى في العدد الكبير من الألفاظ الجديدة التي يستخدمها الناس فحسب، بل كذلك في طبيعة الأفكار ذاتها التي تمثّلها هذه الألفاظ، فالأغلبية في مثل هذا الشعب هي التي تفرض قوانين اللغة. إذن، تصبح اللغة بالنسبة لدو توكفيل، أيضا من أشكال الديمقراطية. وعندما تتّجه الأمة إلى لغتها هي أكثر من أي شيء آخر، نجد الناس فيها يلجأون إلى تجديد لغتهم، وإعطاء معنىً غير مألوف لعبارة مستعملة. وهي طريقة بسيطة وسريعة وملائمة. 
لكن، إذا ما عمل الناس في شعب ديمقراطي على جعل معنى لفظة مزدوجا بهذا الشكل، فإنهم يجعلون المعنى الأصلي غامضًا. فقد يبدأ المؤلف بتحريف معنى عبارة تحريفًا خفيفًا عن معناها الأصلي، ويبذل جهده في أن يكيّف هذا التعديل، حتى يلائم موضوعه، ثم يأتي كاتب آخر فيلوي معنى عبارة أخرى، ويحرفه بشكل آخر، وكذلك يفعل ثالث لغرض آخر. وإذ لا توجد محكمة استئناف دائمة، نلجأ إليها لتحدّد معنى الكلمة بشكل فاصل، فإنها تظل قلقةً بعيدة عن الاستقرار، وتكون النّتيجة أن يبدو الكتاب وكأنهم لا يعالجون أبدًا فكرة واحدة، معالجة طويلة، بل يبدون كأنهم يرمون إلى مجموعةٍ من المعاني، تاركين للقارئ أن يحدّد لنفسه المعنى المراد. ويختم توكفيل بأنه يفضّل أن تصبح اللغة الفرنسية شنيعة، تحتوي ألفاظًا مستعارة من الصين، أو التتار أو قبائل الهوورن، على أن تكون معانيها غامضةً، أو عاجزةً بمعنى آخر. 
هكذا كان الخطر الأكبر بالنسبة لدو توكفيل على اللغة هو غموضها، وافتقادها الوضوح. هو فقداها قوتها، وتأثيرها، بشكل يفرغ الأفكار التي تنقلها من المعنى، الأمر الذي يهدّد كل ما تنقله اللغة إلينا من فكر وإبداع، والأهم تعرقل التواصل البشري. بما أن الوظيفة الأولى للغة هي التّواصل، بل حتى الآداب والفكر والفلسفة هي أيضًا نوع من التواصل. فيقول الشاعر والفيلسوف البرتغالي، فرناندو بيسوا، “ما أنا إلّا/ مجرّد مفسّر للطبيعة/ لأن ثمة أناسا لا يفهمون لغتها/ ولأنها هي ليست أي لغة من اللّغات”. فيما الخطر الذي تواجهه اللغة العربية اليوم هو الجمود، أو العجز عن مواكبة التطور الهائل للحياة العصرية، لأنها تُرى بعين القدسية، ولا يُنظر لها أداة تواصل يتم تجميدها، بل تحفة تاريخية لا يجب المسّ بشكلها أو مضمونها. لأنّها لغة الأسلاف، لغة القرآن. 
أكبر خطر تواجهه اللغة العربية هي ذهنية التّقديس التي ستتسبب في قتلها، ليس بمحوها، بلبتوقفها التام عن التطوّر، والاستغناء عنها لفائدة لغاتٍ بديلة. فما لا يتطوّر يموت، بما أن التطور من سمات الحياة. واللغة نفسها جزءٌ من الحياة، وتخضع لمنطق الطبيعة، “من لا ينمو، يموت”. فهل حقًا تموت اللغة؟ متى، وكيف؟ هناك لغاتٌ اختفت ثم عادت ثانية، والعبرية نموذج لذلك. وهناك لغاتٌ تموت، ولا ترجع ثانيةً. إذ هناك حوالي ثلاثين ألف لغة ولدت واختفت من دون أن تترك أثرًا، منذ خمسة آلاف سنة على الأقل. تموت اللغة عندما يتوقف أهلها عن التحدث بها. وإذن، كيف تحيا اللغة؟ 
من سمات اللغة أنها متغيّرة، وترتبط قوتها بقوة أهلها. ولأجل ذلك “البقاء”، تخوض اللغة صراعاتٍ عميقة. تمر بمراحل عديدة في حياتها، فتبدأ أولى خطواتها ضعيفةً كالطفل، ثم تنمو شيئاً فشيئاً حتى تصبح يافعة، ثم تدخل مرحلة الشباب والعنفوان، وهذه مرحلة الترحال والسفر والاحتكاك مع الآخرين، ثم تأتى مرحلة الاستقرار والازدهار والتطرّف. كما يذكر كتاب “اللغة كيف تحيا؟ ومتى تموت؟” لأستاذ الدراسات اللغوية محمد داود. 
يمكن أخذ نموذج الإنكليزية الشكسبيرية القديمة التي تحولت، بمرور الوقت، إلى الإنكليزية التي نعرفها اليوم، فاللغة يطرأ عليها ما يطرأ على الكائنات الحية من الوهن والضعف، ومن ثم البقاء أو الموت كذلك. إذ لبعض اللغات قدرة التكيف والتأقلم والاندماج ببيئات جديدة. والتصارع مع بعضها، كما يتصارع البشر، ويكون نتاج ذلك السيطرة أو التقهقر، أو التمازج والاقتراض بين اللغتين أو التعايش معًا جنبًا إلى جنب، من دون غالب أو مغلوب، والبقاء يكون، في النهاية، للأقوى. 
وتمنع ذهنية التّقديس اللغة من ذلك كله، على الرغم من أن الحضارات الأخرى لم تدعها تحكم لغاتها. مع وجود سوابق لذلك، فمثلًا جسّدت لغة البشر عند توما الإكويني حكمة السماء، وكانت من ثمّ أداةً جديرةً قادرةً على مقاربة أسرار الخلق ومعالجتها. إلّا أن هذا المنطق لم يورّث في الفكر المسيحي، وتخلصت اللّغة من المسحة الدينية، بشكل جعلها أداةً بشرية خالصة، وخاضعةً لقانون التّطور. 
وفي العودة إلى اللغة العربية، مع مطالباتٍ عديدة بتحديثها، وإلغاء كثير من قواعد النحو، والإملاء المعقدة، نجد في أنفسنا مقاومةً غير مفهومة لها “على الرغم من أنها قد تكون متفهّمة الدّوافع”، فإلغاء هذه القواعد يؤثر على الصّورة الجمالية للّغة التي كبرنا في ظلّها، لكن، في الوقت نفسه، يُسّهل عملية الكتابة، وينقذ معظم الكتاب من شرك الأخطاء الإملائية الشائعة، أو النّحوية.
  • عائشة بلحاج كاتبة من المغرب – العربي الجديد

تعليق الصورة الأساسية: مثل الآكادية والانكليزية وغيرها من لغات أوروبا أساس العربية أصول ثنائية من حرفين لجأ الناطقون قبل ألوف السنين إلى توسيعها بإضافة حرف ثالث إلى الثنائية كما في الثلاثيات أو جمعوا أصلاً ثنائياً إلى أصل ثنائي آخر لخلق كلمة جديدة مثل طنبر وفركش وبحبش وطربش ومئات غيرها خصوصاً في العامية. الصورة هنا للثنائيين حص وصح وهما أساس العد المبني على الحصى في العصر الحجري (عادل بشتاوي مؤلف كتاب “أصل الكلام”).

لا تعليقات

اترك رد