أحمد عمر: “بيدي، لا بجزمتك يا بوتين”

0
67

هنّأتُ صديقاً مصاباً بوباء شائع، أطلقتُ عليه اسم “أبي سواد”، قياساً إلى مرض “أبي صفار”، بالسنة الهجرية الجديدة، فأرسل إليَّ يقول، وعمر القارئين يطول: كل عام وأنت بخير، يا حبيب ويا غالي، يجب إضافة شهر إلى الشهور العربية، اسمه شهر ذو الزفتة، أو ذو الجزمة، أو شهر غضب، مثل شهر رجب، أو شهر هربان وطفران، مثل شعبان ورمضان. 
وقع فالقٌ في الطبقات الجيولوجية الإنسانية، بعد انكسار ثورات الربيع العربي، بهجمة مرتدّة غادرة، حُكْمها هو هدف تسلّل غير شرعي، لكن الحكم الدولي لم يصفّر، بسبب كثرة اللعاب في فمه على ثروات الربيع العربي، فقطفها. ولم يكتفِ الخصوم بتحقيق الهدف، لكنهم تجاوزوه إلى قتل حارس المرمى، وتحطيم عوارضه، والتنكيل بالجمهور، وتكوّنت طبقة جيولوجية حاكمة، علتْ، وعتتْ عتوّاً كبيراً، وأذّلتْ شعوبها في أرضها، أو أجبرتها على النزوح، هرباً إلى بلادٍ أغلقت حدودها، دونها، فصارت طعاماً لأسماك البحر. أما الرؤساء فحالهم مضحكة، ولا تخلو من الذلّة، خذ مثلاً: 
رئيس أكبر دولة عربية، “وهو ما بيجمعش بس بيطرح كويس”، أذلَّ شعب مصر الكريم، وكأن له ثأر معه، بإصدار مئات القرارات الجائرة، والأحكام العرفية وأحكام الإعدام، ونكّل به، كما لم يفعل الحاكم بأمر الله، فهو يرفع كل فترةٍ أجور العسكر والضرائب، حتى اختنق الجنيه تحت الجزمة، وشاع الانتحار في أنفاق المترو، وجفّتْ دموع النيل من الحزن، وزاد منسوبُ الظلم والإعدام والإجرام والكذب والدجل، كأنَّ يأجوج ومأجوج اقتحم سور ذي القرنين، فهم من كل حدب ينسلّون، وقلّ الرزق وكثرت الأمراض والأوبئة، الشيء الوحيد الذي زاد، غير الذل، هو الدَين القومي، والدَين الديني. ومن المفارقات أنَّ الرئيس العربي المتسلّل الذي علا في الأرض، وجعل أهلها شيعا، انخفض وذلّ في أرض أسياده، فهو يقف في طابور الرؤساء ليتبرّك بمصافحة أوباما، وصرّح للأوروبيين الذين عاتبوه على إهدار حقوق الإنسان في مصر، قائلاً إن مصر ليست أوروبا المتقدمة، حقوق الإنسان ليست لنا، و”إحنا فقرا أوي” وشبه دولة، ووقف مثل التلميذ الذي لم يكتب وظيفته المدرسية بحضرة تركي آل الشيخ في أرضه، وبين جمهوره، وهو “حتة” مستشار في الديوان الملكي، بمرتبة وزير، وليس وزيرا، فحاله لا يسرّ حتى أولياءه ومناصريه، رؤساء عرّة. 
أما ولي عهد عاصمة المسلمين التي قال عنها جمال خاشقجي: كان على السعودية أن تكون أميركا العرب، قوة ًوحرية ومنعة، تحوّل إلى شيءٍ غير مذكور، إلى طاولة لترامب، يعرض عليها صور المبيعات العسكرية، وولي العهد يتصنّع الضحك إخفاءً لذلّته، وربما كان سعيداً، ومشى مع محمد بن زايد مرحاً كأنّه حاجبه، وهو”أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا”. أما والدُه فهو ما يزال يُحسن أمراً واحداً، هو رقصة العرضة. وصدرت قراراتٌ في عهد ولي العهد “كيكي” تشبه العبودية: طرد الوافدين العرب والمسلمين من أميركا العرب، ومنع المقيمين من الدراسة في مدارسها، وحظر الحج على القطريين والكنديين والسوريين، ورفع بدل الإقامة. وينوي دخول الحداثة من تحت عتبة الباب بشراء اللوحات واليخوت. وأمس، ظهر مصري يفطر مع زميلة سعودية في جدة، لم نر من وجهها شيئاً، فقامت القيامة واعتقل الفتى، لأنه أفطر مع بنت الأكرمين في شهر “جنان الأول”. لقد نجا جون ترافولتا وراغب علامة، مع أنهما حظيا بعناقات دافئة، أو أنّ العناق كان في غير ساعات العمل. 
الحال في سورية أسوأ، فقد نشأت فيها طبقاتٌ عدة، مثل الطبقات الهندوسية، الإله المعبود هو الرئيس، والطائفة الحاكمة هي البراهمة، وهم الوافدون الإيرانيون والروس، والجيش هم الكاشتر، والتجار هم الويش، وطبقة أهل بلاد السنّة، وهم من الشودرا المنبوذين. 
نقلت وكالات أنباء عالمية وعربية، أمس، أنّ نسبة الانتحار زادت في إدلب، قبل الهجوم الوشيك. يقول المنتحرون “بيدي، لا بجزمتك يا بوتين”. 
سنطلق على هذه الدول العربية: “نادي الدول العربية العرقية والعنصرية والعسكرية والطبقية والطائفية”، والتي يصعب اختصارها إلى جملة رمزية مفيدة، لأن اختصارها لا يفضي إلا إلى صوت محرّك معطوب: مثل ع ع ع، طط، أو أنين شعب طيب الأعراق، يموت تحت دواليب القهر.

كل عام وأنتم بخير.

العربي الجديد

 

لا تعليقات

اترك رد