وسام سعادة: الموجات الانتفاضية المنتشرة: خمس على الأكثر

0
31
الموجات الانتفاضية الجماهيرية التي تمتد الى مجموعة من البلدان والشعوب بالتتابع، وفي وقت متقارب، ليست كثيرة في التاريخ، بل لعلها لم تجاوز أصابع اليد الواحدة. التنبه الى هذه المعطى «الشحيح» بمقدوره ان يعيننا على امرين في وقت واحد: احالة موجة العدوى الانتفاضية للشعوب العربية لعام 2011 الى هذا الشحيح النادر في التاريخ الحديث للبشرية، وربطها بشبكة المقارنات مع النماذج والاشكالات في الموجات الانتفاضية الانتشارية السابقة، والتفلت من اوهام القابلية للخروج السريع من التقهقر والكبوة، من وهم «الميدان غب الطلب»، كما من وهم ان كل شيء ضاع سدى، فمن سمة هذه الموجات ان نتائجها وتداعياتها تعقبها على شكل «موجات ارتدادية» ايضاً.
الموجة الانتفاضية المنتشرة الاولى هي تلك التي عرفتها اوروبا نهاية القرن مع تحشيد قوى النظام القديم في كل القارة العجوز ضد الثورة الفرنسية اواخر القرن الثامن عشر. أمكن للثورة أن تتجذّر، وبشكل جنوني في غمرة مناصرة حجية العقل، وان تنبّت موجة جماهيرية مناغمة لها على امتداد القارة، وان وجب التحفظ على مدلول لفظة جماهيري هنا، ففي شبه القارة الايطالية التي انقسمت بشكل حاد بين الجمهوريين على النهج الفرنسي وبين أعدائهم، تتقدمهم البابوية، بقي جمهور الاوائل محدودا ومدينيا، وبقيت الأرياف في خانة الثورة المضادة، هذا بخلاف فرنسا التي تحول فيها الصراع بين الثورة وبين الثورة المضادة الى صراع بين الأرياف المختلفة أيضا، وليس فقط بين المدن والأرياف.
 

في كل هذه الموجات الانتفاضية التحررية، تلبست الثورة المضادة أشباحا عدة، ولم يكن سهلا في اي منها ترسيم حدود ثابتة بين خط الثورة وخط الثورة المضادة، وان يظل ممكنا رسم خطوط استمرارية طويلة الامد، بين من يتقبل مبدأ المساواة بين البشر، او يسعى لتجذيره، وبين من يرفضه جملة او يتحفظ عليه بألف حيلة.

 
مع هذا، يمكن الحديث عن موجة عبرت مجموعة من البلدان الاوروبية، وعرفت انماطا مختلفة من الحراك التأييدي للثورة الفرنسية أو المستلهم لها، وبنسب متفاوتة من الاتساع الجماهيري (في حين بقي صدى الثورتين الانكليزية والأمريكية نخبويا للغاية في البلدان الاخرى)، ويجوز اعتبارها اول موجة انتفاضية متعددة البلدان على هذا النحو، فلم يحدث في التاريخ انتقال «العدوى الجماهيرية» بهذا الزخم من قبل، الا اذا ادرجنا ضمن هذا الاطار حرب الفلاحين في المانيا في القرن السادس عشر، المسماة «انتفاضة الانسان العادي»، وبقيت محصورة في جنوب البلاد الالمانية وبعض سويسرا والالزاس.
تداخلت الموجة الانتفاضية العابرة لاوروبا مع الحروب النابليونية، وتطورت في اقاليم شتى في مواجهة مع جيش الثورة الفرنسية من حيث تحول الى جيش للتوسع والغزو، ما ساهم في تطوير الذاتيات القومية. هزيمة نابليون اقترنت في المقابل، بالنسبة لمعسكر المنتصرين عليه، وخصوصا روسيا والنمسا، مع وجوب ضرب الذاتيات القومية، وخصوصا في المانيا وايطاليا.
الموجة الانتفاضية الثانية العابرة لأوروبا كانت ثورات ربيع 1848، وهذه كانت جماهيرية بالفعل، وشملت اوسع عدد من شعوب القارة، في سياقات سياسية واجتماعية مختلفة، وان سيطر عليها منحى المزاوجة بين ما هو ديمقراطي وما هو قومي، ومنحى المناقضة بين ما هو ديمقراطي (الارادة الشعبية، المحققة برزمة اصلاحات اجتماعية قبل اي شيء آخر، والمكرسة بمطلب حق الاقتراع العام) وبين ما هو ليبرالي (حصر الناخبين بالمالكين ودافعي الضرائب، ابراز دور البرلمانات، كفضاء سياسي أمثل للبرجوازية الصاعدة، في مواجهة تجبّر الأريستوقراطية «من فوق» وجموح الشعب «من تحت»). في فرنسا، تهاوت الملكية الدستورية، وسحق ايضا معسكر «الجمهورية الاجتماعية» ليعود الاقتراع العام بالنفع على البونابرتية العائدة، التي لن تتأخر في تقويض الجمهورية مجددا، واعلان الامبراطورية، مثلما لم تتوان عن مشاركة النمساويين في قمع الحركة التحررية القومية الوحدوية الايطالية، واعادة البابا بيوس التاسع الى روما تحت الحماية الفرنسية. اما في البلاد الالمانية، التي اجتاحتها عام 1848 الموجة الديموقراطية القومية الوحدوية، سيرفض ملك بروسيا تاج الوحدة الالمانية التي منحته اياها الجمعية الوطنية المنعقدة في فرنكفورت، متمسكا بحقه الالهي الملكي، وبحق ملوك وامراء البلاد الالمانية وحدهم في جعله امبراطورا، لا العوام، ويجري بعد ذلك قمع المنتفضين على اختلاف مشاربهم، بهمة الجيشين البروسي والنمساوي. في حين سيتكفل الجيشان الروسي والنمساوي بضرب الثورة التحررية المجرية، ويتعاون الروس والنمساويون والعثمانيون على الرومان في فالاخيا ومولدافيا، والروس والبروسيون على البولونيين، ويستفرد الانكليز بانتفاضة «ايرلندا الفتاة» 1848 التي اندلعت في نهاية اعوام المجاعة الايرلندية الكبرى.
ثورات 1848 كانت اوسع موجة انتفاضية جماهيرية عابرة لعدد من البلدان، وسلسلة حروب اهلية متداخلة معها وشراكات نُظُمية قامعة بشكل دموي شامل. لم تنجح هذه الثورات في تغيير نظام الحكم الا في فرنسا، وبشكل ظهر سريعا أنه أتى بنظام مشارك بحيوية في قمع ربيع الشعوب هذا، داخل وخارج فرنسا.
انتظرت الموجات الانتفاضية العابرة للبلدان في وقت متقارب طويلا بعد 1848. معظم تاريخ العمل الجماهيري انحصر بعدها في النطاق الوطني الداخلي لكل بلد. ثمة موجة انتفاضية عابرة للبلدان، حركتها الثورة الروسية 1917 وصولا الى الثورة الالمانية 1918 وانتفاضة بيلا كون في المجر والمجالس العمالية في ايطاليا، وقد ظهرت الفاشية في الاساس كموجة مضادة لها، كمشروع «تطوعي من تحت» لقمع الثورة بالثورة، واعادة بناء النسق الهرمي الاجتماعي.
في كل هذه الموجات الانتفاضية التحررية، تلبست الثورة المضادة أشباحا عدة، ولم يكن سهلا في اي منها ترسيم حدود ثابتة بين خط الثورة وخط الثورة المضادة، وان يظل ممكنا رسم خطوط استمرارية طويلة الامد، بين من يتقبل مبدأ المساواة بين البشر، او يسعى لتجذيره، وبين من يرفضه جملة او يتحفظ عليه بألف حيلة.
هذه الموجات بقيت قليلة الحدوث، بعد 1789، 1848، بعد 1917، وثم 1989 مع ربيع شعوب شرق اوروبا ضد الشيوعية السوفياتية، وهذه الموجة جاءت ايضا على خلفية مفاصلة حول مبدأ المساواة بين البشر. ففي حين كانت كل مشكلة الحركة الاشتراكية مع المفهوم الليبرالي للمساواة انه شكلاني فقط، وينبغي اعطاؤه ملموسية اجتماعية ليستقيم، انطلقت موجة اواخر الثمانينيات من النقطة المعاكسة: التفريط بالجانب الشكلاني من المساواة بحجة اجتماعية هذا المفهوم كانت تفريطا بالملموس بكل مساواة وبكل قانون وبكل حرية.
رغم كل الحماسة لحركات التحرر الوطني ضد الاستعمار، لم يعرف النضال ضده موجة انتفاضية جماهيرية تشمل بلدانا عدة في وقت واحد، والمفارقة ان الذي عقد الآمال على هكذا موجة كان الالمان مثلا في الحرب العالمية الاولى، حين توهموا بأن اعلان العثمانيين الجهاد الى جانبهم سيشعل الشعوب المسلمة غضبا وثورة على المستعمرين الانكليز والفرنسيين. هذه الانتفاضة الجماهيرية الاسلامية المتعددة البلدان لم تحدث، لا بالتوقيت الالماني (مثلما لم تحدث الثورة العربية الشاملة ضد العثمانيين، بالتوقيت الانكليزي)، ولا بالتوقيت الاسلامي» بعد ذلك. لا حين الغاء الخلافة، اذ انحصر الغضب الجماهيري تقريبا بين مسلمي الهند، مع فترة موجزة في مصر، ولا مع الثورة الإيرانية، التي وجدت نفسها مبكرا امام مفارقة رفضها لانتقال عدواها الى سوريا، مع الانتفاضة الاسلامية في الاخيرة مطلع الثمانينيات، وهذه مفارقة تأسيسية الى حد كبير لسجل كامل من المفارقات الايديولوجية ـ المذهبية اللاحقة.
بهذا الاسترجاع للموجات الجماهيرية العابرة للبلدان، يكون ربيع الشعوب العربية 2011، هو الخامس منذ قرنين ونيف، والاول خارج الفضاء الاوروبي الذي تنتقل فيه عدوى جماهيرية من بلد الى آخر، من تونس حتى اليمن. في هذه الموجة الاخيرة ما يغري بخارطة كاملة من المقارنات مع «النماذج» السابقة. فيها ايضا، «عدم ادراك تأسيسي» بأن موجات كهذه لا تحدث كل يوم، بل هي نادرة وقليلة. هذا في مناقضة مع الوهم بأنه «يمكن النزول الى الميدان مجددا» كل مرة يعود فيها الحاكم ويتجبر. كما في نموذج 1848 تعاونت نظم وقوى مختلفة لقمع هذه الموجة. كما في كل النماذج السابقة، تداخلت ديناميات الثورة والثورة المضادة، ونشبت اشكال مختلفة من المواجهة لكل نزعة الى المساواة كمنطلق مركزي اساسي للتحرر، والى السواسية بين الناس كمدخل اول للمساواة، وكتكثيف للتحديات المتصلة بالتأسيس لعقود اجتماعية جديدة.
 
٭ كاتب لبناني
القدس العربي
 

لا تعليقات

اترك رد