لويس إسكابي: ماء لذاك الذي لم يشرب

0
91

السيدتان

السيدة التي أفضّلها هي الثروة.
بها علي أن أتزوّج، ولكن نبلاءَ
وفرساناً وسيمين يحمونها.
قصرها من ذهب وفي أبراجه
مراقبون سريّون يحرسون بألف عينٍ.
لا أحد يمرّ ولا أحد يُرى على الإطلاق.
القتال يُخاض في السهل
والسيّدة تتأمّل من بعيد
الخاطب الجديد الذي يسعى إليها،
لكنّ الأفضل يخسر دائماً.

وهناك أيضاً سيدة أخرى، الفقر،
لا قصر لها، وبما أن لا أحد
يحميها، لا أحد يهتمّ بها.
من يريد الفوز بها لا يواجه
جيوشاً جهنمية ولا حَدّ سيفٍ قاسٍ ومنتقمٍ:
يواجه الجسم النبيل فقط،
والجوع والتدهور والتعب
والاشمئزاز الذي نُكنّه لذواتنا.


■ ■ ■


الآحاد

لا تغضبي مني أيام الأحد.
هناك أيام لذلك، أيام جيدة،
حيث كل شيء أسهل، حيث الخبز
يُباع في كل الأوقات والناس
تشتريه عند عودتها من العمل؛
وهناك أطفال يُخلون المدن
وحانات لا تغلق وشرفات
مبتهجة ومليئة بالصحف.
ثم هناك أيام حزينة، أيام الأحد،
حيث لا أتقن شيئاً، حيث أقوم
بأعمال غير متقنة، أقوم بعمليات جمع خاطئة
وأخطئ مرّات عديدة في الشيء نفسه؛
وأسقط متعثراً على الدرج
ولا يهمّ ما أنا فاعله لأنه
يوم أحدٍ مرّة أخرى، وهو ذلك اليوم
الذي يجعلني فيه الرب حرّاً وحيث أفقد
الرغبة في بدء أسبوع جديد.


■ ■ ■


إلى شاعر شاب

عليك أن تعرف أن لا شيء يهمّ.
أتعني الكثير قصيدةٌ موزونة؟
أتعتقد أنك شاعر جيدٌ لأنك تعرف
بلكنة دقيقة، أن بحراً شعرياً
أكثر عذوبة من آخر؟
والموسيقى التي ترتعش في هذا البيت،
أتجعله أكثر واقعية، وربما أفضل؟
لهذا بلاغتك لا تنفع،
وهي ليست مسألة أسلوب. كل
ما تقوله ليس سوى حيلة،
وسيلة لتكذب على نفسك.
كلّما واصلت تسمية ذلك المساء
أو الشفق
الذي يتوارى ببطءٍ خلف المياه،
وأنت لم ترَه قط.
لا شيء يخفق
بقلبه الخاص في قصائدك.

للتغنّي بالحياة، عش أوّلاً.
اترك أمتعتك جاهزة دائماً.
تذكّر دروس النحو:
وظيفة القصيدة،
ما الفائدة منها،
إذا كان المتلقي لا يقبل كلماتك
على وهميتها، وإذا كانت الرسالة
لا ترتعش في ألمها ولا تترك أثراً
للحياة في جزيئات الهواء؟
بين المكتوب والمستحضر
يضيع الخداع وذلك الرجل
الذي يوجد في الأخير، عليه أن يكون موقناً
أو عليه أن يشبه الشخصية.
إذا لم يكن هناك شبه بينهما، لن يهمّ
أن تكتب ألف قصيدةٍ: لن يكون هناك بردٌ
ولا حرارة، فقط مسرحٌ
مهجورٌ، وبأمرك
ستصفّق الأشباح برتابة.


■ ■ ■


ثقل الأجساد

الماء لذلك الذي لم يشرب
والماء في الندرة، حيث لا يوجد شيء.
وفي اللاشيء أسئلة ليس لها
فضيلة ولا غرض.
رمال ومزيد من الرمال
تبطئ الطريق.
إن أردت أن تفهم،
يتحتّم أولاً خلع الملابس،
خلع الصنادل، والمشي
دون ثقل الشك الحاسم.
عند ملمس قدميك تتنازل الرمال
ويتنازل القلق، إذ إن المقدس
يذلّ المادة بعد تقدّمه.

ثقل جسدك، كم يزن؟
كم يحتلّ الجلدُ النادم؟


■ ■ ■


إلى تلك المرأة

إلى تلك المرأة التي تغسل قمصاني
وتُعدّ لي الطعام دائماً
مانحةً إياي وقتاً لم أعد
أستحقه.
عليّ أن أُعدّ طعامها
وأن أقوم بكيّ ملابسها وأن أكون أنا،
فقط مثلما فعلت هي مِراراً، مَنْ يتسوّق الآن حاجيات الأسبوع
وأن أتحمّل عبء كوني صرت رجلاً.

إلى تلك المرأة التي لم تخطر لي أبداً
على بالٍ في المناسبات السعيدة
بل فقط في أسوئها، حينما
كنت أحتاج إلى مواساتها أو إلى مشادةٍ كلامية معها.

إلى تلك المرأة التي تجهل
كم يُكلّفني ألّا أقول لها
كلمة طيّبة، كلمة امتنانٍ،
لأن ذلك يلامس أعماقي، يلامس هاويات
ذلك الشباب البعيد حيث تعلّمت
بدون أبٍ أن أكبر وحيداً، وواصلت هكذا، كما أنا الآن، ولكنني تركت
جانباً العواطف ووضعت فيها الندم عديم الفائدة الذي يخالجني.

إلى تلك المرأة التي اعتقدتْ
أني لن أكتب قط هذه الكلمات،
أهدي هذه القصيدة بتثاقل
وأطلب منها ألّا تبحث عنّي حين
تقرأها، من فضلك: فليستمر سائداً بيننا
هذا الصمت المحمود.


Luis Escavy شاعر إسباني من مواليد مدينة مُرسِيّة في الأندلس عام 1994. ولا يخفى الأثر العربي لاسمه العائلي “إسكافي” الذي يُنطق إسكابي بالإسبانية اليوم. درس الأدب الكلاسيكي واللغة اللاتينية في جامعتي أكسفورد ومُرسِيّة، ونُشرت قصائده في العديد من الأنطولوجيات والمجلّات الأدبية، وهو جزء من جيل شعري بدأ ينتبه لهُويته الأندلسية. مجموعته الشعرية “أبديٌّ ظلّكِ” صدرت عام 2016.

** ترجمة عن الإسبانية: إبراهيم اليعيشي
العربي الجديد

لا تعليقات

اترك رد